​​​​​​​عام على تفجير مرفأ بيروت والمصاب كأنَّه ابن يوم

يحيي لبنان، اليوم الأربعاء، ذكرى مرور عام على انفجار مرفأ بيروت المروع الذي قتل فيه أكثر من مئتي شخص، وألحق دماراً هائلاً بالعاصمة اللبنانية، وسط تساؤلات عن الإعمار ومحاسبة المتورطين.

​​​​​​​عام على تفجير مرفأ بيروت والمصاب كأنَّه ابن يوم
الأربعاء 4 آب, 2021   01:43
بيروت – زياد أبو غزالة

تكبر القضية لتبلغ عامها الأوَّل، من غير أن يتغيَّر فيها شيء، فالمصاب ما زال هو هو كيوم حلَّ التَّفجير وجثمت السُّحب على قلب المدينة المنكوبة.

اثنا عشر شهراً ينقضي على أضخم انفجار في العصر الحديث، أصاب بيروت، ينقضي بدون أن يتلقّى المجرم عقابه، أو تثلج صدور الأهالي، أو تُرفع أسقف المنازل والمنشآت المدمَّرة.

وفيما يحاول أهالي الضَّحايا حتَّى اللحظة استيعاب الفاجعة التي أعادت الأذهان إلى انفجار هيروشيما النّوويّ، ما يزال الغطاء ثابتاً فوق الجريمة المروعة، يستر كل من اشتركوا في المجزرة، إلَّا الرعب والقلق من مستقبل في بلدٍ يقتل أبناءه.

ويسعى أهالي الضَّحايا إلى تبديد هذا الخوف وهم في نفق مظلم، على أمل أن يُحقَّ الحقّ وتعلو العدالة بكلمتها. يخفقون تارة وينجحون تارة أخرى، لكنَّهم يريدون الحقيقة سريعاً، وهي لا تكاد تخطو خطوتين حتَّى تتعثّر، في دائرة المصالح المعقّدة المتشابكة داخليّاً وخارجيّاً، وحصانات الأمر الواقع.

إعادة الإعمار... لا شيء عاد بعد!

كارثة بحجم كارثة تفجير مرفأ بيروت، كانت لتكون كافية لزلزلة الأرض تحت كراسي المسؤولين في البلاد، أمَّا في لبنان فيسير الأمر على نحو مختلف وفي طريق آخر.

فالإعمار الَّذي ينتظره المتضرّرون من التَّفجير لم يقع حتَّى اللحظة. ولا يبدو أنَّ العمليّة المرجوّة ستكون قريبة.

الكاتب والباحث السّياسي أسعد بشارة يصف الوضع بـ"من سيئ إلى أسوأ". وفي حديث مع وكالتنا، قال بشارة إن "إعادة الإعمار كان يجب أن تبدأ منذ إعادة إعمار المرفأ نفسه الذي دُمّر، المعلم الأبرز على شرق البحر المتوسط".

الأفق إذاً مسدود على كل ما يصبّ في صالح المواطنين بهذه القضيَّة، حتَّى ولو كان بإعادة الحجارة إلى مكانها، وإصلاح الجمادات الّذي لن يعوض أولئك عن أبنائهم وكلّ غالٍ عليهم سرقته منهم جريمة التَّفجير.

مبادرات كثيرة طرحت للمشاركة في إعادة الإعمار منذ وقوع التَّفجير، مبادرات فرنسية وألمانيّة وروسية وغيرها... إضافة إلى وعود من الاتّحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لكنَّ الموقف الرَّسميّ اللبنانيّ يلتزم الصّمت في ظلّ استمرار الأزمة السّياسيّة الدَّاخليّة، واتّساع حجم الضّائقة الاقتصاديّة وذهاب الدَّين العام إلى ما يزيد على مئة وسبعين في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

واقع يفسّر صعوبة السّير في عمليّة الإعمار الّتي تكلف بين ستة إلى عشرة مليارات دولار، مع استبعاد تقديم قروض للبنان تغطي هذا الرَّقم الكبير. ما ينذر ببقاء حالة الشّلل التَّام في قضيّة الإعمار إلى عام آخر على الجريمة.

وهكذا يبقى ثلاثمئة ألف مشرّد فقدوا منازلهم جرّاء التّفجير خارج منازلهم، فيما لا تزال خمسة وثمانون ألف وحدة بينها منازل ومكاتب قيد الانتظار على قائمة الإعمار البعيد. فيما يغرق مرفأ بيروت في عجزٍ السَّاسة عن إعادة بنائه وتأهيل الأقسام المدمّرة فيه لا سيّما البنى التَّحتيّة.

الحصانة حجر عثرة

لا شيء فوق القانون، إلَّا الحصانة، فإنَّها فوق كلّ شيء وفوق دماء الضَّحايا. فبعد مرور عام على تفجير الرابع من آب، لم تُسجَّل أيّ صحوةٍ أخلاقيَّة أو إنسانيَّة أو سياسيَّة، تدفع باتجاه المثول أمام قضاء نزيه بكلّ نزاهة.

في بازار الاقتتال السّياسيّ والحزبيّة الواسعة، تضيع حقوق اللبنانيين، وبخاصّة ضحايا التَّفجير، وتباع بلا ثمن. خطوط حمراء كثيرة تتجاوز الخطّ الأحمر الأهمّ وهو العدالة، خطوطٌ رسمها المسؤولون في لبنان، بحبرٍ خارجيّ في كثيرٍ من الأحيان، أمام المحقّق العدلي طارق البيطار.

"طارق البيطار يقوم بعملٍ جيّدٍ لكنَّ ذلك غير كافٍ" يقول الكاتب والباحث السّياسي أسعد بشارة، مضيفاً: "مسار العدالة طويل، وقد بدأ أركان المنظومة السّياسيَّة في لبنان محاولاتهم لخنق التَّحقيق في مهده، ومنع المحقّق العدليّ من الانتقال إلى مراحل أخرى في التَّحقيق، عبر سياسة منع رفع الحصانة وتقاذف الاتّهامات. وهذا أمرٌ متوقّعٌ وغير مفاجئ أبداً".

ويتابع بشارة حديثه لوكالتنا: "المتورّطون كثر من داخل لبنان وخارجه، والمحاسبة يجب أن تطال من أدخل نترات الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، ومن حفظه، ومن سكت على وجوده، ومن تواطأ في ذلك، وصولًا إلى معرفة كيف تمّ تهريب قسم كبير منه وإلى أي جهة ومن الّذي استخدمه".

واستنكر بشارة "كيف توضع النترات في المرفأ بعلم المسؤولين كافَّةً من غير أن يتّخذوا أي إجراء، إلى أن وقع الانفجار المرعب الَّذي دمَّر ثلث العاصمة اللّبنانيَّة".

دمَّر ثلث العاصمة على الرَّغم من أنّ كمية نترات الأمونيوم التي انفجرت لم تكن أكثر 20 في المئة من الشحنة الأصلية البالغة 2754 طنًّا، وهو فيما يذكّي الشكوك حول فقد كمية كبيرة منها قبل الانفجار. وفقاً لما ورد عن مكتب التَّحقيقات الاتّحادي الأميركي.

حقيقة تؤكد مجدَّداً ضرورة رفع الحصانة عن مسؤولين أمنيين وسّياسيين طالتهم الشّبهات، استكمالاً لإجراءات المحقّق العدلي الّذي أكّد أكثر من مرَة أّنَّه ماضٍ في طريقه دون رجعة.

وتؤكد مصادر قضائيَّة أن الشَّوط الأطول من التَّحقيق قد قُطع، إلَّا أنَّ الحصانات والأذونات السياسيَّة تعرقل استدعاء نوّاب ووزراء سابقين ورؤساء أجهزة أمنيَّة وعسكريَّة كانوا على علمٍ بتخزين النترات بكميّات هائلة في المرفأ، ولم يحركوا ساكناً لمنع المصيبة الَّتي كان المنطق يقرّ أنَّها ستقع حتماً.

وتضيف مصادر قضائية أخرى أنَّ المحقق العدلي طارق بيطار أنجز بامتيازٍ ما يزيد على 75 في المئة من مراحل التّحقيق السري، ليصير التَّصوّر الأقرب لحقيقة ما جرى شبه جاهز أمامه، معرباً عن أمله بالكشف عن نتائج تحقيقه قبل نهاية العام الجاري.

حراك شعبي تحت السكوت الرسميّ

يؤكّد الكاتب والباحث السّياسي أسعد بشارة أنَّ "الرَّابع من آب هو يوم تحرّكٍ شامل في جميع الأراضي اللبنانيَّة". ويحذَر من أنَّ "السّلطة بدأت تروّج منذ الآن لاتّهام التّحرك بإثارة الفوضى في البلاد، وذلك سعياً لإجهاضه والقضاء عليه".

ويضيف بشارة: "نحن نتحدَّث عن أنَّ الذّكرى السّنويّة الأولى لتفجير المرفأ ستستمرّ وسط فراغٍ سياسيّ قاتل جرّاء غياب الحكومة، ومحاولات المنظومة للاحتفاظ بالسّلطة والاستئثار بها حتّى آخر لبنانيّ".

هذا تماماً ما يدركه أهالي الضّحايا والمتضرّرين من التّفجير، يدركون أن المنظومة السّياسيّة والأمنيَّة الفاسدة في لبنان قدّمت وتقدّم مصالحها الشّخصيّة والحزبيّة وولاءتها الخارجيّة على حساب المواطنين ودمائهم وأرواحهم.

اعتقادٌ راسخٌ يعطي الحراك دفعاً قويًّا للصّمود في وجه محاولات التملّص من المسؤوليّات تجاه المجزرة الأروع في تاريخ لبنان، بأيدي السّلطة الحاكمة نفسها، بإهمالٍ أو عمدٍ لا يهمّ فالنّتيجة المؤسفة واحدة: أكثر من 214 ضحيَّة، وأكثر من 6500 جريح، كذلك شرّد الانفجار 300 ألف شخص، لفترة مؤقتة، وخسر بسببه 70 ألفاً وظائفهم، كلهم قدَّمتهم السلطة قرباناً على مذبح المصالح الشَّخصيّة، والخوف كلّ الخوف أن تحلّ الذكرى الثّانية للتّفجير، والحال هو هو كيوم جثمت السّحب على قلب المدينة المنكوبة.

350 مليون دولار للبنان

وتزامناً مع الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت، أعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان، أن "المؤتمر الدولي الذي تنظمه فرنسا والأمم المتحدة الأربعاء دعماً للبنان، يهدف إلى جمع 350 مليون دولار للاستجابة لحاجات السكان".

وأشارت إلى أنه "مع تدهور الوضع تقدر الأمم المتحدة بأكثر من 350 مليون دولار، الحاجات الجديدة التي يتعين الاستجابة لها".

(ح)

ANHA