"شيلان وبندقية الكريلا".. مسيرة للآلاف من الشعب الكردي ونموذج للمرأة الثورية

لشيلان قصة كفاح ونضال منقطعة النظير، ففي عمر التسع سنوات بدأت بالنضال من أجل حرية الكرد والمرأة، وحاربت الذهنية السلطوية، وسعت إلى نشر فكر حرية كردستان بين الشعب الكردي.

"شيلان وبندقية الكريلا".. مسيرة للآلاف من الشعب الكردي ونموذج للمرأة الثورية
الإثنين 29 تشرين الثاني, 2021   01:05
حلب - سوزدار وقاص

سعاد حسن، الرئيسة المشتركة لمؤسسات المجتمع المدني في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وصفت المناضلة شيلان بالقول: "شيلان الفتاة الصغيرة، ذات الشعر الذهبي، عقلها يسبق عمرها، عيناها تشعان ببريق الأمل".

الشهيدة شيلان كوباني!

ولدت المناضلة ميساء باقي (الشهيدة شيلان) في كوباني عام ۱۹۷۱، في قرية كور علي الواقعة 25 كم غرب مقاطعة كوباني. وترعرعت في محيط يحكمه التقاليد والأعراف العشائرية، وسط أسرة مكونة من الأب والأم و(5 شابات و4 شبان)، اضطرت إلى الانتقال مع أفراد أسرتها إلى مدينة حلب، بداعي العمل، وذلك في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

تعرفت شيلان في عمر التسع سنوات -في عام 1980- على حركة حرية كردستان، وارتبطت بشخصية القائد عبد الله أوجلان وفكره، وكبرت على طموحاته متمنية أن تصبح مناضلة تليق بفكره.

شيلان وبندقية الكريلا..

لم ترتبط أسرة الشهيدة شيلان بأي من الأحزاب السياسية الكردية سابقاً، بل كانت الروح الوطنية تنبعث منها، كانت مدركة لحقيقة الاستعمار وسياسات الصهر المتبعة بحق الكرد، وبقيت محافِظة على لغتها، وهي من أوائل الأسر التي ناصرت حركة حرية كردستان في سوريا.

وأثناء وجودها في مدينة حلب، انضمت المناضلة شيلان إلى النشاطات الفنية التي كانت تقام في المدينة، وأسست مع رفاقها آنذاك فرقة (آكري) الفنية، وكانت من أوائل المشاركين في إخراج ألبوم فني، يمجد حرب الكريلا الذي انطلق في باكور (شمال كردستان)، وعبّرت في ألبومها عن عشقها اللا محدود لبندقية الكريلا بصوتها العذب الرنان على وقع كلمات أغنية (TİVİNKA MİN TİVİNKA MİN) أي (سلاحي، سلاحي.. انتفض يا سلاحي).

ولاقت شيلان صعوبة بالغة أثناء التحاقها بالمدرسة الابتدائية، كونها فتاة كردية لا تجيد اللغة العربية، بعيدة عن ثقافتها الأصلية، لكن إصرارها على التعلم منحها ميزة التفوق في دراستها.

ولأول مرة، أعلنت شيلان العصيان ضد مدرستها عندما منعتها ورفيقاتها من المشاركة في احتفالات عيد النوروز، وعلى إثر ذلك نظمت ورفيقاتها مقاومة جديدة سميت بـ "الإضراب عن الدراسة"، وبسبب موقفها السياسي، اعتقلتها السلطات السورية.

من أوائل النساء اللواتي تمردن في وجه السلطات السورية وقاومن التعذيب

سُجنت شيلان 5 أيام في سجن حلب المركزي، فرع "الأمن السياسي" التابع لحكومة دمشق، واعتُبرت حينذاك من أوائل النساء الكرديات في روج آفا اللواتي قاومن التعذيب وحافظن على مبادئهن، وأثبتن للسلطة الحاكمة أن المرأة الكردية لا تقهر وتتحلى بالوعي السياسي والقدرة على الإدارة والقيادة والمواجهة.

الطريق إلى الحرية

استكملت المناضلة ميساء باقي (شيلان) المرحلة الإعدادية، وفي آب/ أغسطس عام 1988 انضمت إلى نضال حركة حرية كردستان في مدينة حلب، وسارت برفقة أربع رفيقات لها متوجهات إلى لبنان، وعند نقطة العبور على الحدود السورية اللبنانية تم توقيفها من قبل السلطات اللبنانية. وبقيت في سجن نسائي مدة شهرين، عرفت في السجن الكثير مما كانت تجهله عن طبيعة الحياة الاجتماعية.

ثم التحقت بأكاديمية الشهيد معصوم قورقماز في لبنان، وتلقت هناك تدريباتها العسكرية والسياسية، وسميت في بداية مسيرتها النضالية باسم "سعادت"، ولاحقاً باسم "شيلان".

وعلى الرغم من إصرارها على التوجه إلى ساحات الحرب والقتال إلى جانب رفاقها، فقد أوكل إليها مهام الفعاليات التنظيمية في لبنان، وذلك بعد انقضاء مدة الدورة التدريبية في لبنان، وبعد فترة من متابعة العمل التنظيمي في لبنان، عادت مجدداً إلى أكاديمية الشهيد معصوم قورقماز العسكرية في البقاع اللبناني أواخر عام 1989.

انتخابها.. سياسياً وعسكرياً

بعد ذلك، توجهت شيلان إلى جبال كردستان، وفي ربيع عام 1995 انعقد المؤتمر الأول لاتحاد حرية المرأة الكردستانية YAJK)) في منطقة متينا بجبال كردستان، وكان أول اجتماع شامل يمثل إرادة المرأة الكردستانية في جبال كردستان، وتنظم خلالها المرأة الحرة الكردستانية نفسها بشكل خاص.

