​​​​​​​الهجرة ليست قدرًا إنها تجسيد للسياسة الرأسمالية

​​​​​​​الهجرة ليست قدرًا إنها تجسيد للسياسة الرأسمالية
الثلاثاء 7 يلول, 2021   21:35

خليل جمال

إن القيامة تعني في الديانات التوحيدية عامة نهاية العالم، وهناك أمور مماثلة في علم الأساطير، ويرمز إلى علامات القيامة بـ "الفرسان الأربعة للمحشر" في مخطوطات العهد الجديد المكتوبة من القرن الثاني إلى القرن السادس عشر، ويمكن للمرء أن يقول بسهولة إن هناك صلة بين هذه العلامات وأحداث يومنا هذا.
أصبحت القضايا التي يمكن أن تؤدي إلى نهاية العالم، مثل الحرب والدمار والمرض والمجاعة والكوارث البيئية، الأجندة الرئيسة للبشرية. وكل هذا يتم بسبب التصور الليبرالي الذي يقوم بدور المسيح الزائف، ويتجلى هذا التوجه اليوم في الحداثة الرأسمالية. فمشكلة اللاجئين التي ابتلي بها العالم اليوم هي نتيجة لهذه الأسباب.
أصبح البحر الأبيض وبحر إيجة، والعديد من البحار والأنهار والجداول مقابر للاجئين، وتريد بعض الدول حماية نفسها من هؤلاء اللاجئين وتقوم ببناء الجدران(العوازل الجدارية) على طول حدودها، بالإضافة إلى إنشاء وحدات خاصة ووضع آليات مراقبة جوية - أرضية على الحدود، وتدعو إلى تخصيص بعض المساعدات الإنسانية للاجئين.

لقد هجّروا البشر بسبب الحروب والأمراض والمجاعة والكوارث الطبيعية على وجه الأرض ونقلوا اللاجئين من أرض إلى أخرى، لكن بعض الأحداث أخذت منعطفًا عسيرًا،  فخلقوا مفهوم الوجع والهموم وحاولوا أسر الوجدان  البشري وتشويهه.
أصدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنيف تقريرًا أفاد أنه في عام 2020 هجّر نحو 82 مليون و 400 ألف شخص حول العالم من أرضهم؛ وذلك بسبب العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، وذكر التقرير أن الأسباب الرئيسة لهذا كانت أزمة المناخ، والحروب الأهلية والصراعات. وقال فيليبو غراندي في التقرير "أُجبر 3 ملايين شخص على ترك ديارهم بسبب جائحة كورونا خلال عام 2020 فقط. وقد يحاول معظمهم اللجوء إلى دول أخرى في السنوات المقبلة". كما أنه غير معروف مقدار الحقيقة التي يعكسها هذا التقرير. لكن؛ إذا نظرنا إلى الأحداث الجارية في أفغانستان فينبغي النظر في قضايا الهجرة واللجوء بشكل مفصل أكثر.

في غضون أيام قليلة، قطعت موجة الهجرة مسافة 1500-2000 كم، ووصلت من أفغانستان إلى باكور كردستان، وهذا أمر لافت. لكن حدود إيران وتركيا مغلقة بجدران. كما أن الدولة التركية قد أقامت في إطار هجمات الإبادة عددًا من الدفاعات الحدودية المزودة بأحدث التقنيات وبنت داخل البلاد شبكة أقوى من الشبكة التي كانت أيام عبد الحميد. لكن بحسب المعطيات الرسمية دخل حوالي 300 ألف شخص إلى داخل حدود مدن كردستان؛ أكري، ووان، وادري، واستقروا هناك. كيف يمكن هذا؟ من الضرورة بمكان الإجابة عن هذا السؤال بشكل صحيح. أما إذا لم يتم تقييم هذا التهجير واللجوء بشكل صحيح من واقع الرأسمالية؛ فنحن أيضًا سنصبح مشاركين بدموع التماسيح هذه.
وإن كانت الأسباب ليست هي نفسها. لكن حدثت موجات مماثلة من الهجرة عبر التاريخ؛ بسبب زيادة عدد السكان ونقص الموارد الزراعية وما إلى ذلك، اضطرت بعض المجتمعات إلى الهجرة. أو أن هذه الهجرة حدثت في أوقات المجاعة أو المرض أو الحرب. ولكن الآن استخدمت القوى العالمية للحداثة الرأسمالية هذا كذريعة لوجودها، ويتم تنفيذ الهجرة اليوم كسياسة مخططة والتي تم فرضها تاريخيًّا على اليهود من قبل العديد من الدول، وهذا ما يسمى بالمذبحة أو الإبادة الجماعية، ومن الأفضل أن ننظر إلى الهجرة كسياسة عامة، وليس على أنها أحداث جرت في بلدان مختلفة.

