التّرسيمُ البحريُّ يحرّك المياه الرَّاكدة

عاد الحديث عن استئناف المفاوضات غير المباشرة على الحد البحري بين لبنان وإسرائيل، وعادت أسئلة التفاوض وإمكاناتها وتقدير نتائجها للبروز على طاولة النقاشات. استئناف المفاوضات مطلب إسرائيلي، لا شك فيه، كما هو مطلب لبناني، إلا أن الأهداف بين الجانبين متباينة. فهل يمكن التوصل إلى نتيجة؟

التّرسيمُ البحريُّ يحرّك المياه الرَّاكدة
الجمعة 25 حزيران, 2021   06:07
مركز الأخبار- زياد أبو غزالة

يطفو إلى الواجهة، مجدَّداً ملفُّ ترسيم الحدود البحريّة جنوب لبنان، ويركب موجة تفاوضٍ أخرى في رأس النَّاقورة. وتحرّك المياهَ الرَّاكدةَ رغبةُ الطّرفين اللّبنانيّ والإسرائيليّ في الحصول على المقدّرات من النَّفط والغاز في الحقل المتنازع عليه.

فمنذ العام 2009 حتى اليوم، وحقل النَّفط جنوب لبنان قيد الانتظار على قائمة الحراك السّياسيّ الدّبلوماسيّ. لبنان يريد ووفقاً للقانون الدَّولي ترسيم حدّه البحري واستخراج الثَّروات الكامنة فيه بدون الانتقاص من حقوقه. فيما تسعى إسرائيل عبر الحاضنة الأميركيَّة الدَّاعمة إلى تحصيل الرَّقم الأعلى من مساحة الحدود. وطوال الفترة الممتدة لأكثر من عقدٍ على اكتشاف حقل النّفط والغاز في البلوك رقم 9، تأكَّد أنَّ ما بين خياري المفاوضات واللّا مفاوضات يحرص الجانب الإسرائيليّ كلَّ الحرص على ألّا يُعلن أبداً عن موت المفاوضات.

ترسيم الحدود حاجة ملحة للطرفين

لا شكَّ أنَّ المفاوضات حاجةٌ ملحَّةٌ لدى الجانبين اللّبنانيّ والإسرائيليّ، وتوقيع اتّفاق ترسيم الحدود البحريَّة مطلب مشتركٌ، يجمعُ المحلّلون أنَّ تحقيقه ما هو إلَّا مسألة وقتٍ فقط.

وفي هذا الخصوص يقول الصّحافي اللّبنانيّ منير الرَّبيع لوكالتنا، "إنَّ ترسيم الحدود الجنوبيَّة أحد الملفَّات الأساسيَّة والاستراتيجيَّة في المنطقة، والولايات المتَّحدة تهتمُّ بشكلٍ استراتيجيّ بإنجاز هذه المفاوضات وذلك لأنَّها ترتبط بأمن إسرائيل واستقرارها وإنهاء الصّراع الحدوديّ على النَّفط والغاز".

ولفت أنَّ واشنطن تريد استخدام ترسيم الحدود البحريَّة ورقةً تعطيها لإسرائيل على أعتاب المفاوضات حول الاتّفاق النّوويّ مع إيران.

وبالتَّوازي يؤكّد الرَّبيع "أنَّ لبنان يهتمُّ أيضاً بالحفاظ على حدوده للحفاظ على الثَّروات داخل المياه اللّبنانيَّة".

وفيما يخصُّ الحديث عن اتّفاقٍ قريبٍ يقول الرَّبيع: "تستعجل إسرائيل إنجاز ملف التَّرسيم لتقطع الطّريق على أيّ معضلةٍ في سبيل استخراج النّفط والغاز بدون أيّ معوّقات سياسيَّةٍ".

سقف التّنازلات يسقط على طاولة المفاوضات

وما تزال المعوّقات ثابتةً في مكانها حتَّى الَّلحظة، وتعطِّل تمرير اتّفاق ترسيم الحدود البحريَّة عبر مفاوضات غير مباشرة فشلت سابقاً. مفاوضاتٌ لم تحلَّ بعد إشكاليَّة العرض والطّلب بين لبنان وإسرائيل على قاعدة الخطوط الحمراء للتَّنازلات.

وفي ذلك يقول الصحافيّ منير الرَّبيع: "إنَّ رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة قدم تنازلاً لصالح الولايات المتّحدة عندما أحجم عن تعديل المرسوم 6433 الّذي يحدّد الحدود البحريّة للبنان. فيما يرفض الوفد اللبنانيّ المفاوض التّنازل متمسّكاً بالاحتكام إلى القانون الدّوليّ".

