أفغانستان .. احتلالات ودعم خفي وسقوط الإمبراطوريات - 3

أفغانستان .. احتلالات ودعم خفي وسقوط الإمبراطوريات - 3
الخميس 9 يلول, 2021   02:43
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

أفغانستان.. أميركا تطيح بطالبان وبعد ٢٠ عامًا تعيد تسليم البلاد لها

 

بعد بريطانيا والاتحاد السوفييتي، تدخلت أميركا في المستنقع الأفغاني عقب هجمات الـ 11 من أيلول عام 2001. فأميركا التي قدمت دعمًا خفيًّا للحرب ضد السوفييت، أصبحت هي المعرضة للهجمات بعد الهجمات. ولكنها بعد 20 عامًا من الحرب التي كلفتها كثيرًا، انسحبت هي الأخرى لتسيطر طالبان مجددًا على هذا البلد.

في الـ 11 من أيلول/ سبتمبر عام 2001 استولى انتحاريون على 4 طائرات ركاب أميركية كانت تحلق شرق الولايات المتحدة في وقت واحد، واستخدمت هذه الطائرات كصواريخ عملاقة لضرب أهداف كبيرة، فاستهدفت طائرتان البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي في نيويورك. في حين استهدفت الثالثة الواجهة الغربية لمبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) خارج العاصمة واشنطن، في حين سقطت الرابعة في حقل في ولاية بنسلفانيا بعد أن قاوم الركاب الخاطفين وسيطروا عليهم.

وبلغ اجمالي عدد ضحايا الهجمات 2977 شخصًا (246 ركاب وطواقم الطائرات الأربع. 2606 في البرجين، 125 في البنتاغون).

الانتحاريون بلغ عددهم 19 (15 من المملكة العربية السعودية، اثنان من الإمارات العربية المتحدة، واحد من مصر وواحد من لبنان).

وخطط تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن لهذه الهجمات، انطلاقًا من أفغانستان. وحمّلت "القاعدة" الولايات المتحدة وحلفاءها مسؤولية الأزمات والصراعات التي يعيشها "العالم الإسلامي".

أميركا تطالب طالبان بتسليم قادة القاعدة

في 20 أيلول/ سبتمبر 2001 ألقى الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في حديثه أمام جلسة مشتركة للكونغرس، باللوم مؤقتًا على القاعدة في هجمات 11 سبتمبر، مشيرًا إلى أن "قيادة القاعدة لها تأثير كبير في أفغانستان، وتدعم نظام طالبان في السيطرة على معظم هذا البلد".

وأضاف قائلًا: "ندين نظام طالبان" ومضى يقول: "الليلة تطالب الولايات المتحدة الأميركية طالبان بما يلي، والمطالب ليست مفتوحة للتفاوض أو النقاش".

وتضمنت المطالب "تسليم كل قادة القاعدة للولايات المتحدة، وإطلاق سراح جميع الرعايا الأجانب الذين تم سجنهم ظلمًا، وحماية الصحفيين والدبلوماسيين وعمال الإغاثة الأجانب، والإغلاق الفوري لجميع معسكرات تدريب الإرهابيين، وتسليم كل إرهابي وداعميه للسلطات المختصة، ومنح الولايات المتحدة حق الوصول الكامل إلى معسكرات تدريب الإرهابيين للتفتيش".

وطلبت الولايات المتحدة من المجتمع الدولي دعم حملة عسكرية للإطاحة بطالبان، وأصدرت الأمم المتحدة قرارين بشأن الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر.

ورد سفير طالبان في باكستان عبد السالم ضعيف على الإنذار بالمطالبة بـ "أدلة مقنعة" على تورط بن لادن في الهجمات، قائلًا: "موقفنا هو أنه إذا كان لدى أميركا الدليل والأدلة فعليهم إبرازها"، بالإضافة إلى ذلك أصرت طالبان على أن أي محاكمة لـ بن لادن ستعقد في محكمة أفغانية.

وفي 7 أكتوبر 2001، أي بعد أقل من شهر من هجمات 11 سبتمبر، بدأت الولايات المتحدة بمساعدة المملكة المتحدة وكندا ودول أخرى بما في ذلك العديد من دول حلف شمال الأطلسي عملياتها العسكرية، وقصفت طالبان والمعسكرات المرتبطة بالقاعدة.

وكان القصد المعلن للعمليات العسكرية هو إزاحة طالبان من السلطة، ومنع استخدام أفغانستان أن تكون قاعدة عمليات إرهابية.

وفي أيار/ مايو 2002، أظهرت شبكة إن بي سي العالمية الإخبارية تقريرًا يفيد بأن جهاز الأمن القومي الأميركي قد قدم قبل يومين من هجمات 11 سبتمبر 2001 خطة كانت إجمالًا خطة الحرب نفسها التي وضعت موضع التنفيذ من قبل البيت الأبيض ووكالة المخابرات المركزية والبنتاغون بعد هجمات 11 سبتمبر.

وكانت الخطة المذكورة تفيد بشن حرب ضد القاعدة. تبدأ هذه الحرب بالمبادرات الدبلوماسية حتى تصل إلى العمليات العسكرية ضد القاعدة في أفغانستان. وكانت هذه الخطة تقول إنه سيتم إقناع حكومة طالبان الأفغانية بتسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن إلى الولايات المتحدة. وأن الحكومة الأميركية ستبدأ باستخدام القوة العسكرية إذا رفضت طالبان ذلك.

