ما الذي ينتظر أفغانستان بعد الانسحاب الأجنبي؟

بعد 20 سنة من التدخل الأميركي وقبلها 10 سنوات من التدخل الروسي بأفغانستان، ما الذي حققه التدخل الأجنبي بهذا البلد؟ ورغم أن الانسحاب الأميركي قد يفتح باباً للأمل في إنهاء الحرب، لكن المخاوف تتصاعد من عودة طالبان لحكم أفغانستان.

ما الذي ينتظر أفغانستان بعد الانسحاب الأجنبي؟
الخميس 1 تموز, 2021   02:00
بيروت – زياد أبو غزالة

قبل شهرين ونيف من اكتمال الانسحاب الأميركي المرتقب من أفغانستان في 11 أيلول/ سبتمبر المقبل، تتقدم حركة "طالبان" في المحافظات الأفغانية بشكل سريع يفاجئ حتى قادتها أنفسهم. ذلك أن الحركة سيطرت منذ بداية أيار/مايو الماضي على 69 مقاطعة جديدة في أفغانستان (من أصل 407)، إذ تنهار القوات الحكومية وتفر من أمامها غالباً من دون قتال ومع تسليم عتادها وآلياتها الأميركية الصنع إلى "طالبان".

بعض القوات والمسؤولين الحكوميين يفاوض الحركة قبل تسليمها، والآخر يفر من مواقعه، وباتت المقاطعات الخارجة عن سيطرتها في حدود 170 فقط، وهي مرشحة بدورها للسقوط، سيما البشتونية منها، في أيدي حركة "طالبان".

في مزار شريف، ظهرت الميليشيات الأفغانية بفرعيها الطاجيكي والهزارة الشيعية التي تضم بعض المقاتلين العائدين من سورية (بقايا لواء فاطميون)، وهذه العودة للميليشيات وقادتها مثل الجنرالين عطا الطاجيكي ومحمد محقق من الهزارة (حزب الوحدة الشيعي)، يفتح بوابة النزاع بأبعاده الإقليمية في أفغانستان، من دون استبعاد انعكاسه على المنطقة العربية بأسرها.

'دور إيراني وتركي بعد الانسحاب'

إيران، ومن خلال علاقتها مع الميليشيات الطاجيكية والهزارة (ومن ضمنهم الميليشيات الشيعية)، لن تترك دولة مجاورة تنزلق منزلقاً معادياً لها، والميليشيات الموالية لإيران في العراق، تلعب دوراً في ديمومة الوضع الحالي في العراق، ومنع نشوء واقع سياسي مستقل عن النفوذ الإيراني، وبالتالي، قد نرى دوراً إيرانياً أوسع في أفغانستان بعد أيلول/ سبتمبر المقبل، وقد يستدعي ذلك عملاً لبعض أدوات إيران (وربما تركيا أيضاً)، تماماً كما حصل في سورية.

القوى الإقليمية باتت تعيد تدوير مقاتليها العراقيين والسوريين واللبنانيين والأفغان بحسب الحاجة في ساحات المعركة. ومثل هذا الدور الإيراني، لا بد أن يستدعي مواجهة إقليمية أوسع على الساحة الأفغانية المستجدة.

صحيح أن هناك تفاهماً بين باكستان وإيران وتركيا، منها اللقاء الأخير لوزراء خارجية هذه الدول، لكن من الواضح أيضاً أن لكل من هذه الدول مصالح متناقضة لا تتيح تفاهماً شاملاً.

لباكستان علاقات عميقة مع الدول العربية المهتمة باحتواء النفوذ الإيراني، ومثل هذا الدور المستجد لإسلام أباد يفتح باباً لتعاون أوسع في مواجهة طهران وميليشياتها في أفغانستان. والمخابرات الباكستانية هي الأقوى نفوذاً في أفغانستان وتحديداً في صفوف حركة "طالبان".

أما بالنسبة لتركيا، فهي ترغب في مد نفوذها في آسيا الوسطى من بوابة أفغانستان لإحياء ما تسميه القومية التركية –أصل الأتراك من آسيا الوسطى- بالإضافة إلى أن أردوغان تربطه علاقات وثيقة مع التنظيمات الإسلامية المتشددة والإخوان المسلمين، ودعمتهم بشكل واضح أثناء ربيع الشعوب في الدول العربية، واستخدامه لهم في احتلال الأراضي السورية والتدخل في ليبيا وحرب قره باغ ضد أرمينيا.

