بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي.. ماذا سيتغير؟

طوت بريطانيا مع بداية هذا العام، صفحة نحو نصف قرن، وأصبحت خارج الاتحاد الأوروبي، فما بين الآمال بتحقيق مكانة أقوى في العالم، وخسارة الامتيازات الأوروبية، ينتظر الجميع تداعيات ذلك على السياسة العالمية، وخصوصًا مع الاستعجال البريطاني بالتحركات المستقلة وأبرزها الاتفاقية التجارية مع تركيا والعقوبات على دمشق.

بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي.. ماذا سيتغير؟
الأحد 17 كانون الثاني, 2021   04:48
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

طغت على وسائل الإعلام العالمية خلال السنوات الماضية كلمة "بريكست" عند الإشارة إلى قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي تحلم دول كثيرة بالانضمام إليه، فما هي القصة؟

وتعبير بريكست هو اختصار للكلمتين الإنكليزيتين ( British Exit) واللتين تعنيان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

'أجواء تشكل الاتحاد الأوروبي'

بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، سعت الدول الغربية إلى التخلص من الخلافات الداخلية عبر تشكيل قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، وتلاقى ذلك مع رغبة الولايات المتحدة الأميركية في إيجاد اتحاد يعيق هيمنة الاتحاد السوفيتي.

/ar/uploads/files/2021/01/17/065237_khrwj-brytanya.webp

ويعود تأسيس أول تجمع أوروبي إلى 18 أبريل/ نيسان 1951 عندما اتفقت ست دول أوروبية -هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا– على تشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب لتتحول بعد ذلك عام 1957 إلى المؤسسة الاقتصادية الأوروبية، وهذا التغيير هو الذي شكل عماد الاتحاد الأوروبي لاحقًا.

'انضمام بريطانيا ورفض ألمانيا لذلك'

وبعدها بدأت الدول الأوروبية بالانضمام إلى هذه المجموعة، إلا أن ألمانيا ونتيجة للعداء التاريخي رفضت مرتين انضمام بريطانيا إلى الاتحاد.

وفي العام 1973، انضمت كل من بريطانيا والدنمارك وإيرلندا وجبل طارق، بعد أن وافقت الدول الأعضاء على انضمام هذه الدول، وكان هذا في ظل حكومة المحافظين بقيادة إدوارد هيث.

وبتاريخ 7 شباط / فبراير 1992، تم توقيع معاهدة ماسترخت التي أنشأت ما يطلق عليه اليوم اسم "الاتحاد الأوروبي".

'ندم على الانضمام.. تململ من الالتزامات المالية وبحث عن استعادة الأمجاد'

وفي 16 أيلول /سبتمبر 1992، اضطرت لندن لسحب الجنيه الاسترليني من آلية الصرف الأوروبية، في يوم أطلق عليه اسم "الأربعاء الأسود"، تعرض فيه الجنيه لضربة اقتصادية قوية، واضطرت الحكومة لاتخاذ اجراءات قاسية.

وعلى الرغم من تفرد بريطانيا بالكثير من الاستثناءات والامتيازات الأوروبية التي لم تحصل دول أخرى عليها، كان واضحًا وبعد عامين فقط من الانضمام، أن الكثير من السياسيين وأفراد الشعب البريطانيين لم يكونوا راضين عن الانضمام للأوروبيين.

ومع قدوم حزب المحافظين من جديد بقيادة مارغريت تاتشر، تململت بريطانيا من بعض القوانين الأوروبية، وخاصة العملة الأوروبية المشتركة، وبحسبهم، فإن العملة البريطانية (الباوند) لا يمكن أن تختفي مقابل استخدام اليورو.

واستغلت الأحزاب المطالبة بالخروج وعلى رأسها حزب الاستغلال، إمكانية دخول ملايين الاتراك والألبان إلى بريطانيا بحال انضمام تركيا وألبانيا وغيرها من دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد، وكان يخطب دائمًا مناديًا باستعادة أمجاد بريطانيا.

الكثير من البريطانيين كانوا يتمنون الخروج من الاتحاد الأوروبي هربًا من الالتزامات المالية التي تدفعها بريطانيا كل سنة للاتحاد، ومن الدعم المالي والصحي والسكن المدفوع للأوروبيين الذين يعيشون على أراضيها.

