الانتخابات الخامسة منذ الإطاحة بالبعث.. لماذا لم يجلب النظام الحالي الخلاص للعراقيين؟

يتحضر العراق لإجراء انتخابات في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وعلى الرغم من أنها العملية الانتخابية الخامسة منذ الإطاحة بنظام صدام حسين؛ إلا أنها تخرج بالنتائج الضمنية ذاتها في كل مرة، وإن تغيرت شكليًّا، وذلك بسبب نظام المحاصصة الذي يدير العراق وتتنافس فيه القوى على أسس طائفية وعرقية.

الانتخابات الخامسة منذ الإطاحة بالبعث.. لماذا لم يجلب النظام الحالي الخلاص للعراقيين؟
السبت 2 تشرين الأول, 2021   01:51
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

يتنافس أكثر من 3200 مرشحًا لخوض الانتخابات المقبلة التي وعدت بها الحكومة بعدما تولت السلطة في أيار/ مايو 2020 خلفًا لحكومة عادل عبد المهدي التي استقالت تحت ضغط الاحتجاجات.

وكان من المفترض إجراء الانتخابات في العام المقبل، لكن تقرر التبكير بها إرضاء للمحتجين الذين نزلوا إلى الشوارع عام 2019 بسبب تفشي الفساد وضعف الخدمات.

ودعت مفوضية الانتخابات المستقلة نحو 25 مليون ناخب للمشاركة في الانتخابات المبكرة التي ستفرز 329 مقعدًا هو مجموع مقاعد مجلس النواب، وخصص 25 بالمئة منها للنساء.

وستجري الانتخابات في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الجاري بحسب قانون انتخابي جديد يعتمد دوائر انتخابية مغلقة، بحيث أصبح الترشيح لا يتطلب الانضواء في قوائم ويمكن أن يقتصر على عدد محدود من المرشحين، بحسب عدد السكان في كل دائرة.

وذكرت إحصاءات رسمية عراقية أن نسبة المشاركة في الانتخابات التي جرت عام 2018، كانت 44.52 بالمئة واعتبرتها جهات كثيرة "مبالغًا فيها".

وتتنافس في هذه الانتخابات تحالفات يغلب عليها الصبغة الطائفية والقومية.

القوى الشيعية:

- التيار الصدري الذي قاد في الانتخابات الماضية (تحالف سائرون) ومن المرجح أن يكون أكبر كتلة في البرلمان، إلا أنه يسعى للابتعاد نوعًا ما عن الجماعات المقربة بشكل مباشر من إيران.

- تحالف الفتح الذي يمثل الجناح السياسي للفصائل المدعومة من إيران ويقوده هادي العامري.

- تحالف قوى الدولة الوطنية الذي يضم كلًّا من رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي ورجل الدين الشيعي عمار الحكيم.

- ائتلاف دولة القانون الذي يترأسه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

الكتل السنية:

- تحالف (تقدم) الذي يقوده رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي.

- تحالف (عزم) الذي يقوده المدعو خميس الخنجر المعروف بقربه من تركيا وتحالف مع القوى المدعومة من إيران ضد الحلبوسي.

القوى الكردية:

ويهيمن الحزب الديمقراطي الكردستاني على الحكومة في العاصمة هولير، بينما يهيمن الاتحاد الوطني الكردستاني على مناطق السليمانية.

لا يوجد مرشح يعبّر عن هوى المواطن

وفي هذا السياق يقول الباحث والكاتب العراقي الدكتور جواد البيضاني: "تقييم التجربة الانتخابية منذ 2005 إلى وقتنا الحاضر. هناك تقييمات متفاوتة لهذه التجربة البعض يرى أنها إيجابية والآخر يراها سلبية. نعم فيها إيجابيات وفيها سلبيات لكن هي نوعًا ما فيها نوع من الديمقراطية التي تجعل الشخص يختار ممثليه في مجلس النواب. بيد أن الإخفاقات المتتالية لمجلس النواب هي التي دفعت المواطن لأن يقيّمها كتجربة سلبية. لو كان النائب أو البرلماني يقدم نتائج إيجابية للشعب لقالوا عنها تجربة إيجابية لأنها تخدم الشعب لكن تقييم الشعب لها بأنها تجربة سلبية بسبب وصول أناس غير مؤهلين إلى البرلمان".

وحول المرشحين والتحالفات السياسية قال البيضاني: "لم أرَ مرشح يعّبر عن هوى المواطن. المرشح يعبّر عن هوى كتلته السياسية أو انتماءه الإثني، بالتالي هو لا يمثل هوية وطنية جامعة إلا ما ندر وطبعًا هؤلاء قلة جدًّا ولم يفسح لهم المجال للمشاركة الفعلية، أما التحالفات السياسية فأعتقد أنها تبقى كما هي لكن ألاحظ أن الكتل التي تحسب على المذهب الشيعي والتي لم تقدم لمواطنيها أي منجز هذه الكتل ستضعف وسيكون نتائج ضعفها انعكاس على أوضاع المواطنين في محافظات الوسط والجنوب".

