منهجية قديمة وتغيير تكتيكي.. ماذا تريد روسيا من الاتفاق مع قطر وتركيا؟

أثار إعلان روسيا عن اتفاق مع تركيا وقطر حول تشكيل مسار جديد بشأن سوريا، استفسارات عديدة حول إمكانية أن يحل هذا المسار بدلًا عن مسار أستانا، بالإضافة إلى إقصاء إيران عن هذا المسار، فإلى ماذا تسعى روسيا؟

منهجية قديمة وتغيير تكتيكي.. ماذا تريد روسيا من الاتفاق مع قطر وتركيا؟
الإثنين 15 آذار, 2021   04:47
مركز الأخبار - يحيى الحبيب

أعلن وزراء الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والقطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني والتركي مولود تشاووش أوغلو في 11 آذار/ مارس الحالي، عن إطلاق "عملية تشاورية جديدة" بين دولهم بشأن ما وصفوه بالتسوية السورية.

وقطر وتركيا هما الدولتان اللتان تدخلتا مبكرًا في الوضع السوري وكانتا السبب في تحويل ثورة السوريين إلى أزمة عبر دعم جماعات الإخوان المسلمين، وفتح الحدود أمام دخول المجموعات المتطرفة من كافة أنحاء العالم إلى سوريا لإسقاط الحكومة والسيطرة على السلطة وتشكيل نظام تابع لهم فيها.

وزعم الوزراء الثلاثة أثناء مؤتمر صحفي مشترك أن العملية الجديدة ستخص المسائل الإنسانية حصرًا وستكون موازية لـ "مسار أستانا".

ولم يختلف بيان هذا الاتفاق عن بيان الجولة الأخيرة لمسار أستانا، حيث قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إنه اتفق مع نظيريه التركي والقطري، على محاربة ما وصفها بـ "المحاولات الانفصالية في سوريا" في إشارة إلى الشعب في شمال وشرق سوريا الذين يديرون مناطقهم عبر الإدارة الذاتية.

'الأسباب التي دفعت روسيا إلى تشكيل هذا المسار'

وجاء "مسار الدوحة" بعد جولة مكوكية للمسؤولين الروس في المنطقة العربية، وذلك بعد فشل موسكو بفرض حل سياسي على المجتمع الدولي عبر عشرات الجولات من مساري أستانا وسوتشي.

وسعت روسيا خلال الفترة الماضية، عبر مسار أستانا وتقاسم النفوذ في سوريا مع تركيا وإيران منذ عام 2017، إلى استبدال مسار جنيف في أستانا، إلا أن ذلك أثبت فشله.

وجاء إطلاق المسار الثلاثي بعد فشل ما تسمى اللجنة الدستورية التي عقدت عدة جولات في مدينة جنيف السويسرية بتحقيق أي تقدم، مع إصرار دمشق على إجراء انتخابات رئاسية وفق دستور عام 2012.

وبرز إطلاق المسار الجديد مع الذكرى العاشرة لانطلاق الأزمة السورية، وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة تضرب مناطق سيطرة حكومة دمشق بسبب عقوبات دولية مشددة، خصوصًا مع التقارير التي تحدثت عن فشل روسي خلال الأيام السابقة في إقناع دول خليجية كالسعودية والإمارات بتطبيع العلاقات بشكل رسمي مع دمشق والعمل على عودتها إلى الجامعة العربية، وهذا ما أعلنت واشنطن وأوروبا رفضه في وقت سابق.

هل انتهى مسار أستانا؟

وأكد وزراء الدول الثلاث أن المسار الجديد هو مسار موازٍ لأستانا، وذلك للحفاظ على ما حققه هذا المسار من مصالح لهذه الدول، فيما يخص تثبيت الجبهات في إدلب من قبل مرتزقة تركيا وقوات دمشق المدعومة من روسيا، بالإضافة إلى تثبيت احتلال تركيا للمناطق التي احتلتها عبر هذا الاتفاق.