/ar/uploads/files/2021/01/17/065046_akrm-alqsas.webp

وحول ذلك قال الكاتب والمحلل السياسي المصري، أكرم القصاص: "بدأت فكرة الخروج من الاتحاد الأوربي بضغوط من البريطانيين الذين رأوا أن بريطانيا لا تكسب من الوجود داخل الاتحاد بقدر ما تخسر، وأن بنود مثل حرية التنقل والعمل بين دول الاتحاد تتسبب في أن تستقبل بريطانيا الآلاف من دول شرق أوروبا السابقة أو من دول الاتحاد ينافسون البريطانيين على فرص العمل ويضرون بالاقتصاد، ولهذا فقد بدأت مطالب منذ عشر سنوات للخروج وتصور رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون أنه في حال أجري الاستفتاء سوف يرفض البريطانيون لكن النتيجة جاءت لصالح المغادرة".

الاستفتاء المفاجئ

وأطلق رئيس حزب المحافظين ديفيد كاميرون في 23 كانون الثاني / يناير عام 2013، تعهدًا بإجراء استفتاء على البقاء أو الانسحاب من الاتحاد بحال فوزه.

وعندما حصل ذلك فعلًا، وأصبح رئيسًا للحكومة كان عليه أن يفي بوعوده، إلا أنه حاول إقناع البريطانيين بأن البقاء ضمن الاتحاد أفضل، وذلك عبر توقيع اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي للحصول على مزيد من الخصوصية والاستقلالية، إلا أنه لم يفلح بل على العكس تزايدت المطالبات بالخروج من الاتحاد.

وبعد ذلك، اضطرت حكومة كاميرون لإطلاق الاستفتاء الشهير على الانسحاب من الاتحاد بتاريخ 23 حزيران / يونيو 2016، والذي كانت نتائجه صادمة للقادة الأوروبيين، حيث صوتت بريطانيا للخروج من الاتحاد بنسبة 51.89%، مقابل 48.11% لصالح البقاء.

النتائج كانت صادمة أيضًا لكاميرون الذي قدّم استقالته في اليوم التالي، معلنًا أنه لا يريد أن يكون رئيس وزراء الحكومة التي ستخرج بلاده من الاتحاد، لتستلم رئاسة الحكومة خلفًا له وزيرة الداخلية تيريزا ماي.

وفي 29 آذار/ مارس 2017، قامت تيريزا ماي بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، لتنطلق عملية الخروج بشكل رسمي.

'محاولات وجولات عديدة فاشلة'

وكان من المقرر أن يحصل بريكست (أي أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) في الـ 29 من آذار / مارس 2019، ولكن موعد بريكست أجّل مرتين.

وكان الاتحاد الأوروبي والحكومة البريطانية توصلا في تشرين الثاني / نوفمبر 2018 إلى اتفاق، ولكن نواب مجلس العموم البريطاني رفضوه ثلاث مرات.

في 23 تموز / يوليو 2019، اختار حزب المحافظين بوريس جونسون المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 31 تشرين الأول / أكتوبر مع أو بدون اتفاق، لخلافة تيريزا ماي في رئاسة الحكومة.

وأقرّ مجلس العموم في 19 تشرين الأول /أكتوبر تعديلًا يلزم الحكومة التفاوض مع بروكسل على إرجاء الموعد المقرّر لخروج المملكة من الاتّحاد الأوروبي في 31 من الشهر ذاته، وهو ما سارع رئيس الوزراء بوريس جونسون إلى رفضه.

وبأغلبية 322 صوتًا مقابل 306 وافق النواب على التعديل الذي قدّمه النائب أوليفر ليتوين، والذي ينصّ على أنّه في حال لم تتمّ المصادقة رسميًّا على الاتفاق، فإنّ هذا الأمر يفعّل بشكل تلقائي قانونًا سبق أن أقرّه البرلمان يلزم رئيس الوزراء أن يطلب من الاتحاد الأوروبي تأجيل موعد بريكست ثلاثة أشهر.

وقال جونسون عقب هذا التصويت-النكسة "لن أتفاوض مع الاتحاد الأوروبي على تأجيل (موعد بريكست) والقانون لا يلزمني بذلك".

وأشاد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بموافقة البرلمان على اتفاق خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، وقال: "لقد فعلناها"، مضيفًا -بحسب ما نقلت عنه مجلة "بولتيكو"، في نسختها الأوروبية: "الآن يمكننا وضع الضغائن والانقسامات التي سادت على مدار السنوات الثلاث الماضية وراء ظهورنا".

وأوضح جونسون -في تصريح عقب تمرير مشروع قانون اتفاق الانسحاب في مجلسي العموم واللوردات البريطانيين: "لقد شعرنا في بعض الأحيان بأنه لا يمكننا أبدًا عبور خط النهاية فيما يتعلق بالبريكست، ولكننا نجحنا".

