مجزرة بدون دماء.. تركيا تقتل الملايين ببطء عبر حرب المياه

تتسبب الممارسات التركية في تدمير الأمن المائي لملايين السكان في كردستان، سوريا والعراق في تبعات أخرى كارثية، أهمها تهجير السكان ومحو تاريخ أعرق الشعوب وأقدمها على وجه الأرض.

مجزرة بدون دماء.. تركيا تقتل الملايين ببطء عبر حرب المياه
الأحد 14 تشرين الثاني, 2021   00:50
كوباني - زانا سيدي

في خطواتٍ يسجلها التاريخ في سجل الجرائم بحق الشعوب، تستمر الدولة التركية في مخططٍ هو الأخطر ضد شعوب القاطنة على ضفاف دجلة والفرات أهم الأنهار في الشرق الأوسط إلى جانب النيل العظيم.

في الملف الأول الذي نشرَ الأمس، سلطنا الضوء على ما تنتهجه الدولة التركية من عملية بناء السدود، خفض منسوب المياه وتجفيف الينابيع، إلى جانب الاتفاقيات المبرمة بين الحكومات السورية، العراقية والتركية بشأن تقاسم كمية مياه الأنهار.

نستمرُ في الملف الثاني شرح أهمية نهري دجلة والفرات تاريخياً، إلى جانب ابتلاع المياه للتاريخ في كردستان وتبعات الحرب التي تنتهجها الدولة التركية.

بين دجلة والفرات تاريخياً

كان للمناخ المناسب وتوفر المياه وخصوبة الأرض الدور الكبير في جذب المجموعات البشرية صوب الأراضي الواقعة في بلاد ما بين النهرين "ميزوبوتاميا".

إذ هيأ العيش بجوار الأنهار والينابيع الوفيرة في منطقة كردستان والعراق حالياً، وكثرة النباتات والفواكه والثمار على شكل حقول طبيعية، واحتوائها على حيواناتٍ للصيد وكهوفً للحماية، لانطلاق ثورة الزراعة وبناء القرى وتربية الحيوانات عقب انقضاء الحقبة الجليدية الرابعة قبل 17 – 20 ألف عام.

إذ تمثل آثار المعبد التاريخي في "كوباغلي تبه" أو "خراب رشك" في رها (أورفا) شمالي كردستان والتي يعود تاريخها لـ12 ألف عام قبل الميلاد، وهو أقدم معبد مكتشف في العالم، دليلاً على الجذور التاريخية لسكان ميزوبوتاميا اللذين عاشوا على ضفاف نهر الفرات.

ولكثرة الاختراعات والابتكارات الحضارية التي دخلت في خدمة البشرية تحولت ميزوبوتاميا إلى مهد الحضارات ومنبع الثقافات المتعددة.

فإذا أردنا التحدث عن المدنيات التي عاشت بجوار النهرين، فالسومريين اللذين عاشوا قبل الميلاد بـ 3500 عام تقريباً بنوا عشرات المدن على ضفاف النهرين في ميزوبوتاميا السفلى (جنوبي العراق)، الأكاديين، وكذلك البابليين، الميتانيين، الآشوريين، الحثيين، مملكة أورارتو والإمبراطورية الميدية إلى جانب عشرات الحضارات التي تعاقبت بعد ذلك على جغرافية ميزوبوتاميا.

إذ لا يمكن فهم ما تتعمد إليه الدولة التركية سوى أنها تعمل على إنهاء الحياة في مهد الحضارات على ضفاف النهرين العظيمين.

/ar/uploads/files/2021/11/13/192503_aly-slyman.webp

في هذا السياق يقول الرئيس المشترك لمديرية حماية الآثار في إقليم الفرات علي سليمان "تاريخياً لنهري دجلة والفرات أهميةٌ كبيرة، تجمعت المجموعات البشرية هنا على ضفاف النهرين، وتشكلت الحضارات الأولى، إن ممارسات الدولة التركية بخفض منسوب مياه نهري دجلة والفرات، هي للقضاء على هوية أقدم الشعوب التي كانت ولا تزال تسكن المنطقة وهم الكرد ولا تختلف عن عمليات التغيير الديموغرافي التي تشهدها المناطق المحتلة شمالي سوريا كعفرين وسري كانيه".

في كردستان.. المياه تُستغل لابتلاع التاريخ

/ar/uploads/files/2021/11/13/192446_hsn-kwjr.webp

من جانبه يرى حسن كوجر نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إن ما تفعله تركيا بنهري الفرات ودجلة هي كارثةٌ إنسانية وطبيعية في الوقت نفسه، وما يشجعها على ذلك هو موقف الحكومتان العراقية والسورية الغير واضح حيال ذلك.