انتخبت شيلان في المؤتمر كعضوة في اللجنة المركزية، وعُينت مسؤولة عن وحدات المرأة العسكرية في إيالة زاغروس، وعندما تشكلت وحدات المرأة العسكرية الخاصة على شكل الكتائب كانت الشهيدة شيلان من الأوائل اللواتي أوكل إليهن تنفيذ هذه المهمة العسكرية على أكمل وجه.

وفي عام 2003، ومع انعقاد مؤتمر حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في جبال كردستان انتخبت شيلان لعضوية اللجنة المركزية للحزب بأغلبية الأصوات.

تأثير شيلان على النساء

استكملت المناضلة شيلان مسيرتها في روج آفا، وشاركت في مختلف النشاطات والفعاليات التنظيمية، وخطت خطوات عديدة على الصعيد التنظيمي والعملي، وخلال فترة قصيرة تلقت المخابرات السورية معلومات تفيد بوجود المناضلة في روج آفا.

/ar/uploads/files/2021/11/28/204440_saad-hsn.webp

خلال الأعمال التنظيمية للمناضلة شيلان في أحياء مدينة حلب، وخصوصاً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، التحق العديد من الأهالي والنساء خاصة، بالأعمال الجبهوية في الحي، سعاد حسن واحدة من النساء اللواتي تأثرن بنضالها.

صراع ذاتي!!!

تقول سعاد حسن عن ذلك: "سابقاً لم يكن لدي أدنى فكرة عن كردستان، والقضية الكردية، والعدو والأحزاب السياسية، ولا حتى كلمة "هفال" ماذا تعني. على الرغم من أنني كنت متعلمة، والدي كان متطوعاً في الجيش السوري، كنا نقطن في منطقة يغلب عليها الطابع العربي، أي بعيدين كل البعد عما تعنيه القضية الكردية".

تعرفت سعاد حسن على الشهيدة شيلان في زيارتها لمنزلها الواقع في شارع المخابرات بحي الأشرفية عن طريق شقيقتها، وتضيف بصدد ذلك: "في الشهر السابع من عام 1999، زارتني شيلان في منزلي، حينذاك سألتني عن أمور عديدة؛ وعما أعرفه عن كردستان، في هذه الزيارة عرّفتني على حركة حرية كردستان، وحدثتني عن مقاومة المناضلة الشهيدة "ساكينة جانسيز" ، وعن المناضلين "مظلوم دوغان، وكمال بير، وخيري دورموش"، وحقيقة الشعب الكردي.

وتزيد سعاد: "شيلان الفتاة الصغيرة أثّر فكرها وأسلوبها على شخصيتي، كان لكلامها معانٍ عديدة جعلتني أعيش صراعاً ذاتياً؛ كيف لفتاة صغيرة معرفة التاريخ، بينما أنا لا أدرك أي شيء عن كرديتي".

وفي ثاني زيارة لشيلان كانت مع إحدى صديقات سعاد حسن، تعيد ما دار بينهن من نقاش "نقاشنا لم يكن طويلاً، عندما اقترحت شيلان علينا عقد اجتماعات للشعب؛ للتعريف بالحركة. وأول اجتماع تم عقده، كان في شارع "بعيدين" الواقع في حي الأشرفية لمجموعة من النساء عددهن كان قرابة الـ 15 امرأة، بقراءة مجلة صوت كردستان، ثم عقدنا اجتماعات مماثلة في الحي، وقمنا بسلسلة زيارات لمنازل الأهالي، وحينها تعرفت أكثر على باقي الأحزاب كالحزب الشيوعي واليكيتي.

حكومة دمشق لم تستطع النيل من شيلان أثناء قيامها بمهامها القيادية في تسيير النشاطات الثورية داخل سوريا وروج آفا، لجأت أجهزتها المخابراتية إلى حبك المؤامرة وتسخير عملائها في العراق وبعض الخونة من الكرد، وتم اغتيالها أثناء قيامها بمهمة على الحدود العراقية - السورية في الـ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2004.

استشهدت شيلان بيد الغدر مع أربعة من رفاقها، وهم كل من "زكريا وجوان وفؤاد وجميل"، وتحول حي الشيخ مقصود في يوم الإعلان عن شهادتهم إلى ساحة مقاومة.

ووري جثمانها الثرى مع 4 من رفاقها في مزار الشهيد هارون في جبال قنديل.

وتخليداً لذكرى استشهاد شيلان ورفاقها والاقتداء بنضالهم البطولي، تُنظم سنوياً فعاليات متنوعة في منطقة روج آفا وشمال وشرق سوريا.

وتتحدث سعاد حسن عن شعورها بالتعب في بعض الأحيان، قائلة: "أحيانا أقول لنفسي كفى عملاً، لكنني أتخيل ابتسامة وصورة المناضلة شيلان، ومنها واستمد القوة لمتابعة العمل، وأتعهد بمواصلة العمل حتى حرية القائد عبد الله أوجلان الجسدية، وتحرير جميع النساء للوصول إلى مفهوم المرأة الحرة على خطا الشهيدة شيلان، وكافة الشهيدات المناضلات، كما أنه على كل امرأة وبخاصة نساء الحي معرفة جوهرها".

وتؤكد سعاد حسن في الختام "لا يزال حديث الشهيدة شيلان يدور في ذهني إلى اليوم، لقد اعتمدته كقاعدة أكافح بناءً عليها وعلى الثقة التي منحتها لي الشهيدة شيلان التي وأثر بها الصغار والكبار، وبفكر القضية الكردية ونهج الحرية التي اكتسبتها من أيديولوجية القائد عبد الله أوجلان".

(ي م)

ANHA