ووقّعت ملكة بريطانيا، إليزابيث الثانية، 23 كانون الثاني / يناير عام 2020، على التشريع الخاص بانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لتحصل الوثيقة رسميًّا على صفة القانون.

ومع نهاية العام، أصبحت بريطانيا أول دولة تغادر الاتحاد الأوروبي لتنهي بذلك علاقة صاخبة استمرت 47 عامًا، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من الانقسامات والتقلبات.

"تداعيات خطيرة لن تظهر بسرعة"

وبخصوص تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، قال القصاص: "خروج بريطانيا لا يمثل أزمة للمملكة المتحدة وحدها، لكنه يشكل اختبارًا لأوروبا كلها، لأن نجاح بريطانيا، يمكن أن يشجع دولًا أخرى على الخروج وتفكيك الاتحاد الأوروبي بدولِهِ الـ 28، وظل الاتحاد يتشكل منذ 1957 حتى «اتفاقية ماستريخت» عام 1992، مما يساهم في إعادة رسم خرائط النفوذ بالعالم، وبالطبع فإن خروج بريطانيا سيكون له تأثيرات على بريطانيا وأيضًا على شكل العلاقات مع أوروبا، فيما يتعلق بالاقتصاد والتجارة والتنقل، لكن فيما يتعلق بالسياسات العسكرية والدولية بريطانيا ماتزال ترتبط بحلف شمال الأطلنطي وأوروبا".

أما بعد الخروج من الاتحاد الأوربي يرى قصاص أن "هناك تداعيات اقتصادية واجتماعية فضلًا عن تأثيرات جائحة كورونا، وكلها عوامل تؤثر في السياسات البريطانية، ولا يمكن الحكم على نتائج مغادرة الاتحاد قبل شهور، وإن كان البريطانيون يواجهون أزمات في التنقل والسفر بعد تغيير نظام السفر وأصبح البريطانيون بحاجة لعقد اتفاقات مع كل دولة على حدة".

وأوضح أنه "ستكون هناك العديد من القواعد الجديدة للمسافرين المتجهين من المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي - بما في ذلك شرط الحصول على تأشيرة من العام المقبل، ودفع 6.35 جنيه إسترليني للحصول على إعفاء جديد من تأشيرة Etias لدخول أوروبا في عطلة، يمكن للمسافرين التقدم بطلب عبر الإنترنت للحصول على التصريح، والذي سيستمر لمدة تصل إلى ثلاث سنوات أو حتى انتهاء صلاحية جواز السفر".

/ar/uploads/files/2021/01/17/065026_bhaa-alawam.webp

وبدوره رأى الصحفي والمحلل السياسي السوري بهاء العوام، في السياق ذاته: "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو واحد من عدة متغيرات طالت السياسة العالمية خلال العشرية الثانية من الألفية الجديدة، وهي متغيرات لن يظهر تأثيرها بسرعة بسبب ارتباطها بعوامل كثيرة على رأسها هيمنة وباء كورونا على الخطط الحكومية والخاصة، وثم علاقة القوى الكبرى ببعضها، وعلاقتها بالأزمات المنتشرة في العالم".

"الاستقلال والعزف المنفرد".. أهداف سعى إليها البريطانيون'

وحول أهداف بريطانيا من الخروج، قال العوام: "في جميع الحالات كان هدف بريطانيا من الخروج هو الاستقلال عن الاتحاد الأوروبي، ليس بمعنى التحرر من اضطهاد كانت تعيشه المملكة المتحدة تحت راية التكتل، وإنما بمعنى الرغبة الإنجليزية في عزف منفرد قد يجعل البلاد أكثر قوة وتأثيرًا وانفتاحًا".

وأعقب ذلك، بعض الخطوات البريطانية المستقلة، حيث وقّعت تركيا وبريطانيا اتفاق تجارة حرة لضمان استمرار التبادل التجاري بين البلدين بعد خروج بريطانيا من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى توقيع اتفاق تجاري مع الاتحاد نفسه.

وحول ذلك قال القصاص: "المصالح هي التي تحكم السياسات الاقتصادية والتجارية، وبالطبع لدى بريطانيا الكثير من الاتفاقات مع دول العالم وعلاقاتها التجارية ستكون ثنائية تحكمها مصالح بريطانيا، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك منافسات وحروب تجارية بين دول العالم، الصين لها تأثير كبير على العالم كله، وقد سعى الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب لمواجهة مع الصين تجاريًا".

وأضاف: "بالنسبة لبريطانيا، عليها أن تعقد اتفاقات مع دول العالم بعد أن كانت لديها ارتباطات بالاتحاد الأوربي قبل الخروج، وكل هذا مرتبط بالمنافسة والتجارة الدولية".

