باحثان أمريكيان يتحدثان لوكالتنا عن خلفيات التطبيع العربي مع حكومة دمشق

أثارت التحركات العربية نحو التطبيع مع حكومة دمشق والتي بدأتها الأردن والإمارات الكثير من الضجيج الإعلامي والسياسي، وسط موقف أمريكي "قلق" لكنه غير رافض بشكل نهائي لهذه التحركات. فإلى أين سيصل قطار التطبيع مع دمشق؟ وما ارتباط ذلك بالتطبيع العربي – الإسرائيلي؟ وما هي أهدافه؟

باحثان أمريكيان يتحدثان لوكالتنا عن خلفيات التطبيع العربي مع حكومة دمشق
السبت 20 تشرين الثاني, 2021   03:11
مركز الأخبار- كيفارا شيخ نور

وزار قبل أيام، وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد آل نهيان، دمشق، وذلك بعد قطيعة دامت سنوات، وجاءت هذه الزيارة بعد اتصال هاتفي بين بشار الأسد وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان.

وبدأت هذه التحركات بعد أحداث درعا، حيث تحرك الأردن لحل هذا التوتر، فزار الملك الأردني كل من روسيا والولايات المتحدة، وأجرى الأسد اتصالًا هاتفيًّا مع الملك الأردني عبد الله الثاني، كما زار وزير الدفاع في حكومة دمشق عمان والتقى نظيره الأردني.

ويرى مراقبون أن هذه التطورات، منذ تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن، في كانون الثاني، جاءت تتويجًا لمسار التطبيع مع حكومة دمشق الذي بدأته دولة الإمارات منذ فترة.

وقد تكون المساعي العربية بوساطة روسية مرتبطة بالتحركات التي تجريها موسكو مع إسرائيل، حيث قامت هذه الدول بتطبيع العلاقات مع تل أبيب، كما أن الحوار الأمريكي - الروسي الجاري في سوريا منذ حزيران، والتقييمات المشتركة ضد الوجود الإيراني وحزب الله في سوريا على خط تل أبيب - موسكو، قد تشمل فتح قنوات حوار مع حكومة دمشق.

بالون اختبار أمريكي لدمشق

وبدورها، أكدت واشنطن عدم دعمها لأي جهود عربية مع حكومة دمشق، إلا في حال انخراط الأخيرة في الحل السياسي الحقيقي الذي لا رجعة عنه للأزمة السورية، وعلى الرغم من عدم إعطاء الضوء الأخضر لقطار التطبيع العربي مع دمشق، إلا أنها لم تعطِ الضوء الأحمر حيال ذلك.

هذا الموقف الأمريكي، يرى فيه مجتمع الخبراء بالون اختبار لنوايا دمشق حيال الحل السياسي، وأن زيارة الملك الأردني إلى واشنطن وموسكو خلال الفترة الماضية، وكذلك اتصاله الهاتفي مع الأسد وفتح الحدود السورية - الأردنية منذ بضعة أشهر أتت ضمن هذا السياق.

مصالح اقتصادية

وتكهنت تقارير أمريكية أن التقارب بين الإمارات وحكومة دمشق يمكن أن "يخدم الطرفين"، كما أشارت تلك التقارير إلى أن الإمارات تعتبر مكان إقامة لآلاف السوريين، والعديد منهم يرسلون الأموال إلى وطنهم الأم، والذي يأتي في ظل الوضع الكارثي الذي تعيشه مناطق حكومة دمشق.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك بحث أردني عن المصالح، حيث يعاني من اقتصاد متهالك، واجتمع وزراء الطاقة في حكومة دمشق ولبنان والأردن ومصر، مؤخرًا، في العاصمة الأردنية (عمان) لبحث سبل إيصال الغاز المصري إلى لبنان، عبر الأردن وسوريا.

وجاءت هذه الاجتماعات بعد موافقة من الولايات المتحدة الأمريكية، على مساعدة لبنان من أجل حل أزمة الكهرباء فيه، عبر إيصال الغاز المصري عن طريق سوريا.

