​​​​​​​مهمة الحكومة اللبنانية.. إعادة الثقة للعملة الوطنية

تشكلت الحكومة اللبنانية، ونالت الثقة، لكن يبقى أمامها العديد من الأزمات التي بحاجة لحلها، فالمواطن اللبناني، وبمجرد الإعلان عن تشكيل الحكومة، بدأ يشعر بانخفاض سعر صرف الدولار، لكن هذا لم يترجم على أرض السوبر ماركات، ما يعني أن العملة الوطنية ما زالت على حالها، تصارع أمام الدولار.

​​​​​​​مهمة الحكومة اللبنانية.. إعادة الثقة للعملة الوطنية
الأربعاء 22 يلول, 2021   05:18
بيروت – زياد أبو غزالة

ما كل ما يتمناه المواطن اللبناني لا يدركه، وإن تشكلت الحكومة، وأخذت الثقة. فالبلاد ما تزال تفتقد عقودها الماضية، حين كانت العملة الوطنية في مكانها الصحيح، قبل أن تقع بأيدي المضاربين، وتغرق في عتمة السوق السوداء. وإنّ أي تغيير طفيف على واقع الحال المزري، يتوجس منه المواطنون خيفة، ويحسبونه تحسنًا صوريًّا، أو هدوءًا حذرًا ما قبل العاصفة؛ عاصفة قد تبقي حياة الناس في مهب الدولار.

فعلى إثر توقيع مرسوم تشكيلة حكومة جديدة، انتعش سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار، ليلامس الدولار الواحد 14 ألف ليرة لبنانية، وذلك بعد أن انخفض إلى 18 ألف ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد، ليراوح بين 17800 و17950. واستمر الدولار في الانخفاض حتى وصل إلى 15700 ل.ل، بعد إقبال اللبنانيين على بيع دولاراتهم في محال الصيرفة، وانخفاض الطلب على الدولار.

وعلى الرغم من هذا التحسن الملحوظ في سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار، إلا أنَّ السواد الأعم من اللبنانيين لا تعول عليه أبدًا في انتشال بلادهم من مستنقع الأزمات الاقتصادية والإنسانية. ومع انعدام الثقة في إمكانية تحقيق أي إنجازات حكومية جديدة، يتخوف الشارع من انفلات الأوضاع مجددًا وبشكل أسوأ، يحمل خلال الأشهر المقبلة ارتفاعًا جنونيًّا في سعر صرف الدولار.

مخاوف اللبنانيين طبيعية جدًّا ومنطقية، وقلقهم لا يتجاوز حقيقة واقعهم المليء بخيبات الأمل منذ أكثر من عامين، حكم فيهما الفراغ السياسي والفوضى. وعليه، فإن حدثًا اقتصاديًّا استثنائيًّا، هو المطلوب في المرحلة الراهنة، وفق خطة حكومية مكينة، تخرج البلاد من عنق الزجاجة. فتشكيل الحكومة وانعكاس ذلك على عملية ضخ الدولار إلى لبنان عبر المساعدات الدولية، من شأنه تحسين ميزان المدفوعات وسعر صرف الليرة على حد سواء، لكنّ الأزمة أكبر من ذلك بكثير، وترجع إلى العام ألفين وأحد عشر. ما يعني أن ميزان المدفوعات في حالة عجز مميت منذ ذلك الوقت حتى اللحظة، ومهما يكن من مساعدات وانفراجات مالية مقبلة، فإنها لن تتجاوز حدود دفع العجز المتراكم طوال السنوات الماضية إلى أن بلغ أكثر من 30 مليار دولار، وهو أعلى بأضعاف مضاعفة مما يدخل إلى السوق الوطنية.

الليرة بيد المضاربين ولا آمال على حكومة ميقاتي

كل شيء ما زال على حاله، الغلاء الفاحش والاحتكار واختفاء الدواء. ولعل الوضع سيكون أكثر تعقيدًا في الفترة المقبلة مع رفع الدعم عن المحروقات. ما يعني زيادة طلب التجار المستوردين على الدولار، وتدهور صرف الليرة. كل هذا يرجع إلى أن الحكومة لم تتخذ بعد أي إجراءات جذرية كما لم تدخل المساعدات الدولية حيّز التنفيذ.