علاوة عن أن تركيا هي أفضل حليف لأميركا وإسرائيل في محاصرة روسيا وإيران ومزاحمة نفوذهما سواء في العراق أو سوريا أو حتى أفغانستان، والتموضع على حدودهما كما حصل في أذربيجان. ومن هنا جاء تقارب أردوغان مع باكستان بدايةً ومع أفغانستان الآن في إطار الصّراع على قمّة التّبعيّة للولايات المتّحدة.

وهناك هدف آخر لتركيا من التموضع هناك، وهو الاستفادة من الاتحاد الأوروبي للسيطرة على تدفق المهاجرين، وبالتالي الحصول على الأموال من الاتحاد الأوروبي لتحسين الوضع الاقتصادي المنهار والذي يؤثر على شعبية أردوغان.

ووفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، راجعت الاستخبارات الأميركية تقويماتها السابقة، وهي متفائلة في طبيعتها، وباتت ترى أن الحكومة الأفغانية قادرة على الاستمرار 6 أشهر فقط بعد الانسحاب الأميركي في 11 أيلول/ سبتمبر المقبل، أي أنها ستنهار في مطلع الربيع المقبل. كان التقويم السابق يتوقع صمود حكومة الرئيس أشرف غاني لفترة سنتين، تماماً كما حصل في سايغون (فيتنام) بعد الانسحاب الأميركي، لكن الاستخبارات الآن ترى أن الانهيار هو مسألة أشهر فحسب، وهذا سيفتح الباب أمام مواجهة إقليمية جديدة في منطقة لا تعرف الهدوء، وتنقب فيها القوى الصاعدة بلا كلل عن ثغرات، بحثاً عن أدوار ونفوذ.

'تكرار لما حدث بعد الانسحاب السوفياتي'

وفيما ينتظر كثيرون انسحاب القوات الأميركية نهائياً من أفغانستان من أجل إنهاء الحرب، لكنّ آخرين يخشون عودة حركة طالبان إلى الحكم، وبعد نزاع استمرّ عقدين من الزمن، لا تزال تساؤلات كثيرة مطروحة حول مستقبل أفغانستان، البلد الممزق جراء أعمال العنف.

وفي غياب اتفاق لوقف إطلاق نار مستدام بين طالبان والحكومة، يعتقد عدد كبير من المحللين والمسؤولين السياسيين والمواطنين العاديين أن البلاد ليست بمنأى عن حرب أهلية جديدة، كتلك التي تلت الانسحاب السوفياتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

ويرى الخبير المستقل نيشانك موتواني في حديث مع وكالة "فرانس برس" أن "الحرب ستتكثّف، ستصبح أكثر قذارةً وستتواصل إلى حين استعادة طالبان الحكم في ما سيتبقى من كابول".

واعترف رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال "مارك ميلي" هذا الأسبوع بوجود عدد من النتائج المحتملة من بينها في أسوأ الحالات "انهيار الحكومة الأفغانية والجيش الأفغاني واندلاع حرب أهلية تصاحبها كارثة إنسانية، مع عودة محتملة للقاعدة".

ويعتبر المحلل في مجموعة الأزمات الدولية "أندرو واتكنز" أنه "من الواضح أن الطرفين (طالبان والحكومة الأفغانية) حافظاً على القليل جداً من الأسباب للذهاب نحو تسوية في المفاوضات وجهود السلام هي في الواقع في مأزق".

'القوات الأفغانية على المحك'

وبحسب السلطات الأفغانية، فإن 350 ألف جندي وشرطي ينفّذون اليوم 98 % من العمليات ضد طالبان. لكن الأميركيين يواصلون توفير الدعم الجوي الأساسي. وقد يكون تصميم القوات الأفغانية على المحكّ من دون هذا الدعم الجوّي، ويرى المحلل السياسي فؤاد كوشي أن القوات الحكومية "ستنجو طالما أنها مدفوعة الأجر".

