المؤرخ أولوغانا لعائلة البرزاني: إن الشعب الكردي أكبر من الحزب الديمقراطي

قال المؤرخ الدكتور سدات أولوغانا إن الدولة التركية التي تنتهج العقلية الكمالية وبدأت بتنفيذ مشروع إبادة الشعب الكردي، ونوه أولوغانا إلى ضرورة أن يدرك أفراد عائلة البرزاني الذين يقفون إلى جانب الدولة التركية أن الشعب الكردي أكبر من الحزب الديمقراطي الكردستاني.

المؤرخ أولوغانا لعائلة البرزاني: إن الشعب الكردي أكبر من الحزب الديمقراطي
الثلاثاء 29 حزيران, 2021   05:03
مركز الأخبار

يواصل جيش الاحتلال التركي هجماته ضد مناطق جنوب كردستان بهدف إبادة الشعب الكردي، حيث أنشأت الدولة التركية في الإقليم نحو 70 قاعدة عسكرية تركية، بالإضافة إلى نشر أكثر من 30 ألف جندي. كما أقدمت على إخلاء نحو 600 قرية وتستهدف المدنيين خلال هجماتها.

وللحديث حول التاريخ السياسي لهجمات الإبادة التي تشنها الدولة التركية ضد الشعب الكردي أجرت وكالتنا لقاء مع المؤرخ والأكاديمي في كلية الدراسات المتقدمة في العلوم الاجتماعية في باريس الدكتور سدات أولوغانا.

*إذا نظرنا إلى هجمات الدولة التركية على جنوب كردستان من الناحية التاريخية، كيف يمكن أن نحلل هذه الهجمات؟

مع بدء انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، تشكلت العديد من الدول العربية تحت انتداب الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي، وحكم الإنكليز والفرنسيون المنطقة قرابة 50 عاماً، وما زالت هناك في المنطقة حالات مناهضة لهذا الواقع الاستعماري.

وعندما دخل مصطفى كمال إلى كردستان، وبشكل خاص عندما بدأ أولى جولاته في أرزروم، تمكن من استمالة بعض الآغاوات والشيوخ الكرد من الطريقة النقشبندية إلى جانبه مقابل امتيازات مالية. الدولة التركية ما زالت تروج في إعلامها لمقولة "الحرب ضد سبع دول من أجل الدفاع عن أرضنا"، ولكن لم تنشب مثل هذه الحرب أبداً، بل بالعكس تعرضت ثلاثة شعوب للإبادة داخل حدود الإمبراطورية العثمانية، وهم الأرمن واليونان والكرد.

'الدولة التركية تؤسس سياساتها الخارجية من خلال الهجمات الاستعمارية'

يتم تجديد هذه السياسة من قبل حزب العدالة والتنمية. وقد استخدم زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو عام 2010 مقولة "العمق الاستراتيجي"، وبهذه المقولة أشار إلى أنهم يسعون إلى احتلال روج آفا ومناطق شمال وشرق سوريا، وهذه الفكرة كانت فكرة تورغوت أوزال عام 1990. طبعاً حزب العدالة والتنمية تلقف هذه الفكرة. كما أن الجبهة المحافظة في تركيا قائمة على هذه الفكرة، وحزب العدالة والتنمية يقوم اليوم بإعادة ترتيب سياساته بناء على هذا المشروع السياسي.

*ما هي المخاطر التي شكلتها هجمات الدولة التركية المحتلة ضد كردستان وضد الشعب الكردي تاريخياً؟

الدولة التركية تنفذ هجمات إبادة ضد الشعب الكردي ضمن حدودها الحالية، وكما حدث خلال حكم الإمبراطورية العثمانية فإن الدولة التركية تنفذ إبادة جماعية على المستوى الإقليمي. العقلية الكمالية ارتكبت مجزرة جماعية في زيلان، وهي تواصل مجازرها بشكل تدريجي، فعلى سبيل المثال كانت هناك مجزرة في ديرسم، ولكنهم كانوا يستبعدون كلاً من آل عزيز وأرزنجان من هذه المجازر. العقلية الكمالية ترتكب إبادات جزئية، واليوم أيضاً هناك حرب ضد الشعب الكردي، ومما لا شك فيه أنه يواجه مخاطر إبادة حقيقية.

