الحكومة اللبنانية أمام اختبار "التفاوض مع صندوق النقد"

مع التحضير لبدء مفاوضات الفريق اللبناني مع صندوق النقد الدولي مطلع الشهر المقبل، تبرز عدة أسئلة على الساحة اللبنانية، هل ينجح الفريق في المفاوضات على أساس خطة واضحة ومنسجمة؟ وما التحديات في وجه الجانب اللبناني لتجاوز أخطاء رئيس الحكومة السابق، والعبور بلبنان إلى بوابة النجاة الاقتصادي؟

الحكومة اللبنانية أمام اختبار "التفاوض مع صندوق النقد"
الجمعة 15 تشرين الأول, 2021   02:22
بيروت- زياد أبو غزالة

سبع عشرة جولة من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، خاضتها حكومة لبنان السابقة، من غير أن تفلح في إخراج البلاد من عنق الزجاجة. واليوم وبعد تشكيل الحكومة برئاسة نجيب ميقاتي، تتوجه الأنظار إلى الخطوة التالية: النجاح فيما أخفق فيه الأولون.

الأسبوع المقبل سيكون لبنان على موعد للعودة إلى المفاوضات مع النقد الدولي، بعد مخاض عسير لازم لبنان لأكثر من عامين، عاش فيه الفراغ الحكومي والسقوط الحر، وما يزال. لكن الحكومة الحالية أدرجت في بيانها الوزاري شرط وقف الانهيار الاقتصادي لإجراء انتخابات 2022 النيابية.

وفي المستجدات، يصل إلى بيروت الأربعاء المقبل محمود محيي الدين، موفد صندوق النقد الدولي ومديره التنفيذي، في مهمة استطلاعية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، واستعدادات الحكومة الحالية لاستئناف المفاوضات مع الصندوق.

والعودة إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي أول الطريق لوقف الانهيار الراهن، بعد جولات سابقة كانت جميعها فاشلة بسبب تباين الجهات الرسمية اللبنانية في تحديد رقم حجم الخسائر. ستتولى حكومة ميقاتي هذه المهمة الشاقة فيما يرزح لبنان تحت خط الفقر السياسي والاقتصادي والاجتماعي بفضل طبقة حاكمة تستمد بقاءها من الخراب.

الآن، وخلال الوقت القليل المتبقي، تسعى حكومة ميقاتي بالتعاون مع شركة "لازارد" للاستشارات المالية إلى صياغة خطة إنقاذ اقتصادي جديدة بلا سقف زمني، مع غياب أي محددات واضحة تجاه أزمة الدَّيْن العام، الذي جاوز 100 مليار دولار، تعود بمعظمها إلى المصارف وبعض الدائنين الأجانب.

أيًّا يكن شكل التعامل مع الدَّيْن العام، فإن مطلب صندوق النقد واضح جدًّا، وهو إنجاز خطة للتعافي الاقتصادي تبين الإجراءات اللازمة للبناء عليها. وفي هذا الشأن، نقلت مصادر مطلعة عن الصندوق الدولي، أن خطة حكومة دياب السابقة كانت جيدة، إلا أن أرقامها بحاجة إلى تحديث، لا سيما مع التدهور المستمر لسعر صرف الليرة مقابل الدولار منذ ذلك الوقت. ولهذا تقدمت السلطات اللبنانية بطلب المساعدة من "لازارد" في تحديث تلك الخطة.

ويعتقد خبراء اقتصاديون باستحالة تحقيق تعافٍ حقيقي وملموس من دون إعادة النظر في أساسيات الاقتصاد القائم، وهذا بدوره يفتح الباب على احتمال آخر مخيف، وهو إصابة لبنان بعدوى الأرجنتين في التفاوض مع صندوق النقد، التي غرقت في لازمة جدولة الديون منذ أكثر من 25 عامًا. حالة معقدة إذا تحتم على الجانب اللبناني بحذر ومسؤولية شديدين لاجتياز الطوفان والعبور إلى بر الأمان.

هل يجتاز لبنان امتحان صندوق النقد؟

لجنة التفاوض المكلفة بدفع لبنان إلى بر الأمان صارت جاهزة، يرأسها نائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي، ووزير المالية يوسف الخليل، ووزير الاقتصاد أمين سلام، بالإضافة إلى حاكم المركزي رياض سلامة. وتستعين اللجنة بعدد من الخبراء، أبرزهم شربل قرداحي المستشار الاقتصادي للرئيس اللبناني ميشال عون، ورفيق حداد المسؤول المالي للتيار الوطني الحر، ومستشارين اقتصاديين لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي.