وتسيطر طالبان أو تدّعي أنها تسيطر على أكثر من نصف الأراضي الأفغانية، وخصوصاً على قسم كبير من الأرياف والطرق الاستراتيجية؛ إلا أنها لم تبسط يوماً سيطرتها على مدن كبيرة أو على الأقل لم تفعل ذلك لوقت طويل أبداً. لكنها تواصل بثّ الرعب في نفوس سكان المدن الكبيرة التي تتعرض بشكل شبه يومي لتفجيرات واغتيالات موجّهة.

بعد 20 عاماً.. مَنْ المنتصر؟

تغادر القوات الأميركية والبريطانية أفغانستان بعد 20 عاماً من وجودها العسكري في ذلك البلد، لكن الأفغان أنفسهم هم الذين تحملوا العبء الأكبر من حيث الضحايا، حيث قُتل أكثر من 60 ألفاً من أفراد قوات الأمن ونحو ضعف هذا العدد من المدنيين.

في المقابل تمكنت "القاعدة" من الاستمرار في النشاط والإفلات من العقاب في أفغانستان، لأنها كانت محمية من قبل الحكومة الأفغانية في ذلك الوقت، وهي حكومة حركة طالبان، التي سيطرت على البلاد بأكملها عام 1996 بعد انسحاب الجيش الأحمر السوفيتي وبعد عدة سنوات من الحرب الأهلية المدمرة.

وقد حاولت الولايات المتحدة عبر حلفائها السعوديين إقناع طالبان بطرد القاعدة، لكن الحركة رفضت، وبعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول من العام 2001 طلب المجتمع الدولي من طالبان تسليم المسؤولين عن تلك الهجمات، ولكن مرة أخرى رفضت طالبان.

لذلك تقدمت في الشهر التالي قوة أفغانية مناهضة لطالبان تُعرف باسم التحالف الشمالي صوب كابول، بدعم من القوات الأميركية والبريطانية، مما أدى إلى خروج طالبان من السلطة ودفع تنظيم القاعدة للفرار عبر الحدود إلى باكستان.

فبعد مرور 20 عاماً ما زالت البلاد لا تنعم بالسلام، وبحسب مجموعة البحث في العنف المسلح فقد شهد عام 2020 مقتل عدد من الأفغان بالعبوات الناسفة أكثر من أي دولة أخرى في العالم، ولم يختفِ من هناك بعد تنظيم "القاعدة" وداعش والجماعات المسلحة الأخرى فهي تنشط من جديد ويشجعها بلا شك الرحيل الوشيك لآخر القوات الغربية المتبقية.

'حقوق المرأة بعد الانسحاب'

في عهدها، جرّدت حركة طالبان النساء من معظم حقوقهنّ، فمنعت الفتيات من الذهاب إلى المدرسة وذهبت إلى حدّ رجم النساء المتهمات بالزنا، ومنذ عام 2001، بدأت أقلية من النساء تدخل مجال العمل وأصبح بعضهنّ نائبات ووزيرات وصحافيات وحتى قاضيات.

وتكرر طالبان قولها إنها تحترم الحقوق الممنوحة إلى النساء بحسب الشريعة الإسلامية، وتوضح مديرة مركز أبحاث دروبس الأفغاني مريم صافي أنه "عندما يقولون إنهم سيحمون حقوق النساء، فهذا سيكون حسب تفسيرهم للشريعة"، وتعتبر مريم صافي أن "هذا التفسير لحقوق النساء لن يكون مختلفاً عن تجربتنا السابقة لنظام طالبان".

وأفغانستان هي إحدى الدول الأشدّ فقراً في العالم، وتعتمد بشكل كامل على المساعدات الأجنبية. لكن البلاد تملك احتياطيات معدنية يثير استخراجها اهتمام الدول المجاورة، خصوصاً الصين والهند. إلا أن الوضع الأمني يمنع دولة ثالثة من استغلالها.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر، وعدت الجهات المانحة الدولية بتقديم مساعدة مالية لأفغانستان حتى العام 2024. إلا أن لا شيء يضمن عدم تغيير رأيها بعد انسحاب القوات الأجنبية.

(ح)

ANHA