​​​​​​​كيف نبني مجتمعاً خالياً من العنف الأسري؟

لبناء مجتمع خالٍ من العنف، تجدر الإشارة إلى أشكال العنف وماهيته، وأسباب انتشاره بشكل متزايد في الفترة الأخيرة في سوريا التي تعاني منذ ما يقارب العشر سنوات من أزمة إنسانية معقدة، ولمعرفة كيف يمكن بناء مجتمع خالٍ من العنف الأسري، طرحت كيانات نسائية عاملة في شمال وشرق سوريا جملة من المقترحات، فما هي؟

​​​​​​​كيف نبني مجتمعاً خالياً من العنف الأسري؟
الجمعة 26 تشرين الثاني, 2021   02:03
قامشلو- سلافا عبد الرحمن

يقول القائد عبد الله أوجلان في إحدى مرافعاته: "تنبع مشاكل وقضايا المجتمع كافة من قضية الحياة بين الرجل والمرأة، حيث تم التلاعب بقيم هذه الحياة وتحولت إلى تناقض فيما بين الرجل والمرأة، وعلى وجه الخصوص بعد أن قامت مؤسسة الدولة بتحويل المرأة إلى ملكية عائدة للرجل والعائلة الأبوية.

ويشير القائد إلى أنه بعد ولادة النظام السلطوي الذكوري وولادة مؤسسة العائلة الصغيرة استطاع أن يطور نظاماً أحادي الإرادة ألا وهي إرادة الرجل حتى إنه في الكثير من الأحيان يتم تعريف المرأة بتعريف الرجل، أي وكأن الرجل هو الأساس ويتم تعريف المرأة به.

ويضيف: "إذا ما بحثنا في كتب التاريخ، سنرى أثر المرأة ووجودها في كل مكان رغم سياسة التعتيم والانكار، بمكان كل من يزور المتاحف أن يلاحظ وفي أول نظرة بأن النساء كن العالمات الأوائل، حيث جميع تماثيل مجتمع العصر الحجري الحديث والذي يعود تاريخها إلى ما قبل 12 ألف قبل الميلاد هي تماثيل النساء، كونهن لم يكن ينجبن فحسب، بل العماد الذي يؤسس عليه الكلان أو نواة المجتمع البشري.

ويتابع القائد عبد الله أوجلان: "نشأت مؤسسة الدولة، كما تم إنشاء مؤسسة العائلة في الفترة التي فقدت المرأة دورها، أي إن فترة استعباد المرأة وإنكار المرأة ضمن المجتمع وإنكار دور المرأة الخالقة أو المنتجة ولدت نظاماً لا يمكن لأحد إعاقته، وكل الحروب التي تتم في يومنا الراهن والدماء التي تنزف والقتل والنهب والدمار في كافة النواحي بدءاً من الاقتصاد وصولاً إلى السياسة كلها تستمد قوتها من ذهنية الرجل السلطوية".

فلا بد عند طرح دوافع العنف وأسباب احتماء المجتمع تحت مظلته باختلاف أشكاله ومسمياته وممارسته بحق المرأة بشكل خاص، يجدر البحث في الحلول وسبل القضاء عليه.

وتزامناً مع الـ 25من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، استطلعت وكالتنا آراء شخصيات نسائية معنية بشؤون المرأة، وأخرى مختصات بقضايا المرأة من الجانب القانوني والمجتمعي في شمال وشرق سوريا.

مآلات وتداعيات العنف الأسري

/ar/uploads/files/2021/11/25/202522_zynb-28large29.webp

وتعريفاً بأشكال العنف وأسبابه، والمآلات والتداعيات، وكيفية بناء مجتمع خالٍ من العنف الأسري، قالت رئيسة هيئة المرأة في إقليم الجزيرة، زينب ساروخان، إن العادات والتقاليد البالية أدت إلى زيادة نسبة العنف الأسري بين المجتمع وممارسته بحق المرأة بشكل أكبر.

