​​​​​​​عهد ثانٍ من الظلام الدامس يحكم المرأة الأفغانية ولا آمال بتغيير الذهنية المتزمتة لطالبان

خيم الظلام مجدداً على مصير المرأة الأفغانية بعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان، وعلى الرغم من تعهدها بتغيير ذهنيتها تجاه المرأة؛ إلا أنه لا آمال تلوح في الأفق بحسب متابعات للوضع، اللواتي رأين أن الكفاح الدؤوب للمرأة الأفغانية هو سبيل الخلاص وصون الحقوق.

​​​​​​​عهد ثانٍ من الظلام الدامس يحكم المرأة الأفغانية ولا آمال بتغيير الذهنية المتزمتة لطالبان
الثلاثاء 24 آب, 2021   02:51
مركز الأخبار – شيماء علي – ليلاف ديواني

عاد الغموض ليلف مصير النساء الأفغانيات منذ 15 آب/ أغسطس الجاري، بعد أن سيطرت حركة طالبان على زمام الأمور وسدة الحكم في البلاد، وفرار الرئيس الأفغاني أشرف غني من البلاد، إذ يتخوف الكثيرون على مستقبل المرأة في هذا البلد، ويرى المراقبون أن المرأة هي الضحية في ما يجري بأفغانستان.

وقالت حركة طالبان إنها ستضع قوانين لضمان مشاركة المرأة في الحياة العامة، كما نفى المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، تقارير عن إجبار النساء على الزواج.

وتناقلت وسائل إعلام تصريحات لمتحدث باسم الحركة قال "إن طالبان لا تخطط لفرض العزلة على النساء، وإنها ستسمح لهن بالتعليم والعمل مقابل الالتزام بالحجاب".

وفي تناقض لتصريحات ذبيح الله، قالت وكالة أسوشيتد برس إن طالبة العلاقات الدولية والناشطة الأفغانية، عاشة خورام (22 عاماً)، مُنعت من دخول جامعتها في كابول، الأحد، وأجبرت على العودة إلى منزلها بعد سيطرة طالبان على العاصمة.

وأفادت تقارير عديدة بقيام طالبان بتفقد منازل المواطنين لإعداد قوائم للنساء والفتيات اللاتي تراوح أعمارهن بين 12 و45 عاماً، بغرض تزويجهن قسراً من عناصرها. وفي الوقت نفسه أخطرت الحركة النساء بوجوب عدم مغادرة المنزل إلا في حال رافقهن الرجال، وأنه لم يعد بإمكانهن العمل أو الدراسة أو اختيار الملابس التي يرغبن في ارتدائها بحرية، وأقفلت المدارس أيضاً.

تصريحات زائفة

وحول تصريحات طالبان حول حماية حقوق المرأة، قالت الدكتورة في العلوم السياسية فرناز عطية: "طالبان وعدت بالمحافظة على حرية النساء والصحافة، وقد أخلت ونكست بهذه الوعود، والدليل على أن تصريحات طالبان عن المرأة والصحافة غير حقيقية بل وقتية وزائفة، مقتل صحفي على يدها بعد عودتها مرة ثانية إلى سدة الحكم وهو صحفي من الوكالة الألمانية، إذ من غير الممكن لحركة متشددة أن تتحول إلى حركة تؤمن بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان".

وضع الأفغانيات بين عامي 1996 و2001

وعندما سيطرت طالبان على الحكم في أفغانستان من عام 1996إلى 2001، حُرمت المرأة الأفغانية من التعليم، والمشاركة في السياسة، والعمل، والخروج من المنزل إلا بمرافقة رجل، وفُرض عليها ارتداء النقاب، والزواج القسري، والرجم بتهمة الزنا وغيرها من الممارسات اللاإنسانية.

إلى ذلك لم تتوقف طالبان عن الانتهاكات بحق المرأة في المناطق التي بقيت تحت سيطرتها، بالإضافة إلى المناطق التي سيطرت عليها مؤخراً قبل سقوط العاصمة كابول بيدها، فبحسب تقارير، تقول إحدى النساء الأفغانيات التي قُتل جميع أبنائها على يد عناصر من طالبان إن الأخيرة أجبرت زوجات أبنائها على الزواج من عناصرها قسراً، بالإضافة إلى خطف الفتيات من المنازل.

ومن جانبها تحدثت السياسية الكردية، عائشة أفندي، عن الوضع الذي عاشته المرأة الأفغانية أثناء سيطرة حركة طالبان على أفغانستان بين عامي 1996 و2001، وقالت: "حركة طالبان تتبع نهج الإسلام السلفي، وخلال فترة حكمها حرمت المرأة الأفغانية من أبسط حقوقها كالتعليم والعمل وحتى حرية التعبير والاختيار".

