فوضى الشرق الأوسط والحلول المحتملة من منظور القائد عبد الله أوجلان

لطالما صيّرت القوى المهيمنة منطقة الشرق الأوسط منطقةً للأزمات والقضايا الثقيلة الوطأة، انبرت الكثير من الشخصيات لمحاولة فهم الأزمة وطرح الحلول لكنها لم تفلح، لكن القائد عبد الله أوجلان أجرى دراسة تاريخية معمقة لبُنى الأزمة في المنطقة، وحللها وحدد بداياتها وتطورها إلى اليوم الراهن وطرح الحلول لتجاوزها.

فوضى الشرق الأوسط والحلول المحتملة من منظور القائد عبد الله أوجلان
الجمعة 25 حزيران, 2021   01:21
مركز الأخبار

وبهدف مشاركة آراء وتحليلات القائد عبد الله أوجلان بشأن الشرق الأوسط وقضاياه العالقة، سنستعرض لقرائنا مقتطفات مختارة من التحليلات بداية من الدولة القومية والأسرة والوطن والمرأة وانتهاء بالحل.

في الملف الأول نستعرض مدخلًا شاملًا لتحليل الأزمة في الشرق الأوسط، لننتقل في الملف الثاني إلى تحليل الدولة وتحديد دورها في الأزمة وتعميقها وإدامتها، وفي الملف الثالث نستعرض مشكلة الأسرة الشرق الأوسطية والمفهوم المغلوط للوطن وقضية المرأة في الشرق الأوسط، وننتهي بعرض الحل في الملف الرابع والأخير من هذه السلسلة من الملفات التي تتناول آراء وتحليلات القائد عبد الله أوجلان بخصوص الأزمة في الشرق الأوسط والحلول المحتملة.

مدخل -1

إن مجتمع الشرق الأوسط (ودوله) يعبِّر بكل معنى الكلمة عن ركام متكدس من المشاكل العالقة. فالمشاكل المتنوعة المكبوتة والمتراكمة منذ الماضي الغابر، قد تركت المجتمع مقطوع الأنفاس. أما الأنظمة المفروضة عليه من قِبَل النظام الرأسمالي بغرض إيجاد الحلول لها، فقد أضحت بحد ذاتها منبعًا لخلق المشاكل. فلا الدول المعنية قادرة على إيجاد الحل، ولا هي تفسح المجال للقوى الممتلكة للحل – الداخلية منها والخارجية – بأن تقوم بدورها. إن تسمية المشاكل بأنها مجرد أزمة إسلامية، هو تعبير خاطئ للغاية. حيث ثمة ذهنيات سائدة تتخطى نطاق الأديان التوحيدية، وتمتد بجذورها لتصل إلى العهد النيوليتي.

تشكلت الكثير من النُّسُج والأنظمة الاجتماعية التي لا يمكن تفسيرها بالظاهرة القومية. إذ تكاد كل عائلة، وليس كل عشيرة وحسب، تتضمن اختلاطًا وتعقيدًا أشبه بمشكلة الدولة، كما أن الهوّةُ الشاسعة بين المرأة والرجل تعاني اغترابًا حادًّا، بقدر ما تعانيه الهوة الكائنة بين المجتمع والدولة، وكأنه ثمة فوضى يعج فيها حشر من الصُّمُّ والبُكم والعميان الذين لا يتفاهمون فيما بينهم، وقابعون في قاع برج بابل، مثلما تقول الأسطورة، وكأن تلك الأسطورة انتعشت مرة أخرى في نفس المكان. حيث تَبذل ما يناهز السبعين من القوى القومية جهودها ومساعيها. لكن الخلل يتفاقم يومًا بعد يوم. فالصراع العربي – اليهودي المتبقي من أيام الفراعنة، لم يفقد من وتيرته شيئًا. كذلك تسير التمشيطات المرتبة تجاه الكورتيين (الكرد) بنفس الهمّة والسرعة منذ أيام الملوك السومريين.