'الدول الكبرى غيّرت من أساليبها القديمة في الإبادة'

بعد الحرب العالمية الثانية تغيّرت أشكال تنفيذ الإبادات الجماعية. فقبل أعوام الأربعينات ارتكبت الدول الكبرى مجازر جماعية. حيث قتل الملايين من البشر خلال مجازر الهولوكوست، ولكن فيما بعد وبعد أن أزيلت الحدود، ونظراً للتطور التقني، وانتشار وتطور وسائل الإعلام، لم يعد بمقدور الأنظمة المستبدة في العالم ارتكاب مجازر جماعية؛ إلا أنها اتبعت سياسة التفكيك.

الدولة التركية اليوم تعتبر الكرد السياسيين بمثابة إرهابيين يجب القضاء عليهم، وهذا ما يتعرض له حزب الشعوب الديمقراطي وباقي الحركات الأخرى.

*الدولة التركية تسعى إلى السيطرة على كامل جنوب كردستان، ما هي الخلفية التاريخية لهذه المساعي؟

الحزب الديمقراطي الكردستاني حزب كردي لكنه يفتقد إلى العقلية الكردستانية، والعقلية السائدة على الحزب هي العقلية العشائرية. والكردية العشائرية أصبحت من مخلفات القرن العشرين، والتوجهات العشائرية أصبحت ظاهرة تعيق وتحد من تطورنا، ومن تطور العقلية القومية المستقلة. وهذه العائلة ما زالت تستند إلى تلك العقلية، ولكن في المقابل فإن الشعب الكردي في جنوب كردستان يفكر بكردستان. إلا أن هذه العقلية العشائرية كانت على الدوام إلى جانب الدولة التركية، لأنها قائمة على أساس حماية مصالحها الخاصة.

الحقيقة أن العائلة البرزانية تدرك حقيقة الدولة التركية بشكل جيد. فقد تم إعدام جدهم عبد السلام البرزاني في الـ 14 من شهر كانون الثاني عام 1914 في سوق مدينة الموصل على يد سليمان نافذ، ولكي تبقى ذكرى سليمان نافذ حية، فقد تم في عهد سلطة حزب العدالة والتنمية إطلاق اسم سليمان نافذ على العشرات من الأماكن في كل من إسطنبول وأنقرة، ولكن حالياً فإن لدى عائلة البرزاني وبشكل خاص مسرور البرزاني علاقات اقتصادية قوية جداً مع الدولة التركية، وهذا الأمر حوّل جنوب كردستان إلى مستعمرة للدولة التركية.

'يتم زيادة عدد التركمان في جنوب كردستان'

منظرو حزب العدالة والتنمية يظهرون في الخرائط التي يعرضونها أنهم سوف يقومون بإنشاء مدن تركمانية بدءاً من الموصل ومروراً بحلب، وذلك للحيلولة دون تعرض تركيا لهجمات القوى الدولية، ويتحدثون عن ضرورة زيادة نسبة التركمان في هذه المدن. منذ 80 عاماً كانت هناك نسبة كبيرة من غير الأتراك في الأناضول، ولهذا السبب ظهرت سياسة التتريك، وخاصة في المناطق التي كانت نسبة الأتراك فيها قليلة، حيث تعرضت تلك المناطق لسياسات صهر قومية وتتريك قوية، وعلى سبيل المثال تم تطبيق هذه السياسة بشكل مكثف في خاربيت (آل عزيز)، حيث بات من الصعب رؤية الكرد في تلك المنطقة، كما جلبوا أشخاصاً من قفقاسيا وأسكنوهم في تلك المنطقة وحوّلوهم إلى أتراك، واللافت جداً هو أن الأشخاص الذي أصبحوا أتراكاً مؤخراً هم الأكثر تشدداً.

