السحر ينقلب على الساحر.. الإمارات تطبّق "الاقتصاد في خدمة السياسة" على تركيا

تمثل زيارة ولي عهد أبو ظبي إلى تركيا، بداية مرحلة جديدة بالنسبة إلى الأخيرة والمنطقة بشكل عام، كون الصراع بين الدولتين كان على أكثر من جبهة، فهل ستنهي الاتفاقات الأخيرة الأزمة بين البلدين وما هو الثمن الذي قدمته تركيا التي تعاني من تعثر في الاقتصاد.

السحر ينقلب على الساحر.. الإمارات تطبّق "الاقتصاد في خدمة السياسة" على تركيا
الجمعة 26 تشرين الثاني, 2021   03:10
مركز الاخبار - يحيى الحبيب

بعد اتهامات وحرب غير مباشرة بدءًا من سوريا وصولًا إلى مصر وليبيا واليمن وغيرها من الجبهات، حظي ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد باستقبال مهيب لدى وصوله إلى القصر الرئاسي في العاصمة التركية، أنقرة.

عقد من القطيعة السياسية بين أبو ظبي وأنقرة، بدأت بعدها مرحلة الانفراج باتصالات امتدت على مدى أشهر طويلة، بدأت باتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين، ثم بزيارة لم تكن متوقعة، لمستشار الأمن الوطني الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد إلى أنقرة ولقائه بأردوغان منتصف شهر أغسطس/ آب الماضي.

محطات بارزة

ثلاث محطات بارزة للعلاقات الإماراتية – التركية، أولى هذه المحطات كان الخلاف بين الدولتين بشأن مصر، حيث دعمت أبو ظبي إزاحة ممثل الإخوان الرئيس المصري آنذاك، محمد مرسي، المدعوم تركيًّا من الحكم.

أما المحطة الثانية، فكانت اتهام الإمارات بدعم الانقلاب الفاشل في تركيا عام 2016، وقال وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في شهر فبراير/ شباط 2020 إن الإمارات تحاول النيل من تركيا وإثارة الفوضى والإضرابات فيها، وقال إن الإمارات تسعى لإثارة البلبلة وزرع الفتنة وإلحاق الضرر ببلاده.

المحطة الثالثة كانت مع بدء الأزمة الخليجية عام 2017، حيث وقفت تركيا إلى جانب قطر.

وفي وقت قامت السعودية والإمارات والبحرين ومصر بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وإغلاق المنافذ البرية معها ومنع الطائرات القطرية من التحليق عبر أجوائها والنقل البحري إلى قطر عبر موانئها، بعد ذلك بيومين صادق البرلمان التركي على معاهدة للتعاون العسكري بين قطر وتركيا، كان من بين بنودها إقامة قاعدة عسكرية في قطر ونشر جنود أتراك في الدولة الخليجية.

التماهي مع الاستراتيجية الأمريكية المستقبلية

/ar/uploads/files/2021/11/25/202858_whatsapp-image-2021-11-25-at-12.38.09-pm.webp

وحول ذلك، قال الصحفي والمحلل المختص في الشأن التركي، سركيس قصارجيان: "بمتابعة السياق الزمني لما يحدث في المنطقة بدءًا من قمة العلا التي انتهت بمصالحة خليجية – خليجية مرورًا بالمحاولات الخليجية للوصول إلى اتفاق مع إيران، واليوم زيارة الوفد الإماراتي إلى تركيا وزيارة وفد إماراتي إلى قطر. كل هذه جزء منها مرتبطة باستراتيجية الولايات المتحدة المستقبلية التي أعلنت عنها من خلال مجابهة الصين وإرجاء الاهتمام بالشرق الأوسط إلى مراتب لاحقة".

وأضاف: "بالتالي هذا يجبر دول المنطقة على إعادة ترتيب أوراقها وعلاقاتها بهدف التقليل من خطورة العوامل التي تهدد أمنها ومستقبلها".

الاقتصاد في خدمة السياسة.. تركيا تنهار اقتصاديًّا والإمارات تستغل

وتأتي أهمية هذه الزيارة، في وقت تشهد تركيا أكبر أزمة اقتصادية في تاريخها، حيث تراجعت الليرة التركية بنسبة 15 في المائة يوم الثلاثاء الماضي، مسجلة أدنى مستوياتها القياسية مقابل الدولار.

وجاء ذلك بعد يوم من دفاع أردوغان عن خطة مثيرة للجدل لخفض أسعار الفائدة لتعزيز الاقتصاد، والتعهد بمواصلة ما أسماه "حرب الاستقلال الاقتصادية" في البلاد.