إذن، والحال هذه، من الضروري البحث عن جواب أكثر وضوحًا للسؤال التالي: كيف تصل المشاكل مثل هذه الحالة في الشرق الأوسط؟

يشكل مجتمع الشرق الأوسط الخلية النواة لجميع المجتمعات، وهو يستمد قوته من ماهيته هذه، ونظريات الخلية النواة دارجة على المجتمعات أيضًا، وقد أبدى النظام الرأسمالي قدرته على التوسع والانتشار من ثقافة القارة الأمريكية إلى أستراليا الباسيفيكية، ومنها إلى الثقافة الهندية والصينية واليابانية؛ ومن أفريقيا إلى الثقافتين الروسية والسيبيرية الجنوبية. لقد انتصر في حرب هي ضرب من ضروب صراع الحضارات والثقافات، إلا أن النظام نفسه لم يستطع تحقيق فتوحاته تلك في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من محاولاته العديدة المتعاقبة منذ أعوام 1800، ولربما مر فيها بحالات أكثر شحنًا بالمشاكل من الحروب العالمية. حيث ثمة عناصر تتجاوز حروب الصهر والإذابة، ولا شك في أن السبب الأساسي لكل المصاعب المتلقاة ينبع من النسيج الاجتماعي للمنطقة.

إن المَلَكية والإقطاعية اللتين قضت عليهما الثورة الفرنسية تشبهان الشارلية القيصرية والإقطاعية التي قوَّضتهما وأطاحت بهما الثورة الروسية؛ لكن كلتا الثورتين انشغلتا أثناء ذلك ببنى فوقية لا نسيج غائر لها، ومع ذلك، فتشخيص تلك البنى وتفكيكها تضمَّن مصاعب جليلة. بيد أن هاتين الثورتين قامتا في البنى الفوقية، ولم تتخلصا من الالتحام الأعظمي بالنظام الرأسمالي. ناهيك عن حل مجتمع الشرق الأوسط وبنيته الفوقية للمشاكل، بل انتهى فَرْضُ هذه النماذج عليه بتجذرها أكثر فأكثر. لذا، لا يتبقى من الأمر سوى ضرورة الفهم الحسن لطبيعة صراع الحضارات، والأصح من ذلك هو التساؤل: ما الذي يبقي على حضارة الشرق الأوسط عقيمة ومقاوِمة عنيدة لهذه الدرجة؟ لماذا تُحرَز النتائج المرجوة في كافة الحضارات الشهيرة في العالم لدى المداخلة فيها، في حين أن الحلول الشبيهة تلقى الفشل الذريع في الحضارة الشرق أوسطية؟

يكمن الرد على هذه التساؤلات في حقيقة الحضارة الأم. فكيفما يشبه الابنُ أمَّه بالضرورة – ولا تشبه الأمُّ ابنَها – فالحضارات الوليدة من الحضارة الأم، لا يمكنها أن تشَبِّه أمها بنفسها؛ بل هي مرغمة على التشبُّه بحضارتها الأم من بعض النواحي بأقل تقدير، وإذا ما رجعنا ثانية إلى مثال الخلية النواة، نجد أنه من الممكن العثور على البنى الجينية (الوراثية) الموجودة في جميع الخلايا المتكاثرة ضمن الخلية النواة، وفي حين أنه من المحال العثور على كافة جينات (مورثات) الخلية النواة في الخلية المتكاثرة منها، ولا شك في أن المقارنة المفرطة للظاهرة الاجتماعية بالظواهر البيولوجية تتضمن أخطاء فادحة. لكنها، مع ذلك، تزودنا بالسهولة المتوخاة لتَفَهُّم الاتجاهات الموجودة بشكل صحيح. لذا، جلي للعيان مدى ضرورة مقاربة حضارة النظام الرأسمالي بعمق وخصوصية أكبر إزاء الحضارة الشرق أوسطية.

يجب النظر أولًا إلى البنية الذهنية، لدى البدء بتحليل الحضارة الشرق أوسطية. فنشوء وتوطّد بنى الأديان التوحيدية الثلاثة في هذه المنطقة، يشكل أحد أهم حقائقها، وثمة العديد من المواضيع الأساسية التي يتوجب على السوسيولوجيا الدينية تحليلها في هذه المنطقة. هذا ومن اللازم تحديد خطوط هذه المحاولات عبر السلوكيات الأدبية والفنية الأخرى أيضًا. علاوة على أن رسم الخريطة الذهنية فيها دون تمييزِ أو فصلِ قيم المجتمع النيوليتي – الذي لا يزال مؤثرًا في المنطقة – عن غيرها؛ سيتضمن أخطاء حقيقية. ومن جانب آخر، لا تزال ظواهر المذاهب والقبائل والعائلة، حقيقة معاشة فيها كوحدات سفلى لظاهرتَي الأمة والدين الملتحمتَين مع السلطة، أما القوالب الذهنية الناجمة عن الرأسمالية، فلا تجد معناها في المنطقة إلا بعد انكسارها وتحطمها.