في عشرينيات القرن الماضي كانت ديرسم تعتبر عاصمة الشعب الكردي، وقد برز ذلك بشكل خاص خلال اتفاقات علي شير وسيد رضا، ولم يكن الأمر مختلفاً أيضاً على ضفاف بحيرة وان، وتم توطين الأتراك في مناطق أرديش والجوس وتطوان وخلات، وفعلوا ذلك عام 2012 أيضاً، حيث أسكنوا التركمان في تلك المناطق، وتم جلب الأتراك إلى خلات خلال الحرب الأوكرانية.

سياسات الاستيطان ليست مجرد سياسة تم تطبيقها خلال فترة حكم النظام الكمالي في تركيا، بل ما زالت هذه السياسة مستمرة على يد حزب العدالة والتنمية في يومنا الراهن. ففي عفرين يتم اتباع السياسة نفسها، عفرين منطقة كردية بشكل كامل، وفي سري كانيه تم تأسيس جمعية شيشانية، ونسبة الشيشان في سري كانيه وكذلك في تلك المنطقة الجغرافية لم تتعد 5 %. ولكن اليوم يتم افتتاح ممثلية لهم، حيث تزداد أعدادهم، والوضع في كري سبي مشابه أيضاً. فأينما دخلت العقلية التركية في الشرق الأوسط يتم إفراغ تلك المنطقة من البشر، وتتعرض للدمار والتخريب.

'كردستان أكبر من عائلة البرزاني'

*ما هو المقابل الذي يحصل عليه الحزب الديمقراطي لقاء كل ذلك؟

باعتقادي أن الشعب الكردي يعرف هذه الحقيقة تمام المعرفة، والمثقفون في جنوب كردستان أيضاً يعلمون أن الدولة التركية لن تخرج من المنطقة التي دخلت إليها؛ لأن الدولة التركية تؤسس وجودها على إنهاء الشعب الكردي، وهذه هي الحقيقة تماماً. فبالنسبة لهم الكرد الجيدون هم الكرد الذين يمكن التخلي عنهم، والتاريخ يعج بالأمثلة حول ذلك، وبإمكان كل من يرغب أن يعود إلى التاريخ ويرى ذلك، هناك الآلاف من الأمثلة.

الحقيقة هي أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يرى أن مصالحه فوق مصلحة كردستان والشعب الكردي، ويتم القضاء على حقوق وحرية الشعب الكردي من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني والعائلة البرزانية. طبعاً مما لا شك فيه أن هناك شخصيات من ضمن تلك المكونات تتخذ مواقف كردستانية، أمثال يعقوب برزاني وأدهم برزاني الملتزمين بنهج الشيخ عبد السلام البرزاني. والشيخ عبد السلام البرزاني كان شخصاً وطنياً ضحى بحياته من أجل كردستان عام 1914. ومسعود البرزاني والمحيطون به وضعوا مصلحتهم فوق مصلحة كردستان. هم أثرياء وبإمكانهم العيش في كل مكان، ولكن ماذا سيحدث للشعب الكردي إذا تعرضت كردستان للهجوم؟ هذه قضايا مهمة. ويجب على الرأي العام الآن أن يقول إن الشعب الكردي أكبر من عائلة البرزاني.

*لقد دأب الحزب الديمقراطي الكردستاني على توجيه الاتهامات لحزب العمال الكردستاني، ما رأيكم بهذه الاتهامات؟

لا يمكن القبول بهذا الوضع. إنهم يعرفون كل شيء بشكل جيد، ويجب أن نقول لأولئك الأشخاص الموجودين ضمن الحزب الديمقراطي، أولئك الذين يطالبون بخروج حزب العمال الكردستاني من أراضي الإقليم، أو الذين يروجون أن حزب العمال الكردستاني هو سبب هجمات الاحتلال، إنه عندما هاجم والي الموصل على عبد السلام البرزاني، فإن عبد السلام البرزاني نزح من جولميرك باتجاه وان.