ويقول القائد عبد الله أوجلان: "في الواقع كان الهجوم المدبر على البرجين التوأم في نيويورك في الحادي عشر من أيلول سنة 2001، والذي ترجح فيه كفة احتمال المؤامرة، كان مبادرة لبدء النظام الرأسمالي بالحرب العالمية الثالثة، أما الإسلام الراديكالي، فكان في حقيقة الأمر يستخدم كقناع إيديولوجي إثر انهيار الاتحاد السوفييتي، بعدما أعلن منذ زمن طويل من قبل حلف الناتو، وبالتالي من النظام العالي المهيمن أنه العدو اللدود الجديد، أما الهدف من ذلك ضمنيًّا فكان إتمام إرساء الهيمنة الرأسمالية، التي بقيت منتصفة عقب الحرب العالمية الأولى داخل البلدان الشرق أوسطية ذات الثقافة الإسلامية".

ويوضح القائد أوجلان "كان الغرض منه هو إرفاق الدولة المسماة بالعاقة والشقية مثل إيران والعراق وسوريا وليبيا ومثيلاتها بصورة خاصة، وإلحاقها بمنوال قويم بالنظام القائم إلى جانب تكريس الهيمنة الأميركية العالمية عمومًا، إذ كان سيملأ فراغ الهيمنة الذي توّلد بعد انهيار النظام السوفييتي، فضلًا عن أنه كان سيعمل على سد الطريق أمام أي صعود محتمل للصين كمنافس جديد".

وأشار القائد أوجلان إلى أن "الهدف من أول حملة استهدفت أفغانستان، كان التصرف السريع لانتزاع زمام المبادرة كي لا تتمكن روسيا والصين من ملء فراغ الهيمنة المتولد في آسيا الوسطى. كان كل من تنظيم القاعدة وطالبان أداة بارافنية مسخرة لهذا الغرض".

الانسحاب الأميركي وعودة طالبان

بعد 20 عامًا من التدخل المباشر، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن في شهر أيار/ مايو 2021 بداية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وقال بايدن في تموز/ يوليو أن الانسحاب سوف يكتمل يوم 31 من شهر آب/أغسطس.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في السادس من شهر تموز/ يوليو أن مهمة الناتو فشلت. وفي الشهر نفسه  اتفقت حكومة أفغانستان وحركة طالبان في مؤتمرات السلام والتسوية في طهران على أن الحرب ليست الحل وأن الأمور يجب أن تذهب للتسوية.

وألقى الرئيس الأفغاني السابق غني اللوم على أميركا لتدهور الوضع الأمني في أفغانستان، حيث بدأت حركة طالبان في شهر أيار/ مايو بالسيطرة على أفغانستان تدريجيًّا وفي يوم 15 آب/ أغسطس، استطاعت حركة طالبان السيطرة على العاصمة كابول، وهرب الرئيس غني إلى طاجيكستان في اليوم نفسه.

نجل شاه مسعود يقود المقاومة ضد طالبان

عندما تم اغتيال أحمد شاه مسعود، كان ابنه أحمد يبلغ من العمر 12 عامًا. وأنهى أحمد دراسته في إيران، وبعدها انتقل إلى إنكلترا، والتحق بالكلية العسكرية سانت هيرست. عاد إلى أفغانستان عام 2016، واستمر في محاربة طالبان، وطلب من الغرب مساعدته في مواجهة الحركة.

وبعد سيطرة طالبان على كابول مساء 15 آب/ أغسطس 2021، غادر ولاية بنجشير مع مجموعة من الشخصيات المهمة على طائرة عسكرية، وطلب من جميع المسؤولين عدم الإعلان عن وجهته.

أسس حزبًا سياسيًّا يطلق عليه "جبهة المقاومة الوطنية" وشكل جيب مقاومة في وادي بنجشير، حيث تجمعت فلول القوات الحكومية وجماعات من ميليشيات أخرى.

وفي 19 آب/ أغسطس 2021، نشر أحمد مسعود مقالًا بصحيفة "واشنطن بوست" (Washington Post) الأميركية، أعلن فيه انطلاق ما وصفه بـ "مقاومة المجاهدين" ضد سيطرة طالبان على البلاد.

ويقول مسعود الابن "أكتب اليوم من وادي بنجشير (شمال شرق) وأنا على استعداد لاتباع خطا والدي، مع المجاهدين المقاتلين المستعدين لمواجهة طالبان مرة أخرى. لدينا مخازن الذخيرة والأسلحة التي جمعناها بصبر منذ عهد والدي، لأننا علمنا أن هذا اليوم قد يأتي".

طالبان تهاجم ومسعود يؤكد استمرار المقاومة

ما أن اكتمل الانسحاب الأميركي حتى بدأت حركة طالبان يوم الجمعة 3 أيلول/ سبتمبر بشن هجوم على آخر جيب للمقاومة لحكمها في شمال أفغانستان، حيث تلاشت احتمالات التوصل إلى تسوية تفاوضية مع مقاتلي المعارضة تؤدي إلى تشكيل حكومة ائتلافية أكثر شمولًا، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال".

وفي الوقت الذي قالت فيه طالبان إنها توغلت في منطقة شوتول في الطرف الجنوبي من بنجشير، واجتاحت نقاط التفتيش على الطريق واستولت على أحد الأحياء، ولاحقًا حديثها عن السيطرة الكاملة على الإقليم وإطلاق النار في العاصمة كابول فرحًا، أعلن مقاتلو المقاومة في الإقليم أنهم صدوا هجمات طالبان وقالوا إنهم أجبروها على الانسحاب.

وفي الغضون، قال أحمد مسعود، ابن زعيم المجاهدين السابق أحمد شاه مسعود، إن النضال ضد حركة طالبان مستمر.

وغرد مسعود، السبت، قائلًا إن جبهة المقاومة المناهضة لطالبان "لن تتراجع عن مطالبها المشروعة".

غدًا: أفغانستان عود على بدء.. أين يكمن الخلاص؟                                                         

(ح)

ANHA