الانسحاب والتراجع: مناورة سياسية

وأعلن زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر والحزب الشيوعي وتيارات أخرى مقاطعتها للعملية الانتخابية لتعود وتتراجع عن ذلك.

وحول ذلك قال البيضاني: "حتى الكتل التي انسحبت فهي باقية لأنها سجلت أسماءها في مفوضية الانتخابات وانتهى كل شيء فالانسحاب والعودة هي مناورة لكل الأحزاب التي انسحبت؛ لأنها وضعت مرشحيها في قائمة معينة، وبالتالي تحاول أن تأثر في الشارع من خلال القول إنها تقف مع المواطن".

وأضاف: "ربما يكون السيد الصدر قد تعرض إلى ضغوط معينة أو ربما غير مقتنع بوجهة نظرة معينة لكن أنا أعتقد بالأعم الأغلب أن هذا الانسحاب هو مناورة سياسية الغرض منها كسب أكثر عدد من الأصوات".

التيار الصدري يمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة

وحول التيار الأقوى والأوفر حظًا، أوضح البيضاني أن "التيار الصدري يمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة عريضة بالنسبة إلى وسط وجنوب العراق".

أما فيما يخص التيارات التي تمثل محافظات ذات الأغلبية السنية كالموصل والأنبار وصلاح الدين، فيرى البيضاني أن "هناك تنافس بين (عزم) و(تقدم) والكتلتين أعتقد بأنهما متساويتين لكن في هذه الانتخابات سيحدث تطور كبير".

المشاركة السنية ستكون أكثر من الشيعية

وأوضح في هذا السياق أن "السنّة سيحصلون على نسبة كبيرة من الأصوات؛ لأن مشاركتهم ستكون كثيفة والسبب في ذلك هو المنجز الذي حققه النواب السنة ووزراؤهم في المحافظات الغربية، كالأنبار والموصل وصلاح الدين في حين سيمتنع كثير من الشيعة عن المشاركة، وبالتالي سيحصل إخفاق كبير. وأعتقد أن في محافظة بغداد سيرتفع عدد نواب السنة، وكذلك في الموصل وحتى في البصرة، فبدل نائب ربما يكون نائبين. والسبب في ذلك كان هناك 3 نواب شيعة في الموصل. ربما يخفق نواب الشيعة في الحصول على أي من هذه المقاعد والسبب في ذلك هو كما قلت الإخفاقات التي ستكون السبب في عزوف الكثير من الشيعة عن المشاركة في هذه الانتخابات".

وفيما إذا كانت هذه الانتخابات ستحمل شيئًا جديدًا قال البيضاني: "الجديد هو أنها ستفرز عدد أصوات جديدة ومقاعد جديدة للكتل السنية. ستفرز هذه الانتخابات بروز نسبة كبيرة من الأصوات من المقاعد لشركاء الوطن من الطائفة السنية وسينزل عدد المقاعد الشيعية بشكل ملحوظ والسبب في ذلك هو إخفاقات النواب والوزراء الشيعة في تلبية حاجة المواطن البسيط".

المحاصصة باقية

وتعد مشكلة الطائفية في العراق من سمات العملية السياسية العراقية بعد الغزو الأميركي عام 2003.

وحول المحاصصة الطائفية أشار الباحث العراقي إلى أنه "ستكون هناك محاصصة وطائفية، لكن معظم الكتل في المحافظات الغربية ومعظم المواطنين الشيعة سوف يضغطون وأنا أتوقع أن عددًا من المواطنين الشيعة سينتخبون ممثلين لهم سنة؛ لأنهم لم يلحظوا خيرًا بالنواب الذين انتخبوهم. المحاصصة ستبقى لأن قوات الاحتلال الأميركي والاحتلال الإيراني هي من أسست للقاعدة السياسية في العراق".

الثورة ستندلع في أي وقت والتغيير سيحصل

وشهدت المناطق العراقية تظاهرات واحتجاجات شعبية حملت اسم ثورة تشرين، البيضاني حذر الكتل السياسية من استمرار الثورة قائلًا: "الثورة ستنطلق في أي لحظة إذا ما استمرت الكتل السياسية بهذه المراوغة".

وأضاف: "أعتقد أن هناك تغيّرًا سيحصل سنة 2022، وهذا ليس إحساس أو ضرب في الخيال وإنما هو مبني على قواعد من خلال متابعتنا للأحداث السياسية لذلك أن همَّ رئيس الوزراء هو بناء طرق وتعديل بعض المدن في محافظات الوسط والجنوب لإشعار المواطن بأن الدولة معه. الآن كل الإعمار في المناطق الغربية لكن المحافظات الجنوبية التي تمثل 91 بالمئة من اقتصاد العراق ويقوم عليه أساسًا اقتصاد العراق هذه المحافظات مهملة والإعمار كله في محافظة صلاح الدين والأنبار والموصل".