يجب أن تدركوا حقيقة أن كردستان واحدة، والشعب الكردي ليس من أوجد الحدود الحالية. يجب أن نتذكر أنه عندما هاجمت إيران مصطفى البرزاني، فإنه توجه إلى مهاباد من أجل الانضمام إلى قوات قاضي محمد، لقد لجأ وعائلته إلى هناك، وذهب إلى هناك برفقة 3 آلاف بيشمركة، وكذلك توجه إلى شمال كردستان عندما تعرض للهجمات في العديد من المرات. وإذا ذهبتم اليوم إلى بعض عشائر آكري، سيتحدثون لكم عن وطنيتهم، وكيف أن الملا مصطفى البرزاني توجه من هناك باتجاه الاتحاد السوفييتي، وكيف أن أهالي المنطقة قدموا لهم الدعم والمساعدة.

في عام 1991 فرّ البيشمركة من ظلم صدام حسين، ولجؤوا إلى جبال شمال كردستان. لا يحق لأي كردي أن يضع الحدود أمام كردي آخر. كردستان هي وطن جميع الكرد، ويجب أن يخجل المرء من قول ذلك.

اليوم يجب أن يتم استذكار جميع الكرد الذين قدموا من مختلف أنحاء كردستان وفقدوا حياتهم في شنكال، ويجب على المرء أن يدرك ذلك. أنا أعلم أن جثامين الآلاف من مقاتلي الكريلا، من باشور وباكور وروج آفا ورجهلات موجودة الآن في شمال كردستان. كما أن المئات من الكرد من جميع أجزاء كردستان انضموا إلى البيشمركة من أجل القتال ضد صدام واستشهدوا هناك. إن من يضع هذه العقلية وهذه الحدود هم الذين يرتكبون الخيانة الكبرى بحق الشعب الكردي، ولا يحق لأي كردي أي يخرج كردياً آخر من أراضي كردستان أو أن يطلب منه الخروج.

*هناك مساعٍ لنشر قوات خاصة تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني في مناطق الكريلا، كيف تنظرون إلى هذا الأمر؟

سأجيب عن هذا السؤال بإيراد هذا المثال؛ في عام 1930 كان هناك ضابط باسم كمال المجنون، كان يلاحق الأشخاص الذين انضموا إلى انتفاضة آكري. الكرد الذين خرجوا من الحرب في آكري، كانوا يتوجهون نحو قرى موش، كانوا يرفضون الاستسلام. وكان الضابط كمال المجنون يقود جنوده لملاحقتهم، وذهب كمال المجنون مع جنوده إلى قرية كرمكايا في قره يازي، وجمع أهالي القرية، وحاول جاهداً أن يحصل منهم على معلومات واعترافات، ولكن أحداً لم يتكلم. فقام بصف 20 قروياً إلى الجدار وقال إنه سوف يرميهم بالرصاص إذا لم يتحدثوا، وعندها ذهب مختار القرية الذي كان يدعى جزو إلى الضابط وقال إنه يريد أن يخبره ببعض الأمور، ويجمع جزو القرويين حوله ويقول، من العار أن تهدر الدولة ذخيرتها.

'يجب أن يخجل المرء من شعبه ومن معاناته'

ومع الأسف، فإن الذين يقاتلون اليوم ضد الكريلا، والذين خدعوا بألاعيب المحتلين، هم امتداد لذهنية المختار جزو. حتى الآن ما زال أهالي شمال كردستان يتحدثون عن فضيحة المختار جزو، ويجب على المرء أن يخجل من شعبه ومن معاناته، إذ لا توجد أي منطقة في كردستان أو بقعة من كردستان لم تروَ بالدماء، وأنا بصفتي مؤرخاً أقول؛ على أولئك الذين يتسلحون ضد الكريلا أن يخجلوا من إراقة الدماء، وأن يتراجعوا عن هذا الخطأ.

(ك)

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/GzNRT3stHD8" title="YouTube video player" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>