قصاص أوضح في هذا السياق أن "جونسون نجح في تمرير الاتفاق التجاري مع بروكسل وترتيبات ما بعد الخروج، ومع أنه لا يختلف كثيرًا عن الاتفاق الذي فشلت تيريزا ماي في تمريره، إلا أنه نجح في الحصول على موافقة البرلمان على قانون يعيد رسم علاقات المملكة المتحدة مع أوروبا بشكل جذري، حيث تم استدعاء البرلمان لجلسة طارئة لمدة يوم واحد، للموافقة على اتفاقية التجارة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، والتي أبرمها جونسون ورئيسة المفوضية الأوروبية، أورسوا فون دير لاين، عشية عيد الميلاد.

وتابع: "بالطبع هذا جزء من سياسات بريطانيا، وقد أعلن بوريس جونسون أن بلاده سوف تسعى لعقد اتفاقات تجارية مع دول العالم، ولم تعد بريطانيا ملتزمة باتفاقات الاتحاد الأوروبي، ولها سياستها الخاصة، لكن فترة ما بعد بريكست سوف تكشف عن مشكلات مختلفة سيكون على الحكومة البريطانية محاولة حلها".

بريطانيا قسّمت الشرق الأوسط.. فهل تعود؟

وحظيت منطقة الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بمكانة هامة في سياسة الإمبراطورية البريطانية.

وتوصف بريطانيا بأنها هي من رسمت حدود الشرق الأوسط وقسمت بلدانه، وذلك من خلال اتفاقية سايكس بيكو المشهورة عام 1916، والتي كانت اتفاقًا وتفاهمًا سريًّا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى.

وكان مارك سايكس يمثل انكلترا في فريق المفاوضات الأنجلو فرنسي الذي كان يجري نقاشات حول الطريقة التي ستقتسم فيها حكومتا انكلترا وفرنسا منطقة الشرق الأوسط بعد هزيمة العثمانيين.

وكانت نتيجة تلك المفاوضات، عقد اتفاقية سايكس بيكو، التي رسمت الحدود في منطقة الشرق الأوسط وأنشأت مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية.

 وتعرض هذا الاتفاق السري، الذي وضعت بداياته في منتصف الحرب العالمية الأولى وبموافقة روسية، إلى الكثير من الانتقادات لأنه تجاهل مصالح شعوب المنطقة وكان يتناقض مع الوعود التي قطعت للقادة المحليين.

ومنذ تغير النظام الدولي بنهاية الحرب العالمية الثانية، بدأ التأثير البريطاني يشهد تراجعًا تلو الآخر في الشرق الأوسط، فكانت النتيجة أنه دخل في تبعية مطلقة للسياسة الأميركية، وغرق في وحل التدخلات العسكرية الأميركية في الخليج، ثم في كوسوفو وأفغانستان، وصولًا إلى المشاركة في الاجتياح الأميركي للعراق والتدخل العسكري في ليبيا عام 2011.

وسعت بريطانيا إلى التدخل في سوريا، إلا أن البرلمان البريطاني في آب / أغسطس عام 2013رفض ذلك، ومن التحركات البريطانية المستقلة بعد الخروج، إعلان بريطانيا نقل العقوبات الأوروبية المفروضة على حكومة دمشق، لتكون ضمن نظام عقوبات مستقل وخاص بها، قابل للتحديث والإضافة بشكل مستمر.

وحول هذا الدور في الشرق الأوسط، قال العوام: "عمومًا ستحرص بريطانيا على علاقات جيدة مع دول الخليج، ولن تتدخل في أزمات المنطقة العربية إلا في إطار تفاهمات مع أميركا والاتحاد الأوروبي، فحلحلة هذه الأزمات لن يشكل أولوية بالنسبة للمملكة المتحدة في السنوات الأربع المقبلة، وهناك أولويات كثيرة على أجندة لندن، معظمها اقتصادية".

ويتفق القصاص مع العوام قائلًا: "يتوقع أن تشهد بريطانيا تغيرات بعد الخروج ويتحدد مصير لبوريس جونسون بناء على النتائج المتوقعة للبريكست، وتنشغل بريطانيا بترتيبات ما بعد الخروج قبل أن تغير من تأثيراتها في القضايا الدولية".

وتابع القصاص: "أما موقفها من سوريا أو العلاقات مع تركيا فهي جزء من سياساتها الخارجية التي لم تتغير فدائمًا كانت بريطانيا منخرطة في سياسات حلف الناتو تجاه القضايا الدولية، فقد دعمت قصف ليبيا لإسقاط القذافي، كما ساهمت في مساندة ما يسمى المعارضة السورية، والتي أسفرت عن حروب بالوكالة وظهور داعش، ولا يتوقع أن تغير بريطانيا من سياساتها تجاه الشرق الأوسط وإن كانت تتراجع مع السياسات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة لصالح دور أوسع لروسيا والصين تجاريًّا وسياسيًّا".