وتسعى روسيا من خلال مسار الدوحة إكمال مسار أستانا، لكن بشكل جديد ينهي العقبات وأبرزها عدم وجود شرعية عربية بالإضافة إلى وجود إيران.

لماذا أقصيت إيران؟

غياب إيران عن الاتفاقات الروسية – التركية بشأن سوريا غير جديد، حيث غابت عن عدد من جولات أستانا، وحتى وقت حضورها كانت الاتفاقات عبارة عن صفقات بين روسيا وتركيا.

وبرز غيابها بشكل أكبر بعد الحديث عن التقارب الروسي – الأمريكي – الإسرائيلي وقمة القدس والاتفاقات بشأن تقليص الوجود الإيراني في سوريا، والتي تكثفت بعدها الضربات الجوية على المواقع الإيرانية وسط صمت روسي حيال ذلك.

وعقب سيطرة روسيا على مساحات واسعة من سوريا عبر دعم قوات حكومة دمشق، لم تحقق موسكو أي نجاح سياسي بشأن شرعية حكومة دمشق بل على العكس من ذلك زادت العقوبات الاقتصادية والسياسية، ورأت بأن إيران تقف عائقًا أمام مصالحها.

وبعث المسؤولون الأمريكيون والغربيون رسائل إلى موسكو، بأنه لن يكون هناك حل سياسي طالما هناك وجود إيراني في سوريا، بالإضافة إلى قبول واشنطن والغرب بوجود قوات روسية في سوريا.

وهذا لا يعني بالضرورة تخلي روسيا عن إيران وتحولهما إلى خصوم على الساحة السورية، بل قد يندرج ذلك ضمن المناورات الروسية وتبادل الأدوار مع إيران للالتفاف على الاتفاقات التي أبرمتها موسكو مع القوى الدولية وعلى القرار الدولي 2254.

ماذا ستحقق روسيا؟

وعلى الرغم من المخططات الروسية، إلا أن مشاكل متوقعة قد تحدث في المستقبل ويمكن إسقاط القول المشهور "حسابات الحقل لا تتطابق مع حسابات البيدر" على الحسابات الروسية مع قطر وتركيا.

حيث بات ميزان القوى في هذا المسار الجديد مضاد لمصالح روسيا ونفوذها، بسبب غياب إيران حليفة روسيا وحكومة دمشق، بالإضافة إلى دخول قطر حليفة تركيا ومجموعاتها المرتزقة.

'منهجية واحدة'

/ar/uploads/files/2021/03/15/064804_mhsn-awdh-allh.webp

وحول المسار الجديد تحدث المحلل السياسي المصري والخبير في الشأن التركي محسن عوض الله قائلًا: "ذلك لن يغير من الواقع شيئًا، خاصة أن مسار الدوحة الجديد لا يختلف كثيرًا عن مسار أستانا وسوتشي، المنهجية نفسه والدول المشاركة نفسها باستثناء استبدال إيران بقطر فقط".

'محاولة روسية لمغازلة واشنطن'

وحول غياب إيران قال عوض الله: "هذا له بعد سياسي خاص بالتغيرات التي شهدتها الإدارة الأمريكية والرفض الأمريكي لوجود إيران أو مشاركتها في الحل السوري، وبالتالي سعت موسكو من أجل إحكام وإثبات سيطرتها على القضية السورية لاستبعاد إيران كونها تنافس موسكو بالسيطرة على دمشق، كما سعت موسكو من ذلك إلى مغازلة واشنطن بإمكانية وجود حوار حول القضية السورية بحيث يكون المسار الجديد جزء من الحل النهائي".

عوض الله قلل من قيمة ذلك قائلًا: "لا أعتقد أن هذا المسار سيكون له مستقبل ولن يختلف مصيره عن مصير أستانا وسوتشي وما قبلهما، خاصة أن البيان الأخير الصادر عنه لا يختلف كثيرًا عن بيان أستانا الأخير، فضلًا عن أن هذا البيان ينافي الواقع على الأرض، حيث يتحدث عن خطط انفصالية ودعم للدولة وبالتالي هو بيان صدر من موسكو ووقع عليه أردوغان وتميم".