وأرجع البيضاني ذلك إلى "ضغوطات الاحتلال الأميركي والاحتلال الإيراني؛ لأن إيران تريد أن تكسب المحافظات السنية وأيضًا الولايات المتحدة تحاول أن ترضي هؤلاء لأن قواعدها أصبحت الآن في إقليم كردستان وفي هذه المحافظات لأنها لا تؤمن قواعدها في وسط وجنوب العراق بسبب الهجمات من الميليشيات المدعومة من قبل نظام الملالي في إيران".

وحول تأثير التدخلات الخارجية على العملية السياسية العراقية، قال الباحث العراقي: "إيران هي المحرك الأساسي للعملية السياسية. رئيس الوزراء لا يستطيع أن يخطو خطوة دون موافقة إيران، ورئيس الجمهورية كذلك. كل الكتل والأحزاب السياسية لا تستطيع أن تتنفس دون أن تشعر إيران بأنها ستقوم بعمل ما ولذلك؛ فـإن إيران هي صاحبة القرار والسفير الإيراني هو يمثل رئاسة الوزراء وحتى العمليات العسكرية ربما بعضها يتم بمشورة إيرانية".

وسبب ذلك بحسب البيضاني هو "الأذرع المسلحة التي تعتمد عليها إيران في العراق والتي تمثل الطوق القاتل لأي تقدم لهذا الشعب بسبب الضغوطات الاقتصادية. فنصف ميزانية العراق تذهب لإيران. وإيران لا تسمح ببناء المحطات الكهربائية وكذلك الولايات المتحدة".

لا خلاف أميركي - إيراني

وحول تأثير الصراع الإيراني – الأميركي يرى البيضاني أن "هناك تنسيق. أما القول إن هناك خلاف أميركي – إيراني، أنا لا أعتقد أن هناك خلاف. فالولايات المتحدة خلافها مع الصين وتريد أن تعزل إيران عن الصين وكذلك عن روسيا. هذا هو الضغط الأكبر الذي تمارسه الولايات المتحدة والآن انفتحت الولايات المتحدة على إيران وبدأت تعطي الأوامر لحلفائها في السعودية والأردن ومصر والدليل أن وزير الخارجية العراقي مقره أصبح كعبة للزوار العرب لتنسيق المواقف للمصالحة مع إيران".

تركيا تتحرك وفق المسار الأميركي

أما الاحتلال التركي بحسب البيضاني فهو "مشرعن من الاحتلال الأميركي. الولايات المتحدة إذا أرادت أن تخرج تركيا وإيران من العراق تستطيع كما يقال بضغطة زر أن تخرجهما؛ فلأن تركيا هي حليف استراتيجي للولايات المتحدة وإلى الآن الولايات المتحدة تدفع أموال كبيرة لتركيا ومجرد أن تقطع عنها هذه المساعدات فإن الاقتصاد التركي ينهار؛ لذلك يمكن القول إن الولايات المتحدة تختلف مع تركيا فهذا ليس صحيحًا بل أن تركيا تتحرك بضغوط أميركية".

وأوضح في هذا السياق أن "وجودها في أفغانستان هو بأمر من أميركا. وأن بناءها السياج الفاصل مع إيران بأمر من أميركا وتدخّلها في العراق بأمر من أميركا. حتى تحركاتها باتجاه قوات قسد فهي بأوامر أميركية. الولايات المتحدة تستخدم العقل الاستراتيجي في إشعار الآخرين بأنهم بحاجة إليها، وهي التي تحرك كل القوى الخارجية العميلة التابعة لها لغرض الضغط والحصول على مكاسب استراتيجية جديدة، وقد فعلت في العراق وحصلت على الكثير من هذه المكاسب".

الديمقراطية والحفاظ على الاستقلال هو الحل

وقدّم الباحث والأكاديمي الدكتور جواد البيضاني حلًّا لبلاده، قائلًا: "الحل في بناء دولة ديمقراطية تقوم على أساس خدمة المواطن وكذلك تأسيس بنية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وفي الوقت نفسه، أن تعمل على إدارة الأزمات وفق رؤية استراتيجية تدفع العراق إلى أن  يحافظ على استقلاله وكيانه، وتساهم في رفد الأمن والاستقرار في العالم. بالإضافة إلى تحسين تحالفاتها. هناك تحالف وهناك احتلال. ومن الممكن أن نتحالف مع إيران وتركيا وروسيا أو مع الولايات المتحدة، وهناك احتلال. والآن نحن في وضع الاحتلال وليس في وضع التحالف".

(ح)

ANHA