وفي ظل ما تشهده المنطقة على المستوى السياسي، يرى محللون أن المحرك الرئيسِ لإعادة تفعيل الخط هو الأردن، وذلك لأسباب اقتصادية.

وعلى الرغم من الموقف البارز للإمارات ومصر والأردن، إلا أن السعودية والتي تعتبر صاحبة القوة في تحديد موقف التكتل الخليجي، لا تزال تتبع سياسة حذرة.

وفي هذا السياق، يقول كبير الباحثين في معهد نيولاينز الأمريكي، نيكولاس هيراس، لوكالتنا: إن "المملكة العربية السعودية تسير على خطا الإمارات، لكنها لا تسعى إلى شراكة دافئة مع دمشق. بينما يهتم الأردن بقدرة الدولة على الصمود، ويرى النظام الملكي الهاشمي فرصة للتخفيف من الأزمة الاقتصادية في الأردن من خلال التجارة مع سوريا".

النفوذ الإيراني.. خطوات خجولة على الأرض

التطبيع العربي مع دمشق يحدث على مستويات متعددة، ويرى مراقبون أن الغرض الأهم منه هو الحد من نفوذ إيران وتركيا في مناطق معينة من سوريا، وتعتمد في ذلك الدول العربية على الدور الروسي التي تعترف به وجاء ذلك في اللا ورقة الأردنية بشأن سوريا والتي أقرت بضرورة انسحاب القوى الأجنبية، ما عدا روسيا.

هذه المساعي العربية تصطدم بعائق واحد، وهو أن الأسد حليف لإيران (العدو الرئيس للسعودية وبطبيعة الحال الإمارات)، وعلى الرغم من انحياز الإمارات إلى جانب السعوديين في الكثير من المواقف في المنطقة، لكنها أظهرت خطًّا مستقلًا في سياستها الخارجية، ولعل الانفتاح صوب دمشق جزء من هذا المسار، فمعظم دول الخليج تسعى إلى توثيق العلاقات مع حكومة دمشق على أمل تجريدها من إيران.

وبالتزامن مع هذه التطورات، تحدثت أنباء عن قيام حكومة دمشق بطرد قائد قوات الحرس الثوري الإيراني في سوريا جواد الغفاري، وتعقيبًا على ذلك، قالت مصادر رسمية سورية لموقع المونيتور الأمريكي: "أصبح عبئًا(الغفاري)، لقد تغيّر الوقت، وما زال يريد التصرف وفقًا لقواعد الحرب، في الوقت الذي أوشكت فيه الحرب على الانتهاء".

كما قالت مصادر متعددة من الجانبين السوري والإيراني لـ "المونيتور" إن "قرار عزل الغفاري اتُخذ بحلول منتصف تشرين الأول، أي قبل ثلاثة أسابيع من زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى دمشق".

كما أشارت مصادر المونيتور، إلى أن مستقبل الوجود الإيراني في سوريا بدا وكأنه يقسم قيادة دمشق، فهناك معسكر شديد الحذر ويصر على إظهار التقدير والاحترام للإيرانيين لما فعلوه خلال العقد الماضي، ويقود هذا المعسكر بشار الأسد وبعض مستشاريه وعدد من المسؤولين العسكريين.

فيما يريد المعسكر الثاني أن يقبل الإيرانيون وحلفاؤهم بأن الحرب في سوريا قد انتهت ولا داعي لوجودهم، ومن بين الأعضاء البارزين في هذا المعسكر أسماء الأسد واللواء ماهر الأسد، وأكد مصدر سوري رسمي تحدث إلى "المونيتور" أن الاستقطاب الإقليمي شق طريقه إلى النخبة العليا في دمشق التي تستعد الآن لعملية إعادة الاعمار، والتي تعتبر توجهًا إلزاميًّا نحو ما يعتبرونه مصالحة وسلامًا مستدامًا.

وجهة نظر إيرانية مغايرة

إلا أن ما يسمى المحور الذي تقوده إيران والداعم لدمشق، له وجهة نظر مغايرة تمامًا، حيث أشار الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله إلى أن التطبيع العربي مع حكومة دمشق هو نصر للأسد ولحلفائه، كما فسرت صحيفة جيهان، التابعة للمرشد الإيراني علي خامنئي، تطبيع الإمارات للعلاقات مع دمشق على أنه "نصر لمحور المقاومة على المشاريع الخطيرة".

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والباحث الأمريكي في معهد أمريكان انتربرايز (AEI)مايكل روبن: "من غير الواقعي الاعتقاد بأن سوريا ستنفصل عن المحور الإيراني ما دام الأسد في السلطة، الأسد ليس مدينًا لحزب الله والحرس الثوري الإسلامي على مساعدتهما فحسب، بل تحتفظ إيران بوجودها في سوريا والذي لن تفقده قريبًا، كما أن روسيا لديها القليل من الرغبة في رؤية سوريا وهي تغير وجهتها".

قلق عربي من الدور التركي

الدافع الآخر للخطوات العربية هذه هو الدور التركي الخطير في سوريا والخشية من وصول الاخوان المسلمين إلى سدة الحكم في بلدانهم، فطالما حذرت تلك الدول من الخطر الإخواني وعرابته تركيا، وذلك بعد سيطرة الإخوان على السلطة في ليبيا ومصر، وكذلك عبر التغلغل التركي في قطر المحاذية للإمارات والسعودية.

وسعيًا من تلك الدول لدرء هذا الخطر عملت الإمارات إلى إقامة علاقات مع الدول المعادية والمحاذية لتركيا كاليونان وقبرص، وكذلك عبر دعمها للجنرال الليبي خليفة حفتر (المعادي لتركيا)، إلا أن بناء القوس المعادي لتركي لن يكتمل إلا عبر نسج العلاقة مع حكومة دمشق.

ويقول في هذا السياق نيكولاس هيراس "إن الإمارات العربية المتحدة ومصر ترى أن هناك فرصة للحد من التوسع التركي في الشرق الأوسط في سوريا. لم تتوقف الإمارات العربية المتحدة ومصر عن العلاقات الواقعية التي تركز على الأمن مع نظام الأسد طوال الحرب".

أما مايكل روبين، فيقول بدوره: "لن يكون لتركيا نفوذ كبير في مناطق سوريا التي لا تحتلها، السوريون باستثناء الراديكاليين، لا يحبون تركيا، بينما يريد أردوغان إحياء الإمبراطورية العثمانية، يتذكر السوريون كيف كان حالهم حينما كانوا قابعين تحت الحكم العثماني".

من بحث عن إسقاط إلى تغيير للسلوك.. هل تغيّر تفكير دمشق؟

بعد الدعم الروسي والإيراني الكبير الذي أسهم في عدم سقوط حكومة دمشق اتجهت دول الغرب والشرق في الفترة الأخيرة إلى سلوك أسلوب آخر، وعبّروا عنه مرات عديدة وهو تغيير سلوك دمشق عبر التطبيع معها، واستخدام أسلوب الترغيب عوضًا عن الترهيب وبشكل تدريجي عبر سياسة الخطوة مقابل الخطوة.

ويتخوف كثيرون من أن هذه الخطوات حول التطبيع مع حكومة دمشق دون الوصول إلى اتفاق سياسي لحل الأزمة السورية سيدفع حكومة دمشق إلى التفكير بأنها انتصرت على الجميع، وستعمل على عودة البلاد إلى ما قبل 2011 وهذا ما يهدد بعودة الأزمة إلى المربع الأول.

وحول ذلك، يقول مايكل روبين: "نظام الأسد في دمشق يستطيع إخراج نفسه من وضعه الحالي. لولا سوء إدارة الأسد لما كانت هناك حرب أهلية. ومع ذلك، فقد انتصر إلى حد كبير في هذه الحرب. سيكون من المستحيل العودة إلى ما كانت عليه الأمور من قبل".

(ي ح)

ANHA