لماذا يحدث هذا الأمر؟ أو لماذا ترى القوى الدولية والقوى الإقليمية الداعمة لها، الحاجة إلى ممارسة سياسة التدمير هذه؟ وكيف يمكن منع هذه المآسي؟
تواجه البشرية اليوم مشاكل خطيرة. فالحداثة الرأسمالية لا تحرق المجتمع فحسب؛ بل تحرق الطبيعة أيضًا وتستعبد العالم.

 بالطاقة والأموال التي يتم إنفاقها على الحرب والمعدات الحربية والذخيرة؛ يمكن إنقاذ العالم والإنسانية عشر مرات من الكوارث الكبرى. ليس فقط حل مشاكل الجوع والمجاعة، ولكن بالإمكان أيضًا تحسين نوعية الحياة البشرية كلها. لكنهم اليوم وباسم حقوق الإنسان والسلام والاستقرار يجعلون العالم غير صالح لسكن البشر. فإلى جانب جميع أشكال الحرب؛ تم استخدام أسلحة الحرب البيولوجية بشكل فعال خلال الحرب العالمية الثالثة. وفي ظروف وشروط الحرب العالمية، تتحول بعض البلدان أو المناطق إلى معامل. حيث يتم اختبار هذه الأسلحة فيها، وتستخدم الرأسمالية بعض البلدان كأسواق عمل رخيصة، بينما يستخدمها البعض الآخر للتخلص من نفاياتها. باختصار؛ من أجل الأسواق الجديدة والثروات الجديدة واحتلال الأراضي الجديدة والمستودعات الجديدة للعمالة الرخيصة، تجري أعظم المآسي في تاريخ البشرية.
الأسباب الرئيسة لموجات الهجرة هذه واضحة، ويزداد الأمر وضوحًا بالنظر إلى خريطة الهجرة اليوم. لقد حدث تغيير ديموغرافي في سوريا خلال العقد الماضي بسبب الهجرة الداخلية والخارجية. وحدث الأمر ذاته في ليبيا أيضًا، ولا يمكن الشعور بمأساة اليمن لأنها لا تنعكس بشكل كافٍ في وسائل الإعلام. تواجه كل إفريقيا تقريبًا، وخاصة السودان والصومال وإثيوبيا، إبادة جماعية خطيرة.

كما تواجه أمريكا اللاتينية المشكلة نفسها. وتستفيد حرب التقسيم الثالثة من هذه القارات. وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب ببناء الجدران على طول حدود المكسيك. خاصة في فنزويلا؛ بسبب مغادرة جموع الناس إلى بلادهم وتوجههم لحدود الولايات المتحدة الأمريكية. باختصار؛ يحتاج النظام الإمبريالي الرأسمالي إلى بناء جدران وأسوار ووحدات أو أجهزة أمنية خاصة على الحدود للاستفادة من أزمة الهجرة التي خلقها بنفسه.

مع كل خصائصها هذه، ومهما كانت الأسباب حاولوا من خلال سياسة الهجرة الموجودة في جهات العالم الأربعة تحقيق العديد من الأهداف في وقت واحد. كالنفط مثلًا، فهي لا تستفيد من البترول فقط؛ والعديد من المنتجات البترولية هي منتجات أساسية في الأسواق العالمية. باختصار؛ تُستخدم الهجرة كمنتج حي للأسواق العالمية في أيدي الرأسمالية.

 وتمت إعادة تصميم القسم السوقي لأوروبا الشرقية من جديد بعد انهيار النظام الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي. ولكن في أجزاء أخرى من العالم تستمر الفوضى التي تعتمد على الحرب الأهلية والمرض والمجاعة. بصفتهم المعماريون الرئيسيون لهذه الفوضى، تعمل القوى العالمية الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على تطوير الهندسة الاجتماعية حول العالم، وقد انضمت الصين وروسيا إلى هذه المنافسة الهندسية والسوق في مرحلة الربيع العربي.
ولهذا انتشرت الفوضى العميقة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط؛ بسبب زيادة فاعلية هاتين القوتين في جميع أنحاء العالم. من خلال هذا التقسيم الواسع والهجرة الناجمة عن الهندسة الاجتماعية والحرب وتغير المناخ والمرض، وهناك مأساة إنسانية في معظم أنحاء العالم. الشيء المضحك هو أن لا أحد يتحمّل مسؤولية هذه المأساة. بل على العكس؛ فإن القوى العالمية أو الإقليمية المسؤولة عنها تظهر من خلال المساعدة التي تقدمها والأموال التي تنفقها كم أنها ذات نية حسنة. لهذا فإن القتلة يضعون أقنعة خبيثة على وجوههم.