وأوضحت أن النظام الرأسمالي صاغ قوانين وفق ذهنية ذكورية بحتة، ما فاقم من حدة العنف في المجتمع، وبحسب منظورها، فإن العادات والتقاليد هي مجموعة من الإرشادات توضع لمجتمع ما، وبمرور الزمن تتحول إلى قوانين تتفاخر به المجتمعات، سواء كانت إيجاباً أم سلباً.

"العادات والتقاليد الخاطئة شكل من أشكال العنف"

وتقارن زينب بين النظامين الأمومي والرأسمالي، ونجاح الأول في تلك الفترة من الزمن، قائلةً: "النظام الأمومي الطبيعي كان يدعو إلى المساواة بين الجنسين، فالحياة التشاركية بينهما لم تخلق مشاكل مجتمعية، ومع بروز هرمية السلطة وتسلقها درجات نحو الأعلى، تزايدت معها المشاكل المجتمعية، إذ تم تعنيف المرأة والقضاء على نظامها بداية، ومن ثم جرى تعنيف المجتمع بالدرجة الثانية.

وأشارت رئيسة هيئة المرأة، زينب ساروخان، إلى صعوبة حل ظاهرة العنف في فترة زمنية قصيرة، مبينة أنها قضية متجذرة في المجتمع، تعود أسبابها إلى العادات والتقاليد البالية التي يجب تجاوزها بداية، ومن ثم حل النظام الحاكم في البلاد، وبذلك يمكن معالجة الظاهرة أو المشكلة.

وتهدف هيئة المرأة إلى محاربة كافة أشكال العنف ضد المرأة، وصون حقوقها، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والمساهمة في تفعيل دور المرأة في العمل السياسي، بالإضافة إلى دعم وتشجيع المرأة اقتصادياً من خلال تطوير الجمعيات والمشاريع.

بالإضافة إلى ذلك، ركزت هيئة المرأة على إصدار قوانين حماية خاصة بالمرأة، من بينها محاربة الذهنية الذكورية بكافة أشكالها، والمساواة بين الرجل والمرأة في كافة مجالات الحياة، وحقها في الترشح والترشيح للانتخابات، كما افتتحت خلال الأعوام المنصرمة العديد من المراكز الخاصة بالمرأة ودور الأطفال، في كافة مدن ونواحي إقليم الجزيرة.

وتعقيباً على قانون الهيئة، قالت زينب ساروخان، "ساهم قانون المرأة نوعاً ما في القضاء على ظاهرة العنف، كون العادات والتقاليد تقف حاجزاً أمام القانون، يجب توعية المجتمع والمرأة، للوصول إلى حل نهائي جامع لإنهاء العنف بحقهما".

إلى هذا، طرحت زينب ساروخان، حلولاً مبدئية تعمل عليها هيئة المرأة والحركات النسائية في شمال وشرق سوريا بمشاركة عدد من منظمات المجتمع المدني، تكمن في نشر الوعي بين المجتمع والتعريف بتأثيرات العنف على المديين القريب والبعيد.

ما هو العنف الأسري؟

عرّف مجلس المرأة في حزب سوريا المستقبل، في ندوة حوارية أشكال العنف مع اقتراب اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، كالعنف الجسدي، الذي يُعدّ من أكثر أنواع العنف وضوحاً، ويشمل ممارسة القوة الجسدية ضد المرأة، وما يرافقها من تأثيرات نفسية، منها إضعاف ثقة المرأة بنفسها، والتقليل من قدراتها وإمكاناتها، وتهديدها، كما يشمل العنف اللفظي الذي يعدّ من أكثر أشكال العنف تأثيراً على الصحة النفسية للمرأة.

/ar/uploads/files/2021/11/25/202630_styr-qasm-28large29.webp

تقول عن ذلك، ستير قاسم، عضوة مجلس المرأة في شمال وشرق سوريا عن منظمات المجتمع المدني "نتابع وضع المرأة من خلال المنظمات والفعاليات التي تنظم في شمال وشرق سوريا، حيث نسعى إلى تمثيل صوتها للوقوف على مشاكلها ومحاولة إيجاد حلول لكافة المشاكل".

