الشارع اللبناني المشتعل.. أزمة معيشية وسياسية

عادت الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع اللبناني، نتيجة الاحتقان السياسي وسط انسداد آفاق الحلول من أجل تأليف الحكومة، إلى جانب الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، إلّا أن عودة التحركات إلى الشارع لم تكن معزولة عن تطورات معينة وأحداث حصلت مؤخّرًا دفعت بهذا الاتجاه.

الشارع اللبناني المشتعل.. أزمة معيشية وسياسية
الإثنين 8 آذار, 2021   01:49
بيروت - زياد أبو غزالة

دخل لبنان في مرحلة هي الأخطر في تاريخه المعاصر، وخصوصًا أن الشارع يتّجه إلى خطوات تصعيدية قد تفوق ما حصل في الأيام المنصرمة بكثير، إذ لدى المعنيين معلومات عن مشاركة أحزاب عديدة في التحرّكات المقبلة، إلى بيانات ستصدر عن قوى سياسية تطالب بخطوات سياسية ودستورية لإعادة تكوين السلطة والمؤسّسات الدستورية من جديد، كونها باتت محشورة بمُحازبيها وجمهورها، وأن أحزابًا تاريخية كانت تقدم في كل المحطات والتحركات المطلبية إلى دفع المحازبين إلى الشارع، بدأت الآن تدرس هذه الخيارات.

وبناء عليه، هناك توجّه إلى الانخراط في الشارع من قوى لم يسبق لها أن شاركت منذ ثورة 17 تشرين، ما يدلّ على أن المرحلة القادمة ستشهد المزيد من التطورات، وهذا ما حذّر منه مرجع سياسي خلال لقاء مع بعض مساعديه، وأكد لهم "ضرورة تحصين المنطقة بالسلع الأساسية، والتيقّن من أي فتنة تُحاك".

وعندما سئل عن الاستحقاقات القادمة والحكومة، قال لهم، إنه "يستبعد حصول ذلك في هذه المرحلة، لأن البلد سيبقى حتى الصيف المقبل، في دائرة الخطر الشديد، ولن تأتي إليه أي مساعدات من الخارج، على غرار ما كان يحصل في مرحلة الحرب"، ليعود ويشدّد على "ضرورة اتخاذ إجراءات تموينية تحديدًا، خوفًا من الآتي، في ظل غياب الدولة ومؤسّساتها والشحّ المالي".

وفي سياق متصل، لا ينحصر التشاؤم على المعطى المحلي، بل يُنقَل، وفق مصادر عليمة، أن الاستياء الفرنسي من المسؤولين اللبنانيين بلغ ذروته، وثمة معلومات، عن تجميد المبادرة الفرنسية في هذه المرحلة، بغية انتظار الإدارة الأميركية وما ستقدم عليه على الخط الإيراني والشرق أوسطي بشكل عام، كذلك، أن التطورات الأخيرة في لبنان وارتفاع منسوب الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري، فذلك أيضًا كان له وقعه في باريس التي فشلت باتصالاتها في تقريب وجهات النظر بينهما، وقد برز ذلك بعد عودة الرئيس المكلّف من باريس بعد اللقاء الذي جمعه بالرئيس إيمانويل ماكرون، وزيارته في اليوم التالي للرئيس ميشال عون، والذي شكّل الدليل على "كَسر الجَرّة" بين بعبدا وبيت الوسط، والتأكيد أنه لا حكومة في المدى المنظور، وربما أن الحريري لن يشكّل حكومة في هذا العهد.

