انطلاق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.. و"الثنائي الشيعي" يسجل أول اعتراضاته

بعد أيام من تراجع رئاسة الجمهورية اللبنانية عن التفاهمات المبرمة مع "الثنائي الشيعي" حيال تمثيله في الحكومة بصفته السياسية المباشرة والمفترض أنها ثابتة، سجل "حزب الله" و"حركة أمل" اعتراضهما على تشكيل الوفد اللبناني المفاوض لترسيم الحدود البحرية بالصيغة التي وردت، وضمه لشخصيات مدنية.

انطلاق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.. و"الثنائي الشيعي" يسجل أول اعتراضاته
الأربعاء 14 تشرين الأول, 2020   07:19
بيروت – زياد أبو غزالة

انتهى الاجتماع الأول لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في مقر قيادة قوات "اليونيفل" في الناقورة، بوساطة الولايات المتحدة الاميركية ممثّلة بمساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر، ورعاية الأمم المتحدة ممثّلة بمنسّقها الخاص في لبنان يان كوبيتش.

وأكدت مصادر دبلوماسية أن "الوفد الأميركي المشارك في الجولة الأولى من المفاوضات يتألف من 7 أشخاص، والوفد اللبناني يتألف من 4 أشخاص، وهو فريق التفاوض المشكل من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون برئاسة العميد الركن بسام ياسين، أما الوفد الإسرائيلي فيتشكل من 6 أشخاص برئاسة مدير عام وزارة الطاقة، ويتشكل وفد الأمم المتحدة من 3 أشخاص".

وركز رئيس الوفد اللبناني في كلمته، على العناوين التي وردت في بيان بعبدا حول الترسيم البحري وفق خط بوليه- كومنب والدراسة التي أعدتها قيادة الجيش، كما شكر العميد ياسين الأمم المتحدة على الاستضافة والوسيط الأميركي على دوره المسهل، متحدثاً عن جهود رئيس الجمهورية ميشال عون وقيادته للمفاوضات وجهود رئيس مجلس النواب نبيه بري ومتابعة قائد الجيش جوزيف عون.

وقال ياسين: "نحن هنا لنناقش ونفاوض حول ترسيم حدودنا على أساس القانون الدولي ونتطلع لقيام الأطراف الأخرى بما يتوجب عليها من التزامات مبنية على تحقيق متطلبات القانون الدولي".

وأفاد مصدر عسكري لبناني أن جولة ثانية من المفاوضات ستعقد في 28 تشرين الأول الحالي، بعد اتصال جرى بين قيادة الجيش اللبناني والرئاسة اللبنانية للموافقة على التاريخ.

وكان الاجتماع قد عقد عند العاشرة والنصف من صباح الأربعاء وامتد لنحو ساعة.

"الثنائي الشيعي" يرفض تشكيلة الوفد اللبناني المفاوض"

ولم يَستسغ "حزب الله" خطوة القصر الجمهوري بضم شخصيات تقنية إلى الوفد العسكري المكلّف بتولي مفاوضات ترسيم الحدود غير المباشرة، عندما قرّر القصر تعميم أسماء أعضاء الوفد عبر الإعلام، نُصح بضرورة وضع الحزب في صورة الأسماء التي وقع الاختيار عليها، كونها ضمّت وجوهاً مدنية، ما يخالف التفاهم المبرم بين الجانبَين، لكن القصر تجاهل كل ذلك ومضى في الخطوة غير مكترث لطبيعة "الفيتو الشيعي".

وقبل انطلاق المفاوضات أصدر "حزب الله" و"حركة أمل" بياناً أشارَا فيه إلى أن "اتفاق الإطار الذي أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه بري حول مفاوضات ترسيم الحدود قد أكد في مقدمته على الانطلاق من تفاهم نيسان عام 1996 ومن القرار 1701 واللذين على أساسهما تعقد اجتماعات دورية بين ضباط عسكريين حصراً".

واعتبر البيان، أن "تشكيل الوفد اللبناني بالصيغة التي وردت وضمه لشخصيات مدنية، مخالف لاتفاق الإطار ولمضمون تفاهم نيسان، وبالتالي إن موقف "الحركة" و"الحزب" وانطلاقاً من التزامهما بالثوابت الوطنية ورفضهما الانجرار إلى ما يريده العدو الإسرائيلي من خلال تشكيلته لوفده المفاوض، والذي يضم بغالبيته شخصيات ذات طابع سياسي واقتصادي، يعلنان رفضهما الصريح لما حصل واعتباره يخرج عن إطار قاعدة التفاهم الذي قام عليه الاتفاق، وهو ما يضر بموقف لبنان ومصلحته العليا، ويشكل تجاوزاً لكل عناصر القوة لبلدنا، وضربة قوية لدوره ولمقاومته وموقعه العربي ويمثل تسليماً بالمنطق الإسرائيلي الذي يريد أي شكل من أشكال التطبيع" بحسب ما جاء في البيان.

استياء "حزب الله" وصل إلى أرفع مستوى في هرم القيادة لديه، المسألة لم تعد قضية عادية، لكونها متصلة بمفاوضات مع كيان يدفع لأن يعطيه طابعاً سياسياً يطمح من ورائه إلى "حشر الحزب" في الزاوية، لذا يتحتم على "حزب الله" اتخاذ موقف، بناء عليه، جرى فتح الخطوط مع عين التينة لتنسيق الخطوات المقبلة.

وفي المقابل، نأت قيادة الجيش اللبناني بنفسها عن الصراع، وقالت مصادر عسكرية إنها "رفعت لائحة أسماء إلى قصر بعبدا الذي اختارَ منها، وعليه بات دور الجيش محصوراً بشق تقني وليس ببتّ أسماء الوفد فهذه صلاحية الرئيس".

هل تعديل الوفد وارد؟

وانتهى الاجتماع الأول لترسيم الحدود البحرية، وحُدّدت جولة ثانية من المفاوضات في الثامن والعشرين من أكتوبر الجاري. لكن هل تعديل الوفد ما زال واردًا؟

وفي هذا السياق، يقول وزير الخارجية شربل وهبة إن "لبنان يحتاج في هذه المفاوضات إلى الصبر، وعدم استفزاز أميركا، كما أنه يجب ألاّ ينجرّ إلى الاستفزاز الإسرائيلي له خلال المفاوضات، وهنا يأتي دور الخبراء في الرد الموضوعي الهادئ على كل ما تطرحه إسرائيل".

ويشير وهبة إلى تسريب الاقتراحات التي طُرِحت قبل تشكيل الوفد، بأن يضم مستشارين سياسيين أو دبلوماسيين، ويقول: "لكن القرار انتهى الأسبوع الماضي إلى الإبقاء على الصفة التقنية والعسكرية للوفد، وإن تعديل تركيبة الوفد اللبناني ممكن في حال تطورت المفاوضات إلى ما يُرضي لبنان ولا يزعج أميركا، ليتلاءم مع التطورات الحاصلة، لكن ضمن مسار التفاوض التقني والقانوني وليس السياسي".

ماذا يعني تطعيم الوفد بسياسيين؟

وقال الخبير في القانون الدولي الدكتور شفيق المصري إن "هذه المفاوضات حسب القانون الدولي يمكن أن تحصل، إذ تتناول شأناً غير سياسي، بل عسكري واقتصادي، وهذا الأمر متّفق عليه، وبالتالي أي مفاوضات غير سياسية، لا تستتبع اعترافاً بالدولة المفاوضة، كما لا تستتبع علاقات سياسية"، مذكّراً بـ "لجنة الارتباط الملحقة بالقