باحث عراقي عن الانتخابات والمحاصصة والوجود الأجنبي: الفاتورة من الدم العراقي

أكد الكاتب والباحث السياسي العراقي نظير الكندوري، أن الانتخابات القادمة إذا لم تؤجّل لن تحمل أي تغييرات جدية في هيكلية النظام الحالي القائم على المحاصصة الطائفية والقومية والحزبية، ورأى أن الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن لن ينتهي بانسحاب القوات الأميركية بشكل كامل، متوقعًا حدوث تصعيد بين القوات الموالية لإيران والقوات الأميركية في العراق.

باحث عراقي عن الانتخابات والمحاصصة والوجود الأجنبي: الفاتورة من الدم العراقي
الإثنين 26 تموز, 2021   04:00
مركز الأخبار- يحيى الحبيب

يقترب موعد الانتخابات العراقية المبكرة المقرر إجراؤها في 10 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، إلا أن الانسحابات من المشاركة في هذه الانتخابات بدأت مبكرة أيضًا.

وأعلن زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر والحزب الشيوعي الانسحاب من الانتخابات البرلمانية ما يضع المشهد السياسي العراقي أمام معادلة جديدة قد تدفع إلى تأجيل الانتخابات.

وجاء إعلان الصدر بعد موجة غضب شعبية حادة ضد مختلف القوى السياسية الشيعية عقب فاجعة مستشفى الحسين في مدينة الناصرية، جنوب العراق، والتي راح ضحيتها العشرات جراء حريق تشير التحقيقات الأولية إلى أن الفساد والإهمال يقفان وراءه.

وفي ظل هذه الظروف السياسية والاجتماعية المعقدة، توجه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى واشنطن، آملاً في الحصول على موعد رسمي لجدول زمني للانسحاب الأميركي من البلاد، حيث قال مراقبون إن الكاظمي سيبدأ حملته الانتخابية من واشنطن.

بدوره، أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين الذي وصل واشنطن قبل أيام للتحضير للزيارة، أن المحادثات ستفضي بالفعل إلى تحديد جدول زمني. لكن وسائل إعلام أميركية أشارت إلى أن الانسحاب سيكون في الواقع إعادة تحديد لمهام القوات الموجودة في العراق البالغ عددها 2500 عسكري يتمركزون في قواعد عراقية، وهم رسميًّا ليسوا بقوات قتالية بل "مستشارون" و"مدربون"، بحلول نهاية العام.

وتعد مشكلة الطائفية في العراق من سمات العملية السياسية العراقية بعد الغزو الأميركي عام 2003.

وحول ذلك أجرت وكالتنا حوارًا مع الكاتب والباحث السياسي العراقي نظير الكندوري، وجاء نص الحوار كالتالي:

*مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية، هل هناك تغير في الخريطة السياسية العراقية؟

الخريطة السياسية الحالية، قد تم الاتفاق عليها من قبل الكتل السياسية المسيطرة على المشهد العراقي، أن تبقى دون تغيير ما دام النظام الحالي باقٍ دون تغيير، ولن تؤثر عليه إجراء الانتخابات أو عدمها. لكن ربما سوف تزيد حظوظ الواجهات السياسية للمليشيات في البرلمان القادم، في حال تم إجراء الانتخابات القادمة في موعدها المحدد.

*هل تحمل هذه الانتخابات جديدًا أم أنها مبنية على المحاصصة الطائفية والقومية كما في السابق؟

لن تحمل الانتخابات القادمة أي تغييرات جدية في هيكلية النظام الحالي القائم على المحاصصة الطائفية والقومية والحزبية، فجميع الكتل السياسية الحالية متفقة -رغم اختلافاتها- على إبقاء حصص الأحزاب الشيعية والكردية والسنية كما هي، وعدم فسح المجال لأي حزب ذو توجه وطني عراقي بالتقدم في هذا السباق الانتخابي، وحصر التنافس بين الأحزاب داخل كل مكون، فالأحزاب الشيعية تتنافس مع نظرياتها الشيعية، والأحزاب الكردية تتنافس مع نظيراتها الكردية، والأمر ينطبق كذلك على الأحزاب السنية.

ويبقى مفهوم المواطنة العراقية غائبًا عن المشهد العراقي، ما لم يحدث تغيير في بنية النظام الحالي واقتلاعه من جذوره كما تود الجماهير العراقية.

*أعلن التيار الصدري وغيره انسحابه من الانتخابات، ما هي الأسباب التي دفعته إلى ذلك وهل سيؤثر على مسار الانتخابات والوضع السياسي العراقي بشكل عام؟

فيما يتعلق بانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية، في اعتقادنا إنها مناورة منه لامتصاص زخم الهجمة المسلطة عليه حاليًّا من منافسيه بالأحزاب والمليشيات الشيعية الأخرى، حيث إن تلك الأحزاب تشن على التيار الصدري حملة تسقيط كبرى بسبب رغبة التيار الصدري بالفوز برئاسة الوزراء، كما أن فقدان التيار الصدري لجزء كبير من شعبيته بسبب موقفه من ثورة تشرين الشبابية، جعله يفكر بالابتعاد عن العملية السياسية بشكل مؤقت حتى يسترجع جزء من خسارته الشعبية، أو لأنه يحضر نفسه لمنازلة وشيكة مع منافسيه ربما تتطور إلى صدامات في الشوارع والاحتكام إلى السلاح لحل مشاكلهم السياسية.

وفيما يتعلق بباقي الكتل التي انسحبت مثل الأحزاب الصغيرة المحسوبة على ثورة تشرين، بالإضافة إلى انسحاب الحزب الشيوعي العراقي من الانتخابات، نعتقد أن مرد ذلك يعود إلى أن هذه الأحزاب أصبحت على يقين بأن الميليشيات والأحزاب الموالية لإيران سوف لن تفسح لها المجال في التنافس الانتخابي النزيه في الانتخابات القادمة، وأن النتائج سوف تحسم لصالح الأحزاب الولائية وإبعاد هذه الأحزاب، الأمر الذي جعلها تتخذ هذا الموقف لزيادة رصيدها الشعبي، والضغط على الأحزاب والميليشيات الولائية لتغيير موقفها.

وبالتأكيد أن سلسلة الانسحابات من خوض الانتخابات القادمة سوف يؤثر بشدة على شرعيتها وحتى على إقامتها، فليس مستغربًا إذا ما قرر البرلمان العراقي تأجيل الانتخابات النيابية إلى العام القادم، الأمر الذي يمهد للمزيد من الاحتقان بين الأطراف المتنافسة وإلى المزيد من الانفلات الأمني الذي سيدفع المواطن العراقي ضريبته.

*سبقت هذه الانتخابات تظاهرات أنتجت ما تسمى ثورة تشرين العراقية، هل سيكون لذلك تأثير على الانتخابات والعملية السياسية العراقية؟

لقد كانت لتظاهرات تشرين والتي تحولت إلى ثورة بكل المقاييس، تأثيرًا كبيرًا على النظام السياسي الحاكم في العراق، وتأثيرًا كبيرًا أيضًا على مستوى تفكير الشعب العراقي بنخبه وشبابه الثائر، فقد شكلت هذه الثورة هزة للنظام وجعلته يتخبط في قراراته وعرَّته أمام العالم وأظهرته بأنه نظام قمعي يعتمد في بقائه بالسلطة على الميليشيات المسلحة لتصفية معارضيه، أما على صعيد التغيير الفكري، فقد نجحت ثورة تشرين ولأول مرة بعد الاحتلال عام 2003، أن تُقبر الطائفية، وتعيد الانتماء للهوية العراقية الجامعة، ورفعت شعاراتها الوطنية البعيدة عن الانتماءات الفرعية، وبدأ هذا الوعي الجماهيري يقف حجر عثرة أمام كل المشاريع الإيرانية ومشاريع الأحزاب والميليشيات الموالية لها والتي تستهدف العراق، وجعل مهمة إيران في العراق عسيرة.

وبالتالي، فإن تظاهرات تشرين، هي المسؤولة عن العزوف الشعبي عن المشاركة في الانتخابات القادمة، وهي المسؤولة عن تقويض النظام السياسي الحالي الآيل للسقوط، وهي المسؤولة عن فقدان كتل سياسية كبيرة لشعبيتها الجماهيرية وأصبحت منبوذة من قبل الشعب العراقي.

*سبق ذلك أحداث أمنية واغتيالات وتصعيد بين أمريكا وإيران، هل ذلك مرتبط بالتحضير للانتخابات؟ وإذا لم يكن مرتبطًا هل يمكن أن تحدث هذه الانتخابات في ظل هذه الأجواء المتوترة؟

ما يحدث من خروقات أمنية واغتيالات بحق الناشطين ومن تفجيرات وحرائق بحق عامة العراقيين، يندرج ضمن المنافسة الطبيعية بين هذه الكتل السياسية التي تعتقد أن هذه الممارسات هي من ضمن التنافس الانتخابي، على عكس ما يحدث في العالم، حينما تتنافس الأحزاب في برامجها الانتخابية وما تعد به الشعب من إصلاحات ومشاريع سوف تقوم بتحقيقها في حال فوزها.

 أما التصعيد العسكري بين أميركا وإيران، فهو يدخل ضمن مجال آخر لا علاقة له بالانتخابات، إنما يتعلق بالمفاوضات الجارية في جنيف بين الجانبين، ومحاولة كل طرف تعزيز مواقفه التفاوضية، ولكن من خلال الاستفادة من الدم العراقي الرخيص على الطرفين.

وبالتالي فإن مجموع هذه الفوضى الأمنية على اختلاف أشكالها، لا يجعل فرص إجراء الانتخابات متاحة، ولا توجد ضمانة لإجراء انتخابات نزيهة تستطيع أن تفرز طبقة سياسية تمثل الشعب العراقي بشكل حقيقي.

*تعقد الولايات المتحدة والعراق جولة جديدة من الحوار الاستراتيجي، ما هو جديد هذه الجولة؟ وهل تتحضر واشنطن للانسحاب من العراق؟ وفي ضوء ما سبق إلى أين تتجه البلاد؟

من المتوقع أن يكون موضوع الوجود العسكري الأميركي في العراق، هي أبرز الملفات التي سيتم تداولها في الحوار الاستراتيجي الحالي في واشنطن، ورغم أنه لا يزال هناك حوالي 3500 جندي أجنبي على الأراضي العراقيّة بينهم 2500 أميركي، لكن المتوقع إن إتمام عملية انسحابهم قد تستغرق سنوات.

من ناحية أخرى أكدت صحف أميركية عن مصادر من البنتاغون والبيت الأبيض، إنها لا تستبعد إمكانية أن تحافظ الولايات المتحدة على وجودها العسكري في العراق على المستوى الحالي، وفي الوقت ذاته، أكد مصدر من الوفد العراقي المفاوض لموقع روسيا اليوم، بأن الوفد لم يتفق حتى الآن على انسحاب كامل للقوات الأميركية من البلاد.

والأرجح حسب رؤيتنا، أن الولايات المتحدة ليست بصدد سحب العدد القليل من قواتها الموجودة في العراق، بل إنها ستبقيهم مع تقديم الوعود بسحبهم في حال لم يعد يشكل تنظيم داعش تهديد جدي على الدولة العراقية.

وعلى هذه المعطيات، فإن الوضع العراقي ربما يتجه إلى التصعيد بين الميليشيات الولائية المدعومة من إيران وبين القوات الأميركية ومصالحها في العراق، في ظل المماطلة الأميركية بسحب قواتها من العراق، وسيكون الدم العراقي هو الفاتورة التي سيدفعها العراق نتيجة هذا الصراع المحتدم بين طهران وواشنطن.

(ح)

ANHA