وتضيف المصادر نفسها، مشيرة إلى أن أجواء العاصمة الباريسية تجاه لبنان لا توحي بأي تفاؤل، وهو ما يعبّر عنه كبار المسؤولين المقرّبين جدًّا من الإليزيه، ولهذه الغاية ألغيت زيارات بعضهم إلى بيروت، على اعتبار أنه ليس هناك من معطيات إيجابية تؤشّر إلى إعادة تحريك ملفات التأليف، وبالتالي، فإن مواقف الرئيس المكلّف الأخيرة تجاه "حزب الله" دليل إضافي على خربطة أوراق التشكيل، وربما أكثر من ذلك، ربطًا بما يجري على الساحة المحلية من صراع سياسي غير مسبوق، ناهيك عن ضبابية الوضع الإقليمي، وكل ذلك له صلة بالملف اللبناني المأزوم والمقفل في هذه المرحلة حتى بلورة الصورة في المنطقة.

'قلق من صدامات في الشارع'

ولكن القلق يبقى حاضرًا بقوة وفق المعلومات التي يكشفها كبار المسؤولين، من صدامات في الشارع بعد تفاعل وتيرة الاحتجاجات وإمكانية دخول طوابير ومندسّين في التظاهرات، ذلك أن هذه الاحتجاجات مرشّحة لأن تعمّ معظم المناطق اللبنانية، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية والمالية، وغياب الحلول السياسية والاقتصادية، وفرملة المبادرات وحركة الموفدين الدوليين إلى بيروت، بعدما تكرّست قناعة لدى هؤلاء بصعوبة إيجاد الحلول للملف اللبناني، قبل الشروع في حل أزمة المنطقة، ولا سيما في سورية والعراق.

تأزم معيشي وسياسي

وقد يكون التفسير المنطقي للاحتجاجات التي عادت الأسبوع الماضي، أن الشارع تحرك بناء على تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، والضغط الاقتصادي الكبير، وأن الناس ربما تأخروا كثيرًا في النزول إلى الشارع بعد أن فقدوا وظائفهم ومدخراتهم وثقتهم بالسلطة، فصاروا يتعاركون من أجل علب الحليب والزيت على رفوف المتاجر.

فالاحتجاجات الشعبية نتيجة طبيعية للاحتقان السياسي في بلد يعيش على صفيح الأزمات، وسط انسداد آفاق الحلول وفشل المبادرات والمساعي من أجل تأليف الحكومة، إلى جانب الأزمات الاجتماعية والاقتصادية طبعًا، ونتيجة الفقر والعَوَز والجوع والخطاب المتشنج بين السياسيين. إلّا أن عودة التحركات إلى الشارع لم تكن معزولة عن تطورات معينة وأحداث حصلت مؤخّرًا دفعت بهذا الاتجاه.

الشارع المشتعل لم يكن بمنأى عن أجندات سياسية. كل شيء كان مدروسًا ومخططًا من الاحتجاجات التي هبّت فجأة فحضرت الدواليب، إلى التلفزيونات التي فتحت الهواء وأقفلته في وقت واحد.

 تَدَخُّلُ فريق ٨ آذار وتحديدًا "حزب الله" الذي كان واضحًا في مناطق الشويفات وصيدا والمشرفية للتأثير على ثورة ١٧ تشرين، ولأهداف سياسية متصلة بتحريك ملف التدويل والهجمة الداخلية القوية على السلاح.

اشتعل الشارع بقوة في مشهد يُشبه ثورة تشرين احتجاجًا على ضريبة الـ ٦ سنت على الواتساب في حينه، إلّا أن الأجندات السياسية كانت حاضرة بقوة، تارة بالتصويب والحصار على العهد، وتارة بالضغوط على الرئيس المكلف من أجل تقديم تنازلات في تشكيل الحكومة.

بالنسبة إلى المقربين من "التيار الوطني الحر"، سعت جهات معينة لركوب موجة الثورة لممارسة الضغوط على العهد، بالمطالبة باستقالة رئيس الجمهورية وللحصول على تنازلات في موضوع التأليف، والتأثير في موضوع التدقيق الجنائي، الذي يُصرُّ رئيس الجمهورية على إنهائه ويسلك طريقه الى التطبيق.