هل تغيّرت الحركة؟

فيما تساءلت فرناز عطية: "بماذا يختلف الوضع الحالي في أفغانستان عن الوضع السابق؟ هل قدمت طالبان خطاباً جديداً، وهل قدمت منهجية جديدة، وهل قدمت جيلاً جديداً من القيادات الجديدة المنفتحة فكرياً؟ هل لديها نهضة فكرية وآراء مختلفة عن من سبقها؟ أعتقد أن هذا لم يحدث. وبالتالي يبقى الوضع كما هو، وحتى لو شهد الأمر تغّيراً فسيكون مفتقراً إلى الديمومة والمصداقية والتغيير لن يحدث بشكل جوهري، والنساء يخشين من هذا الأمر، وما يحدث سيكون ردة وانتكاسة كبيرة ستشهدها النساء داخل أفغانستان، وخاصة النساء من عرقيات وأديان معينة سيتم اضطهادهن".

وأضافت فرناز: "عودة طالبان إلى سدة الحكم في أفغانستان يعني عودة السلطوية والقمع الذي كانت تمارسه ضد الشعب الأفغاني بشكل عام والنساء بشكل خاص وعمليات العنف الممنهجة ضد المرأة باسم الدين والدين منها براء، وكذلك عمليات التمييز الصارخ بين المسلمين وغير المسلمين حتى في الزي نفسه بين النساء، حيث إن السيدات غير المسلمات كان يجب أن يرتدين لوناً مختلفاً من الملابس، وكان يفرض عليهن ارتداء النقاب، وهذا أكثر ما تخشاه النساء من عودة طالبان إلى سدة الحكم".

الخوف من العودة إلى "عهد الظلام"

وتابعت: "الجميع يتوجس الخوف في أفغانستان وعلى وجه الخصوص النساء، فكثير من الدول الأوروبية وغير الأوروبية حتى دول الشرق الأوسطية تتخوف من عودة طالبان إلى الحكم مرة أخرى، خاصة أنها ستجعل أفغانستان أرضاً خصبة للإرهاب وليس هناك ما يجبرها على تغيير سياستها، على العكس، هي ستحاول أن تتفادى عيوب وأخطاء الماضي لترسخ مكانها أكثر في السلطة وتستمر".

وتتخوف النساء الأفغانيات من العودة إلى عهد الظلام، في إشارة إلى العهد الأول التي حكمت فيه طالبان أفغانستان، وفي هذا الصدد قالت فرناز: "يتخوفن من فقدان المكاسب التي حصلن عليها في الفترة السابقة ... من ضياع الحريات والحقوق، ويخشين من العودة إلى عهد الظلام وضياع الحقوق والعنف والقمع والتشدد في معاملة في النساء".

ممارسات مشابهة لممارسات داعش

وبحسب ما تداولته التقارير الإعلامية، فإن عناصر طالبان أمروا النساء بالبقاء في المنزل وعدم الظهور في الأماكن العامة إلا إذا كن يرتدين النقاب ويرافقهن قريب ذكر، مما يشير إلى أن الجماعة لم تعدل من تفسيرها المتشدد للإسلام الذي أدى بها في السابق إلى حظر تعليم الفتيات والموسيقى وتطيير الطائرات الورقية.

وهذه الإجراءات التي تطبقها طالبان بحق النساء، سبق لمرتزقة داعش أن فرضوها على النساء في كل من سوريا والعراق أثناء سيطرتهم على المنطقة، إذ تم في ذلك الوقت سبي الآلاف من النساء الإيزيديات وتزوجيهن قسراً من المرتزقة وبيعهن في أسواق النخاسة، بالإضافة إلى التحكم بخروج النساء ولباسهن، حيث فرض عليهن لبس النقاب وعدم الخروج من المنزل إلا بمرافقة رجل والكثير من الانتهاكات الأخرى.

وفي هذا الصدد، قالت عائشة أفندي إن "ذهنية حركة طالبان لا تختلف عن ذهنية داعش"، محذرةً من حدوث تدهور في وضع المرأة الأفغانية في كافة نواحي الحياة بعد سيطرة الحركة على السلطة، وأضافت: "لا أتوقع إصدار أي قانون يحمي المرأة ويصون حقوقها في ظل حكم طالبان".

ووافقت فرناز عطية عائشة أفندي الرأي بأن داعش وطالبان يتعاملان بالأسلوب نفسه مع المرأة، وقالت: "لا نستبعد أن تقوم طالبان بنفس ممارسات داعش في العراق وسوريا من خلال اضطهاد النساء وقمعهن والاعتداء عليهن سواء من الجانب النفسي أو الجسدي وكذلك سبيهن وبيعهن. هذه الممارسات الجاهلية والمتخلفة التي لا تنتمي إلى الإسلام ولا تمت له بصلة من قريب ولا من بعيد"، وتابعت قائلة: "طبعاً قد لا يشهد الوضع في بدايته هذه الممارسات بشكل صريح ولكن على المدى البعيد لا نستبعد أن تمارس هذه الحركة الانتهاكات بحق المرأة".