هذا وغمرت مياه السد بلدة "حصن كيف" التاريخية التي يعود تاريخها لـ 12 ألف عام وتضم آثار من العصور الوسطى ومدارس دينية وتعتبر من أقدم المستوطنات البشرية في العالم.

وحول بناء الدولة التركية لسد اليسو بالقرب من بلدة "حصن كيف" التاريخية، يشير كوجر "إن حزب العدالة والتنمية والحركة القومية التركية يعملون على إخفاء ميراثٍ تاريخي للكرد يعود لـ12 ألف عام في بلدة "حصن كيف"، يجب أن تكون ردودنا صارمة تجاه ذلك، بواسطة المياه يبتلعون التاريخ".

تتعمد حكومة العدالة والتنمية دثر أحد أهم المعالم الأثرية التاريخية في كردستان.

صهر الكرد القرويين في دوامة المدن الكبرى

وجراء امتلاء بحيرة سد اليسو المشيد حديثاً، شردَ سكان 200 قرية في شمال كردستان، ما يقارب 80 ألف موطنٍ كردي.

وبهذا الخصوص يعتبر كوجر إن "الحرب الثقافية التي تشنها الدولة التركية هي جزءٌ من حرب الإبادة بحق الكرد، لا تختلف عن الحرب العسكرية، تتغير الأشكال لكن يبقى الهدف هو نفسه، ماذا يعني بناء سدٍ وسط قرىً كردية اعتادوا على حياةٍ طبيعية، يحاولون تهجير الآلاف إلى المدن الكبرى وصهرهم في دوامة العيش هناك. إنها عملية تغييرٍ ديمغرافي ممنهجة تمارسها الدولة التركية في شمال كردستان".

مضيفاً "إلى الآن الحركات والمنظمات التي تدعي أنها تحمي الثقافات والمواقع الأثرية والطبيعة غير جدّية في التعامل مع الدولة التركية، حتى بعض الدول الأوروبية تشارك تركيا في هذه المشاريع، إن الكرد يتعرضون لمجزرةٍ بيضاء قد لا تكون هنالك دماء لكنها بالمحصلة مجزرة ويباد فيها الكرد".

شحُ المياه يدق ناقوس الخطر ويهدد بكارثة إنسانية

وكان اردوغان وخلال مراسم افتتاح ثاني اكبر السدود في تركيا سد اليسو 6 من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، قد أكد على ضرورة حماية البلاد من أخطار الجفاف، وتبعاتها مثل نقص الغذاء، والاستعداد للسيناريوهات المظلمة التي تنتظر العالم في المستقبل.

وجاءت تصريحات اردوغان بالتزامن مع معاناة الملايين في سوريا والعراق من شح المياه نتيجة انخفاض مياه نهري دجلة والفرات لمستويات تاريخية، أثرت في الانتاج الزراعي وتأمين مياه الشرب وكثرة حالات التسمم.

واعتبرَ الاستاذ الجامعي في جامعة بغداد جواد البيضاني أن بناء سد أليسو على مجرى نهر دجلة؛ "يمثل أكبر تهديد للشعب العراقي عبر تاريخه، وهو تهديد وجود، لأن التدفقات المائية ستنخفض إلى مستوياتٍ مرعبة وتنتهي الزراعة إلى الأبد في العراق" بحسب ما نشره على صفحته الرسمية على موقع الفيسبوك.

ودعا جواد البيضاني الحكومة العراقية إلى مقاطعة تركيا اقتصادياً ومقاومة سياسة تركيا الناعمة الهادفة لابتزاز العراق ومحوه.

هذا وتعاني المناطق في شمال وشرق سوريا والمناطق الوسطى في العراق، من مشكلة شح المياه بالتزامن مع عدم تساقط الأمطار بشكلٍ كافٍ خلال العام الماضي والجاري، ما ينذر بكارثةٍ إنسانية، في ظل خفض تركيا لمنسوب مياه نهري دجلة والفرات وتراجع نسبة امتلاء بحيرات السدود التي تغذي المنطقة.

تهجير السكان هدفٌ تركي طويل المدى

يقول حسن كوجر أن شح المياه على ضفاف الفرات في سوريا سوف يدفع السكان إلى الهجرة وهذا ما تسعى إليه تركيا، وأن ذلك هدفٌ تركي طويل المدى، أي هدفٌ استراتيجي.

كما ويرى أن ذلك يؤجج الصراعات القومية بين الأتراك والكرد والعرب من خلال خلق انطباع بأن الشعب التركي هو الذي يقطع المياه نظراً ان هنالك حساسية سابقة نتيجة حكم العثمانيين.

قائلاً "أثرت ممارسات الدولة التركية سلبياً على علاقات الشعب التركي مع الشعوب المجاورة، لقد خلقت هذه الممارسات حساسيةً كبيرة، لقد أضحت الدولة والسلطة التركية بلاءً على رأس الشعب التركي نفسه".

(ج)

ANHA