أربعة أعوام على التحرير.. المرأة في الرقة تعيد كتابة تاريخ المدينة 

بعد مرور أربع سنوات على التحرير تنطلق المرأة في مدينة الرقة بخطوات ثابتة في مرحلة البناء والتغيير والتنظيم، لتعيد صياغة تاريخ المدينة من جديد بفضل مشروع الأمة الديمقراطية.

أربعة أعوام على التحرير.. المرأة في الرقة تعيد كتابة تاريخ المدينة 
الثلاثاء 19 تشرين الأول, 2021   20:11
الرقة – ربا العلي

قبل أربعة أعوام من الآن، شهد العالم أحد أعظم الأحداث في التاريخ الحديث؛ إنه تحرير مدينة الرقة عاصمة الخلافة المزعومة لداعش، الذي كان قد أضحى كابوساً أرهب العالم بأسره.

مرتزقة داعش كانوا قد حوّلوا عاصمتهم المزعومة وجميع المناطق التي احتلوها إلى سجن كبير للنساء؛ قضوا فيه على جميع إمكانات الحياة المجتمعية التي يمكن للمرء أن يتمتع بها، لقد تحوّل الجميع دون استثناء إلى جنود أو عبيد لخدمة هؤلاء الجنود، إلى أن جاءت قوات سوريا الديمقراطية وحررت المدينة في الـ 17 من تشرين الأول من عام 2017، بعد معارك طاحنة استمرت 166يوماً، لتطلق القوات الرصاصة الأخيرة في نعش داعش وتعلن هذا النصر العظيم للعالم برمته في الـ 20 من تشرين الأول 2017.

عقب هذا الحدث التاريخي، بدأت الحياة تعود شيئاً فشيئاً إلى المدينة، وبدأت النساء يتنفسن الصعداء، ويبصرن النور من جديد ولكن بشكل مختلف هذه المرة، إذ نظمن حياة جديدة بفكر وذهنية متحررة من القيود، وبرهنّ أهمية وجودهن، وكللن النصر العسكري بانتصار مجتمعي مستدام، وبذلن جهوداً جبارة في مختلف المجالات وأقمن مؤسسات نسائية تعنى بشؤون المرأة، ولعبن دوراً ريادياً في النضال النسائي التحرري التي تخوضه المرأة في شمال وشرق سوريا.      

وفي هذه المناسبة التقت وكالتنا نساءٍ تقلّدن مسؤوليات ومهام رسمية سياسية وإدارية، لتقييم هذا الحدث التاريخي، ومدى التطور الحاصل على صعيد النضال النسائي في الرقة بعد التحرير. 

الأمّة الديمقراطية جعل المرأة تتخطى الغمامة السوداء

نائب فرع حزب سوريا المستقبل في مدينة الرقة، زليخة عبدي، استهلت حديثها بالترحم على الشهداء من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية الذين ضحوا بدمائهم الطاهرة تلبية لنداء أهالي الرقة لتحريرهم من مرتزقة داعش.

وقالت: "في هذه المناسبة نتقدم بأسمى التبريكات لعوائل شهدائنا ولأطفالهم، ولكل مَن ساهم بتحرير مدينة الرقة، فسلام للأرواح التي وهبت نفسها لهذه المنطقة ولكل النساء اللواتي يسعين دائماً إلى تحقيق العدل والمساواة".

لافتة إلى أن تحرير مدينة الرقة جاء بفضل مشروع الأمّة الديمقراطية، الذي جعل المرأة تتخطى الغمامة السوداء، وتكون في الصفوف الأمامية لتنظيم المجتمع وتحافظ عليه "لأنه حق مشروع وواجب يقع على عاتقنا نحن النساء في مدينة الرقة".

ثورة حقيقية

مشيرة في سياق حديثها إلى جهود المرأة في بناء مؤسسات خاصة بها، مضيفة بقولها: "الجميع كان ينظر إليها (إلى المرأة) بأنها ضعيفة ولا يمكنها عمل أي شيء، ولكن الأهم لنا هو أنه علينا حمل مسؤولية هذا التحرير - الذي جاء بمثابة ثورة حقيقية- على عاتقنا وإثبات وجودنا وتحقيق انتصاراتنا لكي نبرهن للعالم بأن لا وجود للمجتمع بدون المرأة".

وبيّنت زليخة عبدي أنه بعد تحرير مدينة الرقة وبناء مؤسسات خاصة بالمرأة، تعمل المرأة الرقاوية والكردية والشركسية والأرمنية فيها جنباً إلى جنب، مؤكدة أن هذه المؤسسات "احتضنت جميع مكونات المنطقة، وهي لم تؤسس لمكون واحد فقط، إنما تحتضن كل مكون بثقافته ولغته، وهذا هو نضالنا وهدفنا".

وتابعت في هذا الصدد قائلة: "يوجد داخل كل امرأة عانت من الظلم والاضطهاد ثورة ولن تستطيع إخفاءها أمام أحد، ونحن نريد إخراجها؛ لأننا نحن نساء خضنا ثورة لن تأتي إلا بالنضال والتحلي بالإرادة والصمود".

وأضافت: إن تحرير مدينة الرقة جاء لنستيقظ من ذلك النوم العميق ونتخلص من الكابوس الذي كنا نعيشه خلال السنوات الماضية، ونتقين بوجود وحقيقة قدرة المرأة في بناء جمعيات ومنظمات نسائية خاصة بها خارج إطار العمل الإداري أي ضمن منظمات المجتمع المدني؛ تدعو إلى توعية وتثقيف المرأة، وإلى تدريبها وتمكينها، ولن تقبل بأن يكون دورها شكلياً ومهمشاً".