وتضيف عن تواصلهم مع النساء المعنفات أُسرياً "تكشف المعلومات التي حصلت عليها المنظمات النسائية العاملة في شمال وشرق سوريا أعداداً كبيرة لنساء تعرضن للعنف الأسري، لكن يلتزمن الصمت"، مشيرة إلى إعدادهم برنامج لفعاليات ونشاطات عبر لجنة مختصة تضم عدد كبيراً من منظمات وتنظيمات المرأة في شمال وشرق سوريا.

ويتضمن البرنامج نشاطات توعوية وتعريفية بالعنف ضد المرأة ومحاولة لحثها بالخروج عن صمتها، وتنظيم فعاليات في المخيمات للنساء اللواتي تعرضن لعنف مزدوج من قبل الاحتلال التركي وتهجيرها من ديارها، وما تتعرض له داخل مخيمات النزوح من جهة أخرى.

وعن نفسها كمثالٍ لم تتعرض للعنف إزاء عملها السياسي، توضح ستير قاسم، "حقيقة أنا لم أتعرض للعنف، أسرتي شجعتني على العمل في المجال السياسي، إيماناً منها بدور المرأة في بناء المجتمع تكون فيه المرأة والرجل على قدر من المساواة".

ووفق تعبير ستير، فقد اختارت طريق الكفاح لقضية المرأة على الرغم من صعوبتها، قائلة بهذا الصدد: "اخترت هذا الطريق لتحقيق غاية سامية وهي قضية المرأة وحريتها وكرامتها وحقوقها".

لماذا يلجأ الرجل إلى ممارسة العنف؟

العنف نتاج وراثي مجتمعي قديم، وما عزز من استخدامه إساءة السلطة التي قسمت المجتمع، وربط الأعمال الصعبة بالرجل، وتوصيف المرأة بالضعيفة والضلع القاصر، ما مكن من ممارسة العنف بحق المرأة بشكل أكبر.

وعن ذلك، تقول ستير قاسم: "في المناهج التعليمية الخاصة بحكومة دمشق دائماً كانت للمرأة الأعمال المنزلية، وللرجل مهام العمل خارج المنزل"، داعية إلى تغيير الصورة النمطية في المجتمع، من خلال نشر الوعي وسن القوانين، فالأسرة هي أساس المجتمع وقاعدته.

ولبناء مجتمع خالٍ من العنف، يجب البدء بالأسرة، من ناحية المساواة بين الجنسين، وعدم التمييز بينهما، ووضع مناهج تعليمية تكسر الصورة النمطية للمرأة على الإدارة والعمل، سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً، وهذا يعطي استمرارية والدفع إلى الأفضل، من خلال سن القوانين لتجريم كافة أشكال العنف ضد المرأة منها، وتعدد الزوجات وتزويج القاصرات.

كما يستند بعض مرتكبي العنف من الرجال إلى الدين، وذلك نتيجة مقاربات مشوهة لتفسير آيات القرآن الكريم، فيما يجب يمكن نشر تعاليم الدين الصحيحة، ليكون عاملاً في سوق المجتمع نحو مجتمع أخلاقي ديمقراطي، تكون فيه المرأة قادرة على أداء دورها دون إقصاء أو تهميش.

"المرأة كيان حر"

قانونياً، قالت المستشارة القانونية في منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة في قامشلو، ندى ملكي، "لبناء مجتمع خالٍ من العنف، وكون الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، يجب توعية الوالدين، وبداية يجب تخليص الأب من الذهنية الذكورية المتسلطة، وتعريفه بكيان المرأة الحرة، التي لها حق في التعليم والصحة والعمل".

بينما يجدر تنبيه الأم إلى مخاطر الشخصية الضعيفة، وعدم قدرتها على الرد في الوقت المناسب، مما يجعلها عرضة للعنف والاضطهاد، لذا يجب التغلب على الذهنية الأبوية السلطوية التي زرعتها العادات والتقاليد.