'الخطورة ليست جديدة'

وحول خطورة ذلك على سوريا أشار عوض الله إلى أن "الخطورة لن تكون جديدة، هو بيان ضمن مخطط ومحاولة موسكو وصف القوى الكردية والإدارة الذاتية بأنها خطط انفصالية وهذا أمر مجافٍ للحقيقة والإدارة الأمريكية تدرك ذلك جيدًا وتعلم أن قوات سوريا الديمقراطية ليس لديها أي نية في الانفصال".

واختتم عوض الله حديثه قائلًا: "البيان ليس له قيمة ولا يعبر عن واقع الأرض، هو مجرد محاولة روسية لإحكام القبضة على دمشق من خلال استبعاد إيران فضلًا عن محاولة لمغازلة واشنطن وتوجيه رسالة لبايدن بأنه يمكننا أن نشارك في الحل النهائي للقضية السورية".

'محاولة روسية لحشد الدعم الخليجي'

/ar/uploads/files/2021/03/15/064743_bhaa-alawam.webp

وبدوره قال الصحفي والمحلل السياسي السوري بهاء العوام: "زيارة وزير الخارجية الروسي إلى قطر كانت ضمن جولة خليجية شملت الإمارات والسعودية أيضا، والعنوان الأبرز لها في الأزمة السورية تحديدًا، هو محاولة موسكو خلق مقاربة عربية لهذه الأزمة".

وأوضح أن الروس يحاولون حشد الدعم العربي عامة والخليجي خاصة، لدعم معالجة التداعيات الاقتصادية والإنسانية للأزمة مقابل شروط مخففة في عملية التغيير السياسي المطلوبة من بشار الأسد وفق القرارات الأممية.

وأضاف العوام: "لا أعتقد أن الروس يمانعون في خلق مسارات جديدة للتفاوض حول الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في سوريا ضمن مناطق المعارضة أو النظام، فهذا يميّع الأزمة ويشتت الجهود الدولية والإقليمية لمعالجتها سياسيًّا".

'لا أحد يستطيع استبدال إيران'

وحول الحديث عن استبدال إيران بقطر قال العوام: "يجب الانتباه إلى أن موسكو لا تريد ولا تستطيع استبدال طهران بالدوحة، لأن قطر تتحرك فقط تحت مظلة النفوذ التركي وتنفذ أجندة أنقرة، فلا تعتبر لاعبًا أساسيًّا كإيران في الملف السوري".

وأضاف: "تركيا أرادت حضور الاجتماع الروسي القطري لتقول إن الدوحة تتبع لأنقرة في الأزمة السورية، وقد وجدت قطر في ذلك فرصة لإظهار الاجتماع كمنصة جديدة حول الأزمة تحل فيها محل إيران، أما في الواقع، فلم ولن يغضب القطريين طهران سواء في سوريا أو غيرها، ولن تتمكن موسكو وأنقرة من إزاحة إيران إلا باستبدالها بأمريكا أو بموقف عربي موحد، فإما أن تدار الأزمة بثالوث روسيا وأمريكا وتركيا، أو بثالوث روسيا وأمريكا والجامعة العربية، والخيار الثالث هو اتفاق أمريكي - روسي واضح يفرض على جميع الأطراف الداخلية والخارجية".

'واشنطن هي صاحبة القول الفصل'

العوام قيّم خطورة هذه التحركات قائلًا: "في جميع الحالات تقييم خطر أو فائدة التحركات الروسية الأخيرة على مستقبل الأزمة السورية إنما يقرأ من خلال رد الفعل الأمريكي عليها، فالولايات المتحدة هي صاحبة القول الفصل في نهاية المطاف. وأي جهود تتجاهل دور واشنطن في الشرق الأوسط، أو تظن نفسها قادرة على الالتفاف عليه، لن يكتب لها النجاح أبدًا، ولن تتجاوز حدود الدعاية الإعلامية للدول والأفراد الذين يبذلونها أو يستغلونها".

(ح)

ANHA