صناعة أميركية

وتحدثت فرناز عن الدعم التي تتلقاه حركة طالبان وقالت: "للأسف هذه الجماعات المتشددة تحاول تشويه صورة الإسلام والمسلمين؛ لأنها بالأصل صناعة غربية ولذلك لا يمكن إغفال الفترات السابقة من التاريخ ولابد من إمعان النظر جيداً فيما عشناه من أحداث ماضية بالرجوع إلى فترة التسعينات وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي وأواخر الثمانينات، إذ نجد أن طالبان صناعة أميركية وكانت في خدمة الولايات المتحدة وكذلك تنظيم القاعدة وهذه الجماعات شبكت علاقات تهدف إلى هدم الدول وتشويه الإسلام وخدمة مصالح الغرب والأولوية لاستنزاف الموارد في الدول العربية".

وأردفت: "عند انتهاء الدور الذي تقوم به هذه الجماعات فإن أميركا تطيح بها بشكل دائم أو بشكل مؤقت وتجمّد عملها إلى حين الحاجة إليها مرة أخرى، وتستدعيها لحصد المزيد من المكاسب والمصالح لهذه الدول الغربية في الشرق الأوسط وكذلك في الدول الإسلامية".

دعوة إلى المواجهة

وطالبت فرناز عطية المجتمع الدولي بتوعية النساء والفتيات خاصة، وأن تقدم المنظمات الدولية المعنية بالمرأة الدعم للنساء داخل أفغانستان، سواء الثقافي أو المادي أو الإنساني أو السياسي أو الصحي وغيره.

ودعت الدكتورة في العلوم السياسية إلى مواجهة الفكر المتشدد الذي تعتنقه طالبان، وقالت: "لابد من مواجهته وتحرير المجتمع منه من خلال الحملات التوعوية والتعليم والبعثات وتبادل الأفكار ودعم المرأة وحثها على التمسك بالمكاسب التي حصلت عليها وعدم التنازل عن حقوقها، وحث المجتمع الدولي والدول الكبرى على دعم أفغانستان في هذه الفترة ودعم المواطنين الأفغان ومحاولة حماية الأراضي الأفغانية من عودة الإرهاب والجماعات الإرهابية وانتعاشها".

فيما أكدت عائشة أفندي، أن نساء شمال وشرق سوريا سيدعمن المرأة الأفغانية؛ معنوياً وسياسياً في سبيل صون حقها والتصدي للذهنية المتزمتة، وتابعت: "علينا جميعاً التكاتف وإيصال صوتنا للعالم أجمع حتى نضمن للمرأة حقها في العيش الكريم وممارسة حياتها الطبيعية بحرية أينما كانت، من خلال تعزيز العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين نساء العالم".

لا بد من الضغط على طالبان لضمان حقوق المرأة

وشددت عائشة على ضرورة أن يضغط المجتمع الدولي على "طالبان" من خلال تحذيره بفرض عقوبات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية في سبيل حماية حقوق المرأة من الانتهاك وضمان عدم تعرضها للعنف أو القتل أو أي جرائم منافية للحقوق الإنسانية، بمساندة من المنظمات النسوية والحقوقية لتقصي الحقائق وكشف واقع المرأة في أفغانستان.

دعوات للاقتداء بالمرأة الكردية لمحاربة الذهنية المتشددة

وتطرقت عائشة أفندي إلى المؤتمر الثاني لنساء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي عقد في لبنان في 30 تموز/ يوليو الفائت، وجمعت شمل نساء من مختلف بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لمناقشة قضايا المرأة، وقالت: "نجم عن هذا المؤتمر إعلان عن تحالفٍ نسوي، ووصل إلى نقطة مشتركة لبناء مجتمع قائم على الحرية والديمقراطية يضمن المساواة الفعلية، وبإمكان المرأة الأفغانية أيضاً المشاركة في هذا التحالف وطرح آرائها لإيجاد الحلول".

وفي ختام حديثها، قالت عائشة أفندي: "بلا شك هناك مخاوف على مصير المرأة الأفغانية، لذا يجدر بالأفغانيات التكاتف وكسر قيود الخوف وإيصال صوتهن إلى العالم أجمع، وذلك بتنمية فكرهن وتنظيم أنفسهن والكفاح في وجه الذهنية السلطوية المتشددة وتعزيز العلاقات الدبلوماسية الخارجية، كما فعلت المرأة في شمال وشرق سوريا مع انطلاقة شرارة ثورة روج آفا المعروفة بثورة المرأة واقتدائها بفكر وفلسفة القائد عبدالله أوجلان الداعم والحامي لحقوق المرأة وحريتها".

ومن جانبها قالت فرناز عطية: "المطلوب من المرأة الأفغانية هو الوقوف في وجه التيارات المتشددة وعدم التنازل عن ما حققته من مكاسب وانتصارات وما حصلت عليه من حقوق في الفترة الماضية ونشر التوعية في المجتمع الأفغاني، وعلى الجانب الآخر أن تنظر إلى التجارب المشابهة للمرأة، مثل المرأة السورية وخصوصاً الكردية وما عانته في ظل داعش وكذلك المرأة في العراق، كيف صمدت في وجه هذه الجماعات المتشددة وكيف تخطت هذه الأزمة والانتهاكات الشديدة التي تعرضت لها".

(ش ع)

ANHA