لمجتمع خالٍ من العنف يجب تنمية الأسرة

/ar/uploads/files/2021/11/25/202727_nda-mlky-28large29.webp

وشددت ندى ملكي على أنه لبناء مجتمع خالٍ من العنف، يجب تنمية الأسرة، وبذلك نكون قد بنينا مجتمعاً قائماً بالأخلاق"، مؤكدة أن سلطة القانون ليست برادع حقيقي وقادر على القضاء عليه، مع عدم الاستغناء بشكل نهائي عن القوانين، إنما صياغتها وفق ضوابط أخلاقية.

/ar/uploads/files/2021/11/25/202706_mzkyn-hmw.webp

واتفقت الإدارية في اللجنة الاجتماعية في مؤتمر ستار في قامشلو، مزكين حمو، مع المستشارة القانونية ندى ملكي، على أن الأسرة هي القاعدة الرئيسة في المجتمع، "لذا يجب بناؤها بالشكل الصحيح لينشأ مجتمع خالٍ من العنف ومبني على المساواة، يصون حقوق الجنسين".

وطرحت مزكين حمو مبدأ النقاش المتبادل بين الأسرة، واعتماد لغة الحوار، في خطوة من شأنها القضاء على الذهنية الذكورية، مع تقبل الرأي الآخر، وذلك بتنظيم حملات توعوية، ومحاضرات ثقافية، بالإضافة إلى تخصيص وقت فراغ للطفل.

"جهتان تحدان من مشاركة المرأة"

من جهتها، تطرقت الناطقة باسم مجلس المرأة السورية، لينا بركات، إلى الانتهاكات التي ترتكب بحق المرأة في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة دمشق، والمناطق المحتلة من قبل تركيا، مشيرة "لا توجد بيئة قانونية تحمي المرأة، فهي لا تستطيع اللجوء إلى المحاكم لحماية نفسها من العنف، هناك مواد تمييزية بما يخص مناطق حكومة دمشق، تمنعها من ممارسة حقوقها"، وزادت "ما زاد الطين بلة، هو وجود مرتزقة الاحتلال التركي الذين يملكون أفكاراً معادية لحرية المرأة، فهم يعرفون تمام المعرفة أنه للسيطرة على المجتمع يجب أن تبدأ بالمرأة.

/ar/uploads/files/2021/11/25/202645_lyna-brkat-28large29.webp

وأكدت لينا بركات أن مرتزقة الاحتلال التركي لا يملكون أدنى مستويات الأخلاق، فالمناطق المحتلة تشهد بشكل شبه يومي جرائم اغتصاب وخطف يندى لها جبين الإنسانية.

وأضافت: "إن عدم سماح الاحتلال التركي للمنظمات الإنسانية برصد هذه الانتهاكات، وعدم الحصول على إحصائيات دقيقة لمثل هذه الجرائم، وتعريض المرتزقة حياة العاملين الإنسانيين في المنظمات للخطر، يحول دون كشفها، ورفعها كوثائق رسمية للمنظمات الدولية لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم".

ورأت لينا بركات أنه لحماية المرأة السورية، يجب أن يكون مجلس المرأة السورية مثلاً كمؤسسة نسائية عاملة على كافة الجغرافية السورية حمْل لواء الدفاع عن النساء المعنفات، والحصول على حقوقهن أو المطالبة بتغيير القوانين وتعديلها وإلغاء التمييز في القوانين وتطبيق المعاهدات والاتفاقات الدولية التي تحفظ وتصون كرامة المرأة.

وزادت: "يجب إعداد خطة إعلامية ممنهجة، وتحديث المناهج التعليمية، كل هذا يحتاج إلى خطة وطنية ومجهود لرفع مستوى الوعي عند النساء فيما يتعلق بمناطق حكومة دمشق".

أما فيما يتعلق بالمناطق المحتلة، فدعت لينا بركات "إلى تحرير هذه المناطق من الاحتلال، لأنه كارثة بالنسبة للنساء، وتوثيق الانتهاكات الحاصلة في تلك المناطق"، متمنية خطو خطوات حقيقية في الاتجاه الصحيح للقضاء على العنف والتمييز الممارس بحق المرأة.

(ي م)

ANHA