والحديث عن إجراءات جذرية، يعني زمنًا أطول. فالبند الرئيس في الإجراءات الحكومية اللازمة تتطلب مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، أي أنها بحاجة إلى المزيد من الوقت، مقابل القليل من المساعدات والطوارئ الإنسانية التي لن تحدث فرقًا في ميزان المدفوعات، في ظل استمرار العجز وإخراج الدولار من البلاد.

ويذهب متخصصون في الوضع الاقتصادي إلى أن التحسن الطفيف في سعر صرف الليرة اللبنانية ليس سوى جرعة تفاؤل سياسي، شراء الدولار لدى الصرافين يتم على سعر 16 ألف ليرة، من دون عمليات بيع، وهذا تحديدًا ما يكشف صحة السعر الحقيقي.

ومهما يكن، الحقيقة التي لا غبار عليها، هي أن الحكومة خالية اليدين من أي حلول جذرية، لأنها حكومة انتخابات، فيما الأزمة الاقتصادية ضخمة جدًّا والخسائر تكاد تصل مئة مليار دولار، أما أموال المودعين فمحتجزة في البنوك. لذلك فإن القضية شائكة، ولا يمكن لسعر صرف الليرة أن يتحسن بالتطمينات والوعود المؤقتة، أو تثبيته في المنصة الرسمية على 14 أو 15 ألف ليرة مقابل الدولار.

ولم يعد خافيًا على أحد أن هذا التغيير في سعر صرف الليرة بالتزامن مع تشكيل الحكومة، أثبت للجميع أن عداد الدولار مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجواء السياسية في لبنان، وأن الدولار أولًا وأخيرًا لعبة المضاربين، واللعبة المرتقبة حاليًّا، أن يبيع المضاربون الدولار بسعر مرتفع بعدما كانوا حصلوا عليه من السوق بسعر منخفض.

هكذا إذًا، كل الأحاديث عن تثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار لا يجدي نفعًا ما دام الحاكم هو المضارب في السوق. حقيقة تلزم الحكومة بأداء فعال وعاجل يتجاوز مسألة تشكيلها إلى ما يمس حياة الناس من حفظ كراماتهم وحقوقهم التي هدرت على طوابير الذل سعيًا وراء رغيف الخبز والوقود.

حكومة لبنان أمام امتحان صعب

تشكيل الحكومة اللبنانية بعد السبات السياسي الطويل الذي مرت به البلاد، سيفتح الباب أمام مساعدات دولية رسمية ومنظمة، تعمل على استيراد الغاز من مصر، والمواد الغذائية وباقي الحاجات الأساسية من الخارج، وإن الإسراع في الوصول إلى مفاوضات ناجحة مع صندوق النقد الدولي، سينعكس على الأرض في نشوء قيود وضوابط لسعر الصرف لجهة تحريره وتوحيده.

وفي المحصلة، يرتبط ذلك كله بإعادة جدولة الدين بالعملة الأجنبية، تتحمل المصارف اللبنانية منه ما قيمته 10 مليارات دولار، فيما تتحمّل صناديق استثمار أميركية الجزء المتبقي. على أن تكون الأولوية في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لهيكلة وإعادة جدولة الجزء المتعلق بالمصارف اللبنانية، لتحقيق نتائج ملموسة وانفراجة فعلية تواكب التطلعات.

وعلى المقلب الآخر، يراقب المجتمع الدولي أداء الحكومة الجديدة برئاسة ميقاتي، لا سيما تجاه الأزمة الاقتصادية وتداعياتها، وإن فشل الحكومة في إنجاح المفاوضات وما يترتب عليه، يعني إعلان الحقيقة، والعودة إلى المربع الأول، حيث امتنعت حكومة الرئيس حسان دياب عن الدفع.

وأمام الاختبار الصعب، يرى كثيرون أن حكومة ميقاتي لا تختلف في شيء عن الحكومات السابقة. فالحكومة الحالية إن فعلت شيئًا لن يتجاوز فعلها منع الانفجار، وبالتالي ستكون حال نجاحها حكومة إنقاذ فقط من فضاء السقوط الحر. أما المشكلات السابقة واللاحقة جميعها والدين العام، كل ذلك يحتاج عقودًا طويلة جدًّا من الجهود الحثيثة.

(ح)

ANHA