الآن بلدنا كردستان ودول المنطقة؛ سوريا والعراق والعديد من الدول الأخرى تعيش آلام الحرب العالمية الثالثة، وعندما يتعلق الأمر بالكرد وكردستان تنتهج دول المنطقة بشكل طبيعي سياسات الدولة التركية الفاشية.
لماذا تضم ​​الدولة التركية الفاشية هذا القدر من اللاجئين؟ ولماذا تستخدم كل الوسائل لجلب المزيد من اللاجئين؟ الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة توضح حقًّا ما تريد القوى العالمية أن تفعله. فخلال هجمات الأنفال التي شنها صدام قامت الدولة التركية المحتلة بفتح أبوابها لقوات باشور كردستان، وهذا الأمر يوضح أن الدولة التركية حظيت بدعم كبير من المنظمات الدولية والرأي العام العالمي. كما تم استخدام كرد باشور كردستان كعمالة رخيصة، وهذا يعني القوى العاملة غير المسجلة في النقابات ومؤسسات التأمين.

الحديث عن الهجرة الداخلية داخل حدود تركيا، بسبب السياسات المعادية للكرد والمجتمعات المختلفة الأعراق أو المعتقدات، هي خارج نطاق موضوعنا. بالطبع هذه السياسة جزء مهم من هجمات الإبادة الجماعية. لكن الهجوم الحقيقي الآن يتم تطويره من قبل شعوب تعيش داخل حدود دولة أخرى.
ليس من باب المصادفة أن الدولة التركية المحتلة بدأت بالتأثير في السياسة الكردية من خلال كرد باشور بعد الأنفال. وإذا دقق المرء؛ فإن الهجوم على الكريلا عام 1992 بوجود حكومة هولير يحدث بعد هذه المرحلة؛ لذلك قدمت الأنفال للدولة التركية الفاشية فرصة استخدام الكرد. كما أن إعادة تفعيل حزب الكونترا حدث في إطار هذه المرحلة. فأحد المسؤولين عن الأنفال هو الدولة التركية الفاشية.

نرى في سوريا أيضًا وضعًا مماثلًا. فقد حوّل الكرد الاضطرابات التي بدأت عام 2011 إلى فرصة لإقامة إدارتهم الذاتية بشكل سلمي. كما دربت الدولة التركية الفاشية والقوات الدولية المرتزقة المعادين للكرد ودفعوهم للقتال وقد كانت الهجمات مدعومة من قبل الحكومة الفاشية لحزب العدالة والتنميةAKPوحزب الحركة القومية MHPعلى جميع المستويات. وهذا ما مهد الطريق أمام هجرة كبيرة لكرد روج آفا. فالدولة التركية الفاشية عندما لم تستطع كسر إرادة الكرد من خلال المرتزقة، أرادت إخلاء هذه الأرض من الكرد. فهاجر الكرد إلى باشور وباكور و أوروبا.
لكن مع إنشاء إدارات مقاطعات روج آفا، هاجمت الدولة التركية الفاشية وداعش روج آفا وكوباني على وجه الخصوص، وفتحت أبوابها أمام الذين هربوا من هذا الهجوم، على الرغم من أنها لم تستطع إخلاء روج آفا من الكرد؛ إلا أنها بدأت بهذا للتدخل في سياسة روج آفا. فدربت بعض الذين فروا من روج آفا وشكلت قوة مضادة في باشور تسمى بيشمركة روج. بالإضافة إلى هذه القوة التي تم تشكيلها في إطار سياسة الحزب الديمقراطي الكردستاني، شكلت منظمة سياسية تسمى ENKS ، ومن الواضح أن القوة الرئيسة لتحالف المجلس الوطني الكردي تقف الآن مثلها مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري PDK-S، إلى جانب أولئك الذين أنكروا الكرد وهاجموهم من أجل الإبادة. الذين لم يعتبروا الدولة التركية دولة محتلة. لم يروا الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب في عفرين وسري كانيه وكري سبي. بعبارة أخرى؛ تحاول الدولة التركية الفاشية، من خلال هذا التشكيل الذي نشأ نتيجة الهجرة، مواصلة سياستها في إبادة الكرد.