من جهة بيت الوسط، فالضغوط مستمرة لإجبار الرئيس سعد الحريري على تنازلات حكومية، إلّا أن الاحتجاجات بوجهها المناطقي وتعدّد الانتماءات الطائفية مرآة للوضع السيء الذي يمر به الناس.

بالمقابل حرصت مصادر "الثنائي الشيعي" على التأكيد أن لا علاقة لها بتحرك الشارع، وأنها لم توجّه مناصريها كما لم تمنعهم من التظاهر، للإيحاء بأن ما حصل في مناطقه لا علاقة له بخطاب بكركي، بدليل ضبط الاحتجاجات في محيط الضاحية حتى لا يُقَال إنها موجهة ضد بكركي.

تفسيرات القوى السياسية تذهب في اتجاهات مصالحها، لكن المؤكد أن الشارع وفق التنظيم الذي حصل لم يخرج من تلقاء نفسه ردًّا على ارتفاع الأسعار ومآسي الناس فقط، وأن هناك ترابطًا بالتأزم السياسي والملفات المتفجرة على الساحة، التي لم تعد تحتمل الانتظار.

 إذ تتوقع الأوساط السياسية المزيد من الضغوط في الشارع وصولًا إلى صيغة حكومية لمصلحة أحد الأطراف أو بالتوافق.

'تسوية جديدة بدعم فرنسي'

وتشير المعطيات المتقاطعة بين أكثر من طرف بأنّ ثمة ما يتم تحضيره على نار حامية لإعادة إحياء فرص تشكيل الحكومة بصيغة تسوية جديدة بين بعبدا وبيت الوسط، خصوصًا أنّ مصادر مقربة من دوائر الرئاسة الأولى أكدت لصحيفة "نداء الوطن" أنّ اللواء عباس إبراهيم استحصل على "موافقة رئيس الجمهورية ميشال عون على صيغة تفضي إلى تسميته 5 وزراء إضافة إلى وزير للطاشناق"، ضمن تشكيلة عشرينية تضيف على التشكيلة القديمة وزيرين، درزي وكاثوليكي، ولا يكون فيها ثلث معطل لأي طرف لوحده.

ونقلت المصادر أنّ "الجانب الفرنسي يدعم هذا الطرح الذي حمله اللواء إبراهيم للحل، وجرى تواصل هاتفي بينه وبين باتريك دوريل، كما بين الأخير ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل"، مشيرةً إلى أنّ المسؤول الفرنسي أكد أنه "على تواصل مستمر مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وينتظر جوابه بعد دراسة هذا الطرح".

'بعبدا للحريري: الحكومة لا تُشكَّل في العواصم الأجنبية'

الزيارة المرتقبة للرئيس المكلف إلى موسكو تشير إلى أن الحريري وطوال فترة تمتد أسبوعين لن يخطو أي خطوة باتجاه الحكومة، ولا في نيته التوجه نحو بعبدا للقاء رئيس الجمهورية.

 سلوك في التعاطي جعل بعبدا تجزم بما لا يحمل الشك أن "الحريري لا يريد أو لا يستطيع تشكيل حكومة"، بل هو ذهب بعيدًا بأن يشترط حصوله على ثقة نواب تكتل "لبنان القوي" ليعطي رئيس الجمهورية ميشال عون خمسة وزراء مسيحيين وألا يعطيه ثلاثة وزراء.

وتحمّل مصادر بعبدا الحريري مسؤولية تفاقم الأزمة وتقول: "إذا لم يدرك الحريري خطورة المماطلة في عدم تشكيل حكومة، فإنه يتحمّل عمدًا مسؤولية الانهيار والذهاب إلى الفوضى، وعليه أن يفهم أن الحكومة لا تشكل في عواصم الدول الأجنبية"، لتسأل: "ما معنى أن يحدد بعد أسبوعين زيارة لموسكو سوى أنه يقول بوضوح لا حكومة قبل أسبوعين وهو في هروبه إلى الأمام سيجد كل يوم عذرًا جديدًا".

(ح)

ANHA