انهيار لبنان المالي.. بانتظار حكومة تعيد له الثقة

هوت العملة اللبنانية لتنزل عن مستوى مهم وتسجل سعرًا متدنيًا جديدًا مقابل الدولار، مع استمرار الانهيار المالي والأزمة السياسية في البلاد. ويكابد لبنان انهيارًا اقتصاديًّا عنيفًا يهدد استقراره، إذ وصف البنك الدولي الأزمة بأنها أعمق كساد في التاريخ الحديث.

انهيار لبنان المالي.. بانتظار حكومة تعيد له الثقة
الخميس 24 حزيران, 2021   02:53
بيروت – زياد أبو غزالة

يواجه لبنان أزمة اقتصادية عميقة بعد أن عملت حكومات متعاقبة على تراكم الديون في أعقاب الحرب الأهلية (1975-1990) دون أن يكون لديها ما تستند إليه مقابل انغماسها في الإنفاق.

وتعاني المصارف، التي تعد محورية للاقتصاد القائم على الخدمات، من حالة من الشلل. وقد حالت البنوك بين أصحاب المُدَّخرات وحساباتهم الدولارية أو أبلغتهم أن قيمة الأموال التي يمكنهم الحصول عليها انخفضت، وانهارت العملة اللبنانية، مما زج بقطاعات من السكان في براثن الفقر.

لكن كيف وصل لبنان الذي يبلغ عدد سكانه ستة ملايين نسمة إلى هذا الوضع. وما الذي أشعل فتيل الانهيار؟

'تشكيل حكومة تعيد الثقة'

قال رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس لوكالتنا، إنه "منذ 45 عامًا، كانت الأجواء ضيقة وسيئة للغاية على مختلف القطاعات بما فيها القطاع التجاري بسبب الحرب آنذاك، أما الأداء التجاري هذا العام، فقد سجل انخفاضًا لم نشهد له مثيلًا. وقد تراكمت الأزمات والمصائب في وقت واحد على القطاع التجاري وعلى الاقتصاد الوطني ككل".

ورأى شماس أن تشكيل حكومة سريعًا يُعدُّ العامل الوحيد الكفيل بإعادة الثقة، وقال إن بقاء الأمور كما هي عليه اليوم، سيرتّب تداعيات أسوأ على مختلف القطاعات.

وأضاف "نعوّل على ضمائر المسؤولين كي يبقى حجر على حجر، إذ يُعتبر القطاع التجاري مركزي وهو المحرك الأول للاقتصاد الوطني، وانهيار التجارة سيعني انهيار الاقتصاد ككل".

'البنك الدولي يكشف المستور'

وكشف "تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني"، الصادر عن "البنك الدولي" تحت عنوان: "لبنان يغرق"، مخاطر الأزمة المالية والاقتصادية التي يعاني حقيقة منها لبنان، حيث قال وبأسلوب غير دبلوماسي لكنه صريح، "إن الأزمة اللبنانية تصنّف ضمن أشد عشر أزمات، وربما إحدى أشد ثلاث أزمات على مستوى العالم، منذ منتصف القرن الـ 19".

ولم يكتفِ تقرير "البنك الدولي" بالتوصيف المخيف لأزمة لبنان المالية والاقتصادية، إنما توغّل وغاص في مخاطر هذه الأزمة لا سيّما أنه لا تلوح بالأفق أي نقطة تحوّل واضحة.

ولا ينسى التقرير الإضاءة على مسؤولية السلطات اللبنانية عن هذه الأزمة، عندما يقول "إن استجابة السلطات اللبنانية لهذه التحديات كانت غير كافية على صعيد السياسة العامة.." ولا يقف التقرير في مساءلة السلطات اللبنانية عند الحد السّابق، بل تعدّاه بأشواط طويلة، عندما قال: "غاب التوافق السياسي بشأن المبادرات الفعّالة، بينما حصل هذا التوافق حول نظام اقتصادي مفلس".

'الأزمة الاقتصادية والجيش اللبناني'

ونشرت صحيفة بريطانية، تقريرًا عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في لبنان وتوصلت إلى خلاصة أن هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار المؤسسات ومن بينها الجيش اللبناني.

وجاء تقرير صحيفة "التليغراف" بعنوان "يمكن للجيش اللبناني أن يمنع الانهيار الكامل للبلاد - إذا استطاع الاستمرار في إطعام جنوده".

وقال التقرير إنه "وسط انهيار اقتصادي مدمر في لبنان، لم تعد المؤسسة العسكرية اللبنانية قادرة على إطعام جنودها اللحوم"، مشيرًا إلى انعقاد مؤتمر دولي "للحصول على تبرعات للجيش اللبناني من مواد غذائية إلى الإمدادات الطبية وقطع غيار المعدات والوقود".

وأضافت الصحيفة أنه "وسط التضخم المفرط وانقطاع الكهرباء ونقص الوقود والغذاء في لبنان، لم يكن السياسيون اللبنانيون مستعدين لتنفيذ الإصلاحات، تاركين الجيش اللبناني كواحد من المؤسسات القليلة في البلد المحاصر التي تتمتع بدعم واسع نسبيًّا".

وقال التقرير: إن تحذير قائد الجيش جوزيف عون الأخير من أن "الجنود يعانون وهم جوعى مثل بقية السكان أثار مخاوف من أن الانهيار قد ينذر بالانزلاق إلى الهاوية"، مضيفًا أن "الحكومات الأجنبية تحجم عن توجيه المساعدات من خلال حكومة معروف على نطاق واسع بأنها غير فعالة وفاسدة".