من ناحية أخرى؛ فتحت السياسات المشتركة لروسيا والولايات المتحدة الأمريكية في الحرب في سوريا الطريق أمام احتلال الأراضي السورية وأمام احتلال عفرين خاصة. وفي الـ 10 من تشرين الثاني عام 2017 اتفقت الولايات المتحدة وروسيا في اجتماع عقد بين ترامب وبوتين في فيتنام حول الوضع القائم في سوريا، وتحت رعاية إسرائيل والأردن وبحضور حكومة دمشق، تم إرسال المرتزقة الموجودين في محيط درعا ودمشق إلى إدلب والمناطق المحتلة الأخرى حول درعا ودمشق. كما احتلت الدولة التركية عفرين، ومرة أخرى وعلى أساس هذا الاتفاق تركت إدلب لاحتلال الدولة التركية الفاشية، وعلى هذا الأساس أيضًا جرى احتلال كري سبي وسري كانيه. والمناطق التي تم إخلاؤها من الكرد أو السكان الأصليين احتلها المرتزقة وأسرهم واستقروا فيها، ولولا مقاومة الكرد ضد داعش لنتج عن هذا الاحتلال احتلال شمال وشرق سوريا. ولما بقي كرد في هذه المنطقة. إنهم يريدون تحقيق الهدف الذي لم يتمكنوا من إتمامه من خلال داعش بهجمة الدولة التركية الفاشية. كان هذا هو القرار الذي تم اتخاذه في فيتنام، وهذا يعني أن فيتنام التي نالت تعاطف الإنسانية لبعض الوقت بمقاومتها للنظام الرأسمالي والإمبريالي، رحبت بالاتفاق الذي تضمن إبادة الكرد. وهذه مفارقة أي أنه شكل من أشكال الانتقام الرأسمالي.

يتم استخدام المرتزقة الذين تم انتقاؤهم من المهاجرين السوريين كقوات هجومية في العديد من المناطق، لاسيما في ليبيا وقره باغ وباشور كردستان. حيث تعمل الهجرة اليوم كمجال صناعي للنظام الرأسمالي. وتستخدم الدولة التركية الفاشية هذا المجال بأكثر الطرق فعالية. ولهذا السبب تلعب تركيا اليوم دور مخيم اللاجئين الرأسمالي. فمن هنا تكتسب القوة القتالية والعقلية والجسدية.
تعيش البشرية الآن ضمن مأساة جديدة للهجرة. وعلى الرغم من تركيزنا على الهجرة واللجوء من أفغانستان، إلا أن تدفق المهاجرين إلى باكور كردستان آخذ في الازدياد، ووضع إطار احتلال عفرين والمناطق الأخرى في فيتنام. النتائج المحتملة لموجة الهجرة الجديدة، هل هي خطة للناتو؟ يتوجه عشرات الآلاف من الشباب في عُمر الثلاثين، إلى مدن كردستان وكأنهم سيحتلون دولة. احتل داعش المدينة بأعلامه السوداء وسياراته العسكرية في وضح النهار. هل سيتم تسليح هؤلاء الأشخاص الذين يبدون الآن كمدنيين في المستقبل؟ هذا السؤال يوضح أيضًا الأسباب التي تجعل الحماية الذاتية أكثر أهمية الآن.
باختصار؛ الهجرة تحرق قلب البشرية بالتأكيد. لكن هناك سياسة هجرة. والقوى التي تقول إنها تساعدهم هي من تنتهج هذه السياسة اليوم. في العصور الوسطى، تم نقل العبيد إلى مستودعات السفن أو بطرق مختلفة لتقوية الرأسمالية، واليوم يُستخدم المهاجرون لهذه المهمة بطريقة مختلفة.

ووفقًا للكتاب المقدس، فإن صورة القيامة التي خلقها "الفرسان الأربعة للقيامة" تقاد من قبل المسيح الدجال (الكاذب) وتدمر عالمنا. ويواجه العالم والبشرية كارثة غير مسبوقة، ويكمن الحل في النظام الكونفدرالي الديمقراطي الذي يقترحه القائد آبو. الحل يكمن في مشروع أمة ديمقراطية مبنية على الإدارة الذاتية الديمقراطية حتى لا يقع الناس في موقع الفوضى الناشئة ولا يرتبط بالرأسمالية. بالطبع لكي يتحقق هذا المشروع هناك حاجة مهمة لوحدة الكرد والشعوب ومن خلال النضال الدؤوب.
إذا أردنا قطع الطريق أمام سياسة الهجرة التي تم تطويرها من خلال الحرب والمرض والمجاعة والكوارث العالمية، وبناء نموذج لمجتمع ديمقراطي وبيئي وحامي لحرية المرأة، يجب أن ننضم بطريقة أكثر وعيًا ونشاطًا لعملية البناء.

)م)

ANHA