وخسرت الليرة 45٪ من قيمتها هذا العام، مما يجعلها أسوأ العملات أداء في العالم، ما أفقد المستثمرين الثقة.

ووقّعت تركيا والإمارات عددًا من الاتفاقات التجارية، على هامش زيارة ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد، لأنقرة، ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم 24 تشرين الثاني الجاري.

وشملت الاتفاقات ومذكرات التعاون بين البلدين، مجالات التجارة والطاقة والبيئة والاستثمار، كما أعلنت أبو ظبي تأسيس صندوق بقيمة عشرة مليارات دولار لدعم الاستثمارات في تركيا.

وحول ارتباط هذه الزيارة بالانهيار الاقتصادي التركي، أوضح قصارجيان "هناك رؤية إماراتية تم طرحها بشكل مباشر من قبل وزير الدولة للشؤون الخارجية السابق والمستشار أنور قرقاش الذي تحدث عن فكرة الاقتصاد في خدمة السياسة".

وأضاف: "بالتالي تسعى الإمارات، بالإضافة إلى ترتيب الأوراق، إلى تنويع اقتصادها، وتعتبر أن تركيا أرضٌ خصبة للاستثمار وجني مكاسب اقتصادية؛ بسبب موقعها وطبيعتها وعدد سكانها، كل هذه الأمور تشجع الإمارات على الاستثمار. والعامل الأهم حاليًّا هو تدني الليرة التركية. وبالتالي بات من الأسهل، بالنسبة إلى الإمارات، الحصول على استثمارات كبيرة بأسعار أقل".

وحول الوضع الاقتصادي في تركيا، قال قصارجيان: "هو سيء جدًّا وقبل الزيارة وصلت الليرة التركية إلى 13 ليرة ونصف تقريبًا أمام الدولار، وهو مستوى قياسي تاريخي في تاريخ العملة المحلية التركية، ولكن انتعشت الليرة بسبب التوقعات الكبيرة من هذه الزيارة ومن ثم الإعلان عن الاستثمارات الإماراتية بقيمة 10 مليار دولار".

وتابع: "حاليًّا الليرة عند سقف الـ12،10، طبعًا هذا أيضًا مستوى قياسي بالنسبة إلى الليرة التركية ولها تداعياتها والتداعيات بدأت بالظهور بدءًا من فرض زيادة على أسعار الطاقة وارتفاع سعر الخبز، حتى الآن الحكومة التركية تضغط للحفاظ على الأسعار في حدودها المنطقية قدر الإمكان ولكن الزيادة على الدولار ستنعكس بشكل طبيعي على الأسعار، وبالتالي ستزداد الأزمة الاقتصادية في تركيا عمقًا".

هل ستنقذ هذه الاتفاقيات أردوغان؟

وحول قيمة هذه الاتفاقات، قال المختص في الشأن التركي: "بحد ذاتها لا تكفي لإنقاذ أردوغان، ولكنها بالطبع تسهم في نوع من الانتعاش بالنسبة إلى الليرة التركية، الأهم في هذه الاتفاقات هو تعزيز الاستثمارات الإماراتية ثقة المستثمرين الأجانب في تركيا مجددًا وتعزيز ثقة المواطن التركي بالليرة التركية، هذا طبعًا قد يؤدي إلى بعض الانفراجات ولكن القول إن الاستثمارات بقيمة الـ 10 مليارات دولار ستنقذ أردوغان هو سقف مرتفع جدًّا للتوقعات خاصة ونحن نتحدث عن دولة عليها مستحقات بحدود الـ 167 مليار دولار، يجب دفعها خلال أقل من عام. وبالتالي الموضوع أكبر من صندوق استثماري بقيمة 10 مليار دولار".

تركيا أردوغان.. من الهيمنة إلى ساحة تنافس اقتصادي بين الإمارات وقطر

وكان السلطان العثماني، كما أسماه الكثيرون، يحلم بتوسيع هيمنة بلاده على مختلف دول العالم وأصبحت تركيا كالأخطبوط.

إلا أن الدور المصري وبالتعاون مع دول إقليمية متضررة من التحركات التركية، تم إفشال هذه التحركات ولم تحقق تركيا أي أرباح من تحركاتها في شرق المتوسط وأفريقيا، كما أن التدخل الروسي لصالح دمشق ووجود الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أفشل خططها في سوريا.

ونتيجة لهذا الفشل، اتجهت تركيا إلى تبريد الجبهات مع مختلف الدول، حيث طلبت إجراء حوار مع مصر ودول الخليج، إلا أن حوارها مع مصر لم يشهد أي تقدم.