"مستقبل بريطانيا بين المكانة العالمية والتفكك"

وحول مستقبل الدور البريطاني، قال العوام: "من وجهة نظري لم تكن بريطانيا يومًا مهمشة في السياسة الدولية، وإنما تغير شكل تأثيرها على هذه السياسة، وتغيرت خططها في التأثير إن جاز التعبير، المملكة المتحدة إن سارت الرياح بما تشتهي سفن المحافظين في طلاق لندن وبروكسل ستعزز من مكانتها العالمية، وإن لم يحدث ذلك ربما تتعرض إلى الانقسام والتفكك إلى ثلاثة دول". 

وأوضح في هذا السياق "المملكة المتحدة اليوم تنسج علاقاتها الخارجية بما يتلاءم مع مصالحها الخاصة، مع مراعاة توجهات حلفائها قدر الإمكان، فنراها مثلا تعزز علاقاتها مع تركيا بينما تمر علاقة أنقرة وبروكسل بمرحلة من التوتر والبرود، وتقف مع الأوروبيين في موقفهم إزاء الملف النووي الإيراني، رغم أن إدارة دونالد ترامب لا يعجبها ذلك".

وأضاف: "برأيي الخاص لن تحرص لندن على مراعاة مصالح حلفائها، إلا إذا اضطرت أو خدمها ذلك بطريقة أو بأخرى، وبشكل عام أعتقد أن السياسة البريطانية خلال السنوات القليلة المقبلة ستقوم على التصالح والتعاون مع دول العالم أكثر من الانجرار وراء خصومات وتحالفات دولية لا طائل منها، أو ستضر بمصالحها على المدى الطويل". 

وبدروه يرى القصاص في السياق ذاته "خروج بريطانيا يمثل تحولًا كبيرًا في الاتحاد الأوربي وبالطبع في سياسات أوروبا، ولا يتوقع أن يتزايد دور بريطانيا في السياسات الدولية، لأن بريطانيا كانت دائمًا لديها سياساتها الخاصة في الأزمات، وظلت تتبع الولايات المتحدة بشكل كبير في مواقفها من غزو العراق وما بعد 11 سبتمبر، حيث انخرط توني بلير في سياسات جورج دبليو بوش الابن وحتى التدخل من حلف الأطلنطي في ليبيا وإسقاط القذافي".

وأردف: "بشكل عام فإن الدور الأوروبي اليوم ليس هو نفسه قبل 20 عامًا، فقد أثّرت أزمات اللاجئين والتنوع السياسي والعولمة في تغيير سياسي أدى إلى ظهور اليمين الأوربي الذي نجح في التأثير بالسياسات تجاه اللاجئين أو حتى الانخراط في الاتحاد الأوربي".

وأضاف: "بالطبع حدثت تمايزات في المواقف، لكن بريطانيا نفسها فقدت الكثير من نفوذها منذ بداية القرن العشرين، مع حركات الاستقلال، في حين صعّدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بعد الحرب الثانية، وظلت بريطانيا جزءًا من المعسكر الأميركي الغربي طوال الحرب الباردة وما بعدها".

القصاص لا يتوقع أن تتغير السياسات البريطانية كثيرًا فيما يتعلق بالسياسات الخارجية ويرجع ذلك إلى أن "هذه السياسات ترتبط بحلف شمال الأطلنطي والسياسات الأوربية التي هي سابقة على الاتحاد الأوربي، ودول "الناتو" مرتبطة بسياسات الدفاع المشترك وأيضًا التنسيق الأمني والعسكري والاستخباري".

واختتم القصاص حديثه قائلًا: "بالطبع فإن بريطانيا ستظل أحد الدول الكبار في مجلس الأمن، أما فيما يتعلق بالعلاقات الثنائية أو الاقتصادية فإنها ترتبط بمصالح بريطانيا، وقد أعلن بوريس جونسون رئيس الوزراء في أول حديث له بعد الخروج حث الشركات البريطانية على -التفكير عالميًّا والتفكير بشكل أكبر- بشأن آفاق التجارة، معربًا عن إصراره على أن -مبالغ كبيرة من المال- تعود إلى المملكة المتحدة الآن، حيث لم تعد الدولة تساهم في ميزانية بروكسل وحول فوائد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قال -لدينا فرصة هائلة لتوسيع آفاقنا والتفكير بشكل عالمي ومتسع".

(ح)

ANHA