التوجه نحو العمل السياسي

وفي إشارة منها إلى دور وجهود المرأة على الصعيد السياسي، قالت زليخة عبدي: "لقد كان هناك أيضاً تأسيس حزب سوريا المستقبل الذي كانت تقوده الناشطة والسياسية هفرين خلف، حيث دفع الحزب المرأة نحو العمل السياسي، وهنا كانت الرسالة الحقيقية للمرأة في مدينة الرقة بأن تحقق مرادها وتتكلم في السياسة وتدير العمل السياسي، وتقوم بتحليل الأوضاع السياسية الجارية ضمن الجغرافية السورية".

وزادت بقولها: "هناك قوى دولية انبهرت بدور المرأة بعد مرور أربع سنوات على التحرير، وبوجودها ضمن الأحزاب السياسية، وهذا التوجه جاء إيماناً بها وبقدراتها".   

وأكدت زليخة عبدي أن "أي مجتمع لن يستطيع النهوض دون المرأة لأن تحرره مبني على وجودها"، واصفة التطور الحاصل للمرأة فيما بعد التحرير بـ"نهوض كبير".

وأشارت إلى حصول الرئيسة المشتركة لمجلس الرقة المدني، ليلى مصطفى على جائزة "عمدة العالم" الدولية، وقالت: عملها توّج بهذه الجائزة"، مشددة على أن التجربة التي خاضتها المرأة مع الإدارة الذاتية هي تجربة حقيقية وخاصة للمرأة الرقاوية التي سعت بكل طاقتها للوصول إلى ما هي عليه الآن.

'نقلت تجربة الأمة الديمقراطية للمحافل الدولية'

وأكدت زليخة عبدي أن المرأة استطاعت أن تصل إلى المحافل الدّولية وأن تكون حاضرة في مختلف الاجتماعات وضمن النقاشات التي تدار ضمن أروقة المنظمات العالمية، وأن تتحدث عما فعله داعش من جرائم، وعن نتاج نضالها للسنوات الأربعة الماضية، حيث استطاعت المرأة جني ثمار التضحيات التي قدمتها.

واختتمت زليخة عبدي حديثها بالقول: "استطاعت أن تنقل تجربة الأمة الديمقراطية للمحافل الدولية، فهذا بحد ذاته إنجاز ومكسب للمرأة الرقاوية، وهنا كان لها دور وبصمة كبيرة جداً لتعبّر عن الفارق الكبير لتطور المرأة كل سنة عن الأخرى".

'تحرير مدينة الرقة ولّد معه روح المقاومة'

ومن جانبها، تطرقت رئيسة هيئة المرأة لشمال وشرق سوريا، جيهان خضرو، إلى تمثيل المرأة في العمل المؤسساتي والمجالات الإدارية في شمال وشرق سوريا، وقالت: "من أجل أن تحقق المرأة حريتها واجهنا الكثير من الصعوبات وحتّى هذا اليوم ولكن ذلك لم يؤثر علينا".

مبينة أن المرأة أخذت دورها الطليعي في الهيئات والمجالس والمنظمات وساهمت في تغيير بعض المفاهيم الراسخة في ذهن المجتمع حول مفهوم حرية المرأة.

جيهان خضرو أوضحت أن "تحرير مدينة الرقة تحقق بنضال وثورة المرأة التي كان لها جانب شعبي وأممي تصدر للعالم أجمع وأثّر بشكل قوي على النضالات التحررية للعديد من المجتمعات الأخرى، لأن تحرير مناطق شمال شرق سوريا بشكل عام ومدينة الرقة بشكل خاص ولّد معه روح الانتقام والمثابرة أمام العدو. لهذا كان علينا كنساء أن نقاوم ونواجه العدو"، لافتة إلى مقاومة المرأة في المناطق السورية المحتلة وفي مقدمتها سري كانيه وكري سبي وعفرين.

'بدأنا بالثورة وسننتهي بالنصر'

كما نوّهت جيهان خضرو في حديثها إلى أن "المرأة في مناطقنا أصبحت مثالاً يحتذى به، ونحن سنكون وكما كنا، باقين على العهد بالعمل حتى الوصول إلى كافة النساء في المناطق لتأهيلهن من جديد لكي يأخذن مكاناً أكثر وتأثيراً في المجمعات".

مضيفة بقولها: "نحن وعلى مدى أربعة أعوام نعمل بكل طاقاتنا وقدراتنا من أجل تأهيل المرأة وإعدادها سياسياً واجتماعياً وثقافياً لبناء مجتمع أخلاقي حرّ، لأننا بدأنا بالثورة وبالمقاومة والإرادة سننتصر".

واختتمت رئيسة هيئة المرأة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، جيهان خضرو، حديثها قائلة: "تحرير مدينة الرقة هو نصر لجميع النساء السوريات، وكما نتمنى أن يحل الأمن والسلام لكافة المناطق المحتلة عفرين ورأس العين وتل أبيض؛ لأن دمائنا توحدت في هذه الأرض وروتها، ولنكن يداً واحدة بهذا اليوم من أجل مستقبلنا ومستقبل شعبنا وأبنائنا".

(س ر)

ANHA