وتابع التقرير أن "لبنان يواجه عواقب وخيمة إذا استمرت الأزمة"، مضيفًا "كيف يمكن لجندي أن يعيل أسرة براتب لا يتجاوز 90 دولارًا؟".

وختم التقرير بالقول "إذا لم يتم تخفيفها فإن الأزمة الاقتصادية والمالية ستؤدي حتمًا إلى انهيار جميع مؤسسات الدولة بما في ذلك الجيش اللبناني الذي يعد العمود الفقري للبلد".

'أرقام صادمة عن الأموال المهربة'

وأشار موقع "فاي نيوز" السويسري، إلى أن "العملاء اللبنانيين جمعوا أموالًا في سويسرا أكثر من أي وقت مضى العام الماضي، ويأتي ذلك على خلفية التحقيقات الفرنسية والسويسرية في المخالفات المحتملة في المصرف المركزي اللبناني".

وكشفت بيانات "البنك الوطني السويسري" أن "أزمة البلاد تسببت في هروب رؤوس الأموال إلى سويسرا، حيث ارتفعت الأموال المودعة في سويسرا نيابة عن العملاء اللبنانيين في العام 2020 بنحو الثلثين، أو 5.2 مليار فرنك سويسري أي 7.2 مليار دولار، لتصل إلى 46.6 مليار فرنك"، مؤكدةً أن "هذا يمثل أعلى مبلغ منذ أن بدأ البنك الوطني السويسري في إصدار البيانات عام 1996".

ولفت الموقع إلى أن "البيانات المتعلقة بلبنان، مثيرة للاهتمام لأن المقرضين في البلاد فرضوا قيوداً شديدة على معاملات الصرف الأجنبي وسط المشاكل الاقتصادية". وتابع: "السبب الآخر هو الشائعات المستمرة بأن أعضاء النخبة السياسية وصناع القرار نقلوا أيضًا مبالغ كبيرة إلى الخارج".

'حلول.. أحلاها مُرّ'

في مواجهة الاختيار بين إبقاء المدخرات معطلة في البنوك أو استثمارها بخسارة كبيرة، يختار بعض اللبنانيين اللجوء إلى "البيرة" حلًّا للمعضلة. فبالنسبة لهم إنها الخيار الوحيد المعقول في نظام مالي شوهته الأزمة.

فقد حال انهيار الليرة اللبنانية واضطراب النظام المصرفي أواخر 2019 وسط احتجاجات سياسية واسعة بين أصحاب المدخرات وبين ودائعهم الدولارية إلى حد كبير. وأصبح بعضهم يرى في الاستثمار في شركات يتركز نشاطها على التصدير وسيلة للوصول إلى العملة الصعبة والاستفادة بشكل من الأشكال من الدولارات المحتجزة في مصارف لبنان.

وقال كمال فياض الرئيس التنفيذي لشركة بيرة 961 المتخصصة في تصدير البيرة اللبنانية "إذا استثمرت معي اليوم الدولارات المحتجزة سأردها لك دولارات جديدة".

وبمقتضى القيود غير الرسمية على الأموال، يمكن للمودعين كتابة شيكات على حساباتهم المقومة بالدولار الأمريكي لكن لا يمكن استخدام هذه الشيكات في الخارج وإذا بيعت محليًّا فإنها تفقد 75 في المئة على الأقل من قيمتها.

ويعكس الاستعداد لقبول الخسارة المالية يأسًا من خروج لبنان من مسار الأزمة الذي تسده خلافات سياسية، فاقمها الانفجار المدمر الذي وقع في مرفأ بيروت العام الماضي.

'أزمات '

يعتمد لبنان على الاستيراد وظل المصرف المركزي يساعد منذ سنوات في تمويل العجز التجاري بعرض أسعار فائدة مرتفعة على الودائع الدولارية في البنوك التجارية. وطبقت البنوك هذه الأسعار على زبائنها فاجتذبت طوفانًا من الودائع والأرباح الوفيرة للنظام المصرفي الذي تضخمت أصوله لما يصل إلى 167 في المئة من الناتج الاقتصادي للبلاد عام 2015.

وانهار النظام عندما تخلّفت الحكومة عن سداد دينها العام الماضي، وانخفضت الاحتياطيات الخارجية لدى المصرف المركزي من أكثر من 30 مليار دولار قبل الأزمة إلى نحو 15 مليارًا في مارس/ آذار، كما أن برنامجًا باهظ الكلفة لدعم أسعار الواردات يدفع الاحتياطيات القابلة للاستخدام إلى الحد الذي تكاد معه أن تنفد.

وامتد أثر نقص الواردات الآن إلى الحياة اليومية للمواطن اللبناني العادي. وأدى تشكل طوابير طويلة انتظارًا للحصول على الوقود إلى وقوع اشتباكات في معظم المناطق اللبنانية، بينما شهدت الصيدليات إضرابًا لمدة يومين لنفاد الأدوية.

'المانحون: الإصلاحات أولًا'

وزج الانهيار الاقتصادي بنصف السكان البالغ عددهم ستة ملايين نسمة في براثن الفقر ومحا قيمة المدخرات وخفض القدرة الشرائية لدى المستهلكين بشدة.

وقد قال المانحون الدوليون إنهم لن يمدوا يد العون إلا إذا نفّذ لبنان إصلاحات كبرى لمكافحة فساد واسع النطاق، غير أن جمودًا مستمرًّا منذ قرابة عام بسبب خلافات على تشكيل حكومة جديدة يعني أن هذه الإصلاحات لا تزال بعيدة المنال.

(ي ح)