وحول ماذا قدمت تركيا للإمارات، قال قصارجيان: "هنا نتحدث عن مصالح اقتصادية متبادلة. الطرفان في النهاية لهما مصلحة في التشاركية الاقتصادية، أما سياسيًّا، تركيا منذ فترة تنازلت عن خططها بما يعرف بالعثمانية الجديدة وتثبيت الإخوان المسلمين في عدة دول عربية، لأن هذا المشروع أصلًا لم يعد مشروعًا ساري المفعول".

وأشار قصارجيان إلى أن "تركيا لم تكن وحيدة في هذا المشروع، يجب أن نتذكر أن كل الدول الغربية دعمت مع بداية ما سمي بالربيع العربي وصول الإخوان إلى الحكم في الدول العربية، وبالتالي هذه الدول بعد أن انسحبت؛ حاولت تركيا المضي قدمًا في هذا المشروع بمفردها. ولكنها أيقنت بأنها لن تنجح. المشروع سقط وبداية سقوطه كان في مصر ثم تونس والآن في ليبيا، وفي سوريا سقط المشروع أيضًا، لم يعد هناك موطئ قدم للإخوان في أي من سلطات هذه البلاد".

وبعد أن سعى أردوغان إلى السيطرة على ثروات الدول العربية والشرق الأوسط كليبيا وتونس وشرق المتوسط، تحولت تركيا إلى ساحة خصبة تثير شهية الدول الاقتصادية.

وحظيت قطر بامتيازات خلال السنوات الأخيرة في تركيا، حيث استحوذت على 10 في المائة من أسهم بورصة اسطنبول، ومعها ميناء أنطاليا وأكبر مراكز التسوق في اسطنبول، ومشاريع تطوير خليج القرن الذهبي في الجانب الأوروبي من المدينة السياحية.

ويرى مراقبون أن كل هذه الاستثمارات فتحت شهية أبو ظبي على شراء حصص هي الأخرى في مشاريع تركية وإنشاء شراكات استراتيجية، لاسيما في مشروع قناة اسطنبول الجديدة، والذي سيربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود.

وتستغل هذه الدول رغبة تركيا في دعم الاقتصاد التركي والعملة التركية المحلية والتي فقدت نحو 40 في المائة من قيمتها خلال العام الحالي فقط، وباتت تؤرق أردوغان وتهدد فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في يونيو/ حزيران 2023.

ورأى قصارجيان أن "تركيا الآن هي الأكثر حرصًا على ترتيب أوراقها في الداخل ويحاول أردوغان على الأقل ضمان استمرار حكمه في الانتخابات القادمة، خاصة وأنه قام بكل هذه الترتيبات وتغيير نظام الحكم؛ بهدف وحيد وهو أن يستمر في السلطة. وبالتالي الآن الهدف الأساسي لتركيا هو تحقيق هذه الأمنية بالنسبة لأردوغان".

تأثير على الملفات الإقليمية

وحول تأثير هذا التقارب على الملفات الإقليمية، قال سركيس قصارجيان: "نعم سيكون هناك تأثير، لكن يجب ألا نرفع سقف التوقعات هنا أيضًا؛ لأننا في النهاية من نشهد السياسات الجزئية، وبالتالي من الممكن أن تستمر هذه العلاقات وتصبح أكثر دفئًا. وفي الوقت ذاته تكون هناك خلافات في عدد من الملفات، هناك علاقة وثيقة بين أنقرة وموسكو وأيضًا بين أنقرة وطهران في ظل وجود خلافات عميقة في عدد من الملفات، بالنسبة إلى موسكو الملف الأوكراني ملف حساس جدًّا ومرتبط بالأمن القومي وهناك خلاف مع تركيا في هذا الملف بالنسبة إلى إيران الملف السوري، مع روسيا هناك خلاف في سوريا وليبيا".

واختتم الصحفي والمحلل المختص في الشأن التركي، سركيس قصارجيان حديثه، قائلًا: "قد يكون الإطار السياسي للعلاقة الإماراتية – التركية أيضًا شبيهًا بالعلاقات التركية مع روسيا وإيران مع فارق بسيط، هو أن تركيا تشعر بحاجة إلى الإمارات أكثر ليس فقط من أجل الاستثمارات، ولكن أيضًا بسبب وجود سادات بكر في الإمارات، وما في حوزته من معلومات حساسة جدًّا. وبالتالي بطبيعة الأحوال أعتقد أن هذه العلاقة ستأثر إيجابيًّا على الملفات الخلافية بين الجانبين ولكن ليس إلى درجة تطابق الرؤى أو الاستراتيجيات".

(ح)

ANHA