ويتابع الرَّبيع: "أخذ الوفد الُّلبنانيّ ضوءاً أخضر من عون للدّفاع عمّا لديه من معطياتٍ ووثائق وخرائط، وتوجّه بعدها إلى طاولة المفاوضات وطرح الخرائط الَّتي بحوزته وهي الخط 29 أي مساحة 2290 كلم مربَّع، وهو ما حظي باعتراض الوفد الأميركي مشيراً إلى أنَّ اتَّفاقاً حصل مع عون غير الاتّفاق أو التَّوجّه الّذي يتفاوض الوفد الُّلبناني بموجبه".

ويضيف الرَّبيع: "هذا الأمر أحدث إشكاليَّةً، فالوفد اللُّبنانيُّ تمسَّكَ بشروطه، بينما يصرُّ الوفد الأميركيُّ على أن تكون المفاوضات محصورةً بمساحة 860 كلم مربعًا، أي الالتزام بخطّ هوف الَّذي يمنح لبنان 55% من المساحة مقابل 45% من المساحة لصالح إسرائيل".

أحجية البلوك 9: مفاوضات وتنازلات

يتوقَّف إبرام اتّفاق ترسيم الحدود البحريَّة المتنازع عليها على حلّ معضلةِ التَنازلات اللبنانيَّة والإسرائيليّة على حدٍّ سواء. ويقول الصّحافيّ منير الرَّبيع في هذا الصَّدد: "إنَّ من غير المعروف حتَّى الآن حقيقة التَّناغم بين الموقف اللُّبنانيّ الرَّسميّ وموقف الوفد المفاوض، فالرَّئيس اللُّبنانيّ ميشال عون قدَّم تنازلاً للولايات المتَّحدة، لكنَّه أوعز إلى وفد بلاده بألَّا يتنازل، ورسمَ خطًّاً أحمر في الاجتماع مع الوفد الأميركيّ وهو الخطّ 23 وما فوق، أي عدم التَّنازل عن أي ملم من الـ860 كلم مربَّعاً".

ويؤكّد الرَّبيع "أنَّ المفاوضات ترتبط بتطوّرات ملف الاتّفاق النَّوويّ مع إيران، فأيّ تسويةٍ فيه ستفرج عن اتّفاق ترسيم الحدود البحريَّة قريباً، والأمر رهنٌ بتطوّرات خارجيَّة تفرض على الطَّرفين تقديم تنازلات".

الأيَّام المقبلة فقط هي من ستحدّد مصير المفاوضات الحاليَّة على طريق ترسيم الحدود البحريَّة. في ظلّ تصريحاتٍ جديدة من نوعها أطلقتها قبل أيَّام وزيرة الطَّاقة في الحكومة الإسرائيلية كارين الهرار حول استعداد الحكومة الجديدة للنظر فيما سمّـته حلولاً مبتكرة من أجل إنهاء هذه القضيَّة. فربَّما ترتبط هذه الحلول المبتكرة بتنازلات إسرائيليَّة قد تساعد في إبرام الاتّفاق، بعد حصر النّقاش في جولة المفاوضات الأخيرة بمساحة 860 كلم مربَّعاً فقط وهو ما كان مرفوضاً جملةً وتفصيلاً من الجانب اللُّبنانيّ.

ويسعى الوفد الإسرائيليّ إلى إنجاح المفاوضات لأنّها تصب في مصلحته الَّتي ينشدها لا سيّما فيما يخصّ استقرار منطقته البريَّة بعد تعرّض منصَّة الغاز الطَّبيعي في حقل "تامار" للصواريخ وإغلاقه لأيَّامٍ متتالية.

وفي السّياق نفسه، يرغب الجانب اللبنانيّ بإتمام الاتّفاق من جهة لضمان حقّه في حدّه البحريَّ وحقَّه في استخراج الثَّروات وحقّه في استغلال ميزته النّفطيّة لتحريك عجلة الاقتصاد المهترئة منذ أكثر من عامٍ ونصف عام، محتفظاً في الوقت نفسه ببطاقة الرّهان الأخير وهي ورقة تعديل المرسوم 6433 وإيداعه الأمم المتَّحدة، بما يكرّس حقّه بمساحة 1430 كم مربَّعاً تضاف إلى 860 كلم مربَّعاً.

(ح)

ANHA