الشمال السوري .. حروب الاستعمار تلقي بظلالها على آثار الحضارات

في ظل الصراعات التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط تسعى قوى الهيمنة إلى تثبيت قدمها بين الحضارات الخالدة، فتسعى بشتى الطرق إلى كتابة تاريخ جديد للمنطقة حتى ولو كان ذلك على حساب غيرها من الحضارات القديمة وتدميرها وسرقة آثارها.

الشمال السوري .. حروب الاستعمار تلقي بظلالها على آثار الحضارات
الأحد 12 يلول, 2021   05:34
 كوباني - نهاد كرعو

يقول الفيلسوف اليهودي ولتر بنديكس: "التاريخ لا يكتبه إلا المنتصرون والمنتصر هو من يحافظ على حضارته من الزوال"، وإذا أردنا أن نعرف من نحن فعلينا بالرجوع إلى جذورنا الأولى وهي آثار الإرث الحضاري الذي وهبنا إياه أجدادنا بعد الصراعات الدموية التي خاضوها عبر التاريخ للحفاظ على عرقنا الآري من الضياع.

صراع الحضارات

تعيش منطقة الشرق الأوسط صراعاً دموياً في القرون الأخيرة تقوده الدول عبر أعوانها في المنطقة، وأبرز أعوانها في العصر الحديث دولة الاحتلال التركي التي تستغل كل فرصة لتحقيق رغباتها فتسرق وتنهب ثروات المنطقة وآثارها وترسلها للغرب لتنال رضاهم وتحقق مطامعها.

وكانت الحرب السورية فرصة ذهبية لتركيا لتحتل المناطق السورية الواقعة على حدودها وتنهب وتدمر المواقع الأثرية كما يحلو لها بغية كتابة عنوان جديد للتاريخ الحضاري، وما كان منها إلا وقامت واحتلت المناطق الحدودية المحاذية لها وبدأت بالفور بنبش المواقع عبر مرتزقتها ونهب ما فيها من آثار أمام أنظار العالم وأبرز تلك المناطق كانت مدينة عفرين.

الرئيس المشترك لمديرية حماية الآثار في إقليم الفرات، علي سليمان، يرى بأن "أهمية الآثار تأتي في إطار الحفاظ على ثقافة الشعوب، فالآثار هي الجسر الرابط بين الشعوب في الماضي والحاضر، وهذا ما يجعل الدول الساعية لتزييف تاريخ المنطقة إلى نقل الآثار من المناطق التي احتلتها إلى مناطقها لتدمير هذا الجسر التاريخي وقطع الصلة بين الماضي والحاضر".

وأضاف علي سليمان: "أبرز الدول التي تشكل خطراً على الحضارة الإنسانية في عصرنا الحديث هي دولة الاحتلال التركي فمن خلال ما تفعله بمدينة عفرين المحتلة من تدمير للبنى التحتية للمعالم الأثرية، وتنقل مقتنياتها إلى داخل أراضيها بهدف إكمال عملية التغيير الديمغرافي هناك بعد إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين، وهذا يكشف لنا مدى كرهها لشعوب المنطقة".

وتعاني المواقع الأثرية من خطر الزوال، وبحسب آخر إحصائية أصدرها المرصد السوري لحقوق الانسان في العام 2020، قام المرتزقة السوريون التابعين لدولة الاحتلال التركي بتخريب وتدمير أكثر من 25 موقعاً أثرياً في مدينة عفرين المحتلة.

ولسهولة استخراج الآثار حوّل مرتزقة دولة الاحتلال التركي المواقع الأثرية إلى ثكنات عسكرية في المناطق التي احتلتها في الشمال السوري لسهولة سرقة الآثار ونقلها إلى تركيا، وأهم ما تمت سرقته في مدينة عفرين المحتلة أسد عين دارة البازلتي، ويعتبر معبد عين دارة من أهم التلال الأثرية في سوريا.

"سرقة الآثار وسيلة من وسائل الحرب الخاصة على حضارتنا"

ولم تكتف دولة الاحتلال التركي بسرقتها للآثار عبر مرتزقتها وما يزيدها طمعاً صمت المنظمات الدولية المسؤولة عن حماية الآثار وبالتحديد منظمة اليونسكو التي لا تبالي لما تفعله دولة الاحتلال بآثار المناطق التي احتلتها مع أنها هي التي وضعت المعايير التي يجب حماية الآثار وفقها عندما تقوم دولة باحتلال أراض غيرها.

الرئيس المشترك لمديرية حماية الآثار في إقليم الفرات، علي سليمان، يقول بأن "سرقة الآثار وسيلة من وسائل الحرب على المنطقة، وتأتي ضمن حرب الحضارات التي أعلنتها الدول الساعية إلى طمس هوية الشعب الكردي في المنطقة، ومنفذها دولة الاحتلال التركي الباحث عن وجوده بين الحضارات".

وأشار علي سليمان بأن "العصر الذي نمر به عصر المصالح وليس عصر الحفاظ على الحضارات، والمنظمات المسؤولة عن حماية الآثار تتبع لدول تركض خلف مصلحتها ومن مصلحتها أن تدمر المعالم الأثرية بمناطقنا كونها تعود لآلاف الأعوام قبل الميلاد، وبدمارها يكتب تاريخ جديد للمنطقة، ولكون شعب الكردي يعد من أقدم الشعوب وصاحب أقدم الحضارات في الشرق الأوسط وصاحب الحضارة الوحيدة التي بقيت صامدة بوجه الغزوات فإن بقاء حضارته يشكل خطراً على الحضارات الجديدة بنظر الغرب".

وأضاف سليمان: "الآثار تعرّفنا على تاريخنا وكل قطعة ميراث يمتد لآلاف السنين، ولكن بفعل الحرب الخاصة التي نتعرض لها من خلال تزييف تاريخ المنطقة عبر الذين يكتبون عن مناطقنا حسب سياسات الدول الفاشية الهادفة إلى طمس هوية الشعب الكردي فإن تاريخ منطقتنا في خطر كبير وعلينا أن نكون حريصين".

ولفت علي سليمان إلى "إننا أيضاً شركاء في ضياع تاريخنا وتدمير حضارتنا فالبعض منا يتاجر بآثار المنطقة من خلال بيعها إلى خارج المنطقة ليحصل على المال منها، ولكنه لا يعلم بأنه يبيع تاريخ أسلافنا الذين حافظوا على حضارتهم بأرواحهم".

واختتم علي سليمان حديثه بأن "أفضل طريقة للحفاظ على آثار المنطقة هي نشر الوعي الكافي بين الأهالي، وكذلك تدريس أهمية الآثار في المدارس والجامعات، وأيضاً يقع دور كبير على وسائل الإعلام وخاصة الإعلام المرئي يجب أن يكون القيادي في نشر الوعي للحفاظ على الآثار، وتوثيق آثار المنطقة أيضاً مهم لحمايتها من السرقة والضياع".

(ج)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/yoSvzFW2kb0" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>