إن تناول ودراسة جذور القوالب الذهنية ضمن بدايات التاريخ، بل وحتى قبلها في التعددية الألوهية، وفي العالم الميثولوجي، وخاصة ضمن نطاق العلاقة مع الميثولوجيا السومرية؛ سيساعدنا على الفهم الأمثل لخصال الذهنية المتداخلة فيما بينها. إن ثنائيات القول والعمل، المصطلح والظاهرة، الحقيقة والوهم، الدين والحياة، العلم والأيديولوجيا، الفلسفة والدين، وكذلك الأخلاق والقوانين تشهد تخالطًا وتشابكًا وخرابًا وفسادًا ولا تمايزًا حادًّا في راهن منطقة الشرق الأوسط. حيث تكاد جميع الشرائح الذهنية التي شهدتها البشرية مخزَّنة على شكل ركام متكدس من المشاكل العالقة، مع ما نجم عنها من تلوث، ولا تتوانى البنى اللغوية أيضًا – القديمة منها والحديثة – عن عكس الحالات الذهنية القائمة وتصويرها بكل ما تحتويه من تزمت وتصلّب. هذا وتعاني مصطلحات المماليك والأوطان والقوميات والدول المُبَيَّنة حدودها، والمتأسسة في غضون القرن الأخير؛ من جهالة مركَّزة وضيق أفق حاد.

ثمة تزاوج مشحون بالشوائب والعيوب بين عناصر الذهنية المعاصرة من جهة، وعناصر ذهنية العصور الوسطى والأولى من الجهة الثانية. لذا، فأي قصف للبنى الفيزيائية الطبيعية (على الصعيد السياسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي)، دون قصف البنى الذهنية في واقع الشرق الأوسط؛ لن يُسفِر في مضمونه إلا عن ممارسات وحشية قصوى للمجازر والإرهاب والتعذيب، الرسمية منها وغير الرسمية، مثلما شاهدنا ذلك في يومنا الراهن.

كذلك تشير البنى السلطوية في منطقة الشرق الأوسط إلى فروقات مهمة تميزها عن غيرها من الميادين في العالم. كما أن ظاهرتَي الحرب والسلطة ليستا أقل اختلاطًا وتعقيدًا من الخصال الذهنية. فعلى الرغم من كونهما من أقدم المؤسسات القائمة في المنطقة، إلا أن العلاقة بينهما وبين الحياة الاجتماعية والاقتصادية، تعاني من انقطاع ومفارقات مذهلة. والعلاقات المتبادلة بينها، منفتحة لكل أنواع الديماغوجيات والقمع، من أدقها إلى أغلظها. أما العقلانية (المنطق)، فهي "الربح" الأقل معنى وجدوى، وفيما يخص السوسيولوجيا (علم الاجتماع)، فكأنها مصقولة داخل الروابط الدينية والإثنية والاقتصادية والطبقية والسياسية للحرب والسلطة، كظاهرة بعيدة كل البعد عن التحليل والتفسير، ومن الصعب الحصول على منظر واقعي للشرق الأوسط، دون القيام بتحليلات صحيحة للسلطة والحرب؛ بدءًا من كونهما مصطلحًا دينيًّا تجريديًّا للغاية، وحتى كونهما عصا وهراوة غليظة مسلَّطة.

تتضمن مؤسسات البنى الاجتماعية، وبشكل خاص ظاهرة الأسرة، تشابكًا وتعقيدًا، يماثل ما عليه في ظاهرة السلطة، بأقل تقدير. فالرجل والمرأة الشرق أوسطيَّين يتميزان بتشابك يستلزم بالضرورة تحليلًا خاصًّا بهما. وأي تحليل للأسرة والمرأة والرجل الحاكم، من خلال القوالب السوسيولوجية العامة، سيحتوي نواقص مهمة جدًّا. فالواقع السياسي والأيديولوجي والأخلاقي ينعكس على الرجل والمرأة، بأكثر جوانبه قساوة وحِلكة، والتناقضات القائمة في مؤسسة الأسرة، ليست أقل مرتبة من تلك التي في مؤسسة الدولة. فالأسرة هنا أبعد من أن تكون مؤسسة اجتماعية، وأدنى إلى أن تكون "الثقب الأسود" للمجتمعات. إذا ما وضعنا المرأة تحت عدسة المجهر، لربما تَمَكّنّا من قراءة جميع دراميات الإنسانية فيها.

ANHA