والسؤال الأبرز في هذه المرحلة الحساسة، هو عن قدرة الجانب اللبناني على الذهاب إلى المفاوضات بلغة منسجمة، بخلاف ما حصل مع اللجنة السابقة. وهنا لا بد من معرفة الشروط التي يفرضها صندوق النقد على لبنان، وفي مقدمتها توحيد سعر صرف الدولار، وتحريره في الأسواق، وتقدير رقم موحد للخسائر المالية بين مصرف لبنان ووزارة المالية. وطبعًا إقرار خطة إصلاح شاملة تعيد هيكلة القطاع العام، وتوفير شبكات حماية اجتماعية.

توحيد سعر صرف الدولار وتحريره، المطلب الأول إذًا، فهل ينجح لبنان في هذا التحدي؟ من المعلوم أن الانهيار تسبب بتدني قيمتها حتى هبطت إلى 20 ألفًا مقابل الدولار الواحد في السوق الموازية، كما نتج عن تعاميم المصرف المركزي تعددية في أسعار الدولار عبر منصة "الصيرفة"، من دون تشريعها بمسوغ قانوني. ويؤكد مختصون وجود تحديين أمام تحديد سعر صرف الدولار وتحريره: عمل المركزي على إنجاح منصته للتداول كبديل جذري للسوق السوداء، والتصريح عن الالتزامات بميزانيات المركزي والمصارف وسبل معالجتها.

والحقيقة التي لا ريب فيها، أن لبنان لن يجتاز اختبار النقد الدولي، فيما يستمر بتقديم أرقام متباينة للخسائر. ولعل هذا المشكلة مرتبطة بالحاجة إلى تشريح الميزانيات في الميزان المصرفي. وترجح التحليلات الاقتصادية أن يكون السواد الأعظم من الخسائر قد تشكل بعد أزمة عام 2019 جراء التحويلات المالية الضخمة إلى الخارج، ومعظمها دولارات المودعين التي أودعتها المصارف لدى المركزي. وهو ما يفتح الباب على كل الاحتمالات والسيناريوات خلال الأيام المقبلة.

أما عن تنفيذ خطة إصلاحية شاملة، فالمؤكد وفقًا للخبراء أن المقومات الاقتصادية تتوفر بهذا الشرط عبر 3 مسائل طويلة الأمد، وهي إعادة النظر بالسياسة النقدية وتحسين التوازن بميزان المدفوعات وإعادة هيكلة المالية العامة. والأولوية هنا تكون لإعادة هيكلة الدين العام، الأزمة الأثقل في لبنان المنكوب.

برامج النقد الدولي، أيها للبنان؟

لو لم تتطور الأزمة في لبنان إلى ما هي عليه الآن، لكان حصوله على برنامج مساعدة مالية من صندوق النقد الدولي تم بدون وصول استثنائي إلى الأموال. ولكن بعد مرور نحو عامين على الانهيار الاقتصادي الحاد الذي تشهده البلاد، فإن الظرف يحتم وجود تمويل استثنائي.

وفي طبيعة الحال، فإن التقييم السابق لصندوق النقد الدولي وجد سعر الصرف غير مؤات، والديون الخارجية غير مستدامة، ودين الحكومة بلغ نقطة الانفجار، هذا كله عوامل تفرض حصول لبنان على تمويل استثنائي نظرًا إلى متطلبات التمويل الخارجية. ما يعني أن البرنامج الحكومي للدولة اللبنانية سيحوي دون أدنى شك تخفيضًا لسعر العملة، بالتوازي مع إعادة هيكلة الديون وخفض الإنفاق العام بشكل ملحوظ.

وعليه، فإن البرامج المطروحة في ظل نظام الكوتا الموجود في صندوق النقد الدولي، والذي يحدد أشكال التمويل، يفرض حصول لبنان على مبالغ استثنائية، وهو ما قد يتم ترجمته نظرًا إلى أهمية لبنان الجيوسياسية، بشرط أن تكون الحكومة قادرة على إجراء إصلاحات حقيقية بدعم شعبي ودعم إقليمي. وهذا يرجح برنامج "تسهيلات الصندوق الموسع" الأكثر ملاءمة للبنان مع بعض الاستثناءات.

والأهم من ذلك كله، أنه ليس بين لبنان وتوقيع اتفاق مع صندوق النقد بخصوص برنامج مساعدة مالي، سوى مرحلة دقيقة جدًّا، تقع على كاهل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي يجب عليه تفعيل كل أدواته السياسية والدبلوماسية لإنقاذ لبنان من الموت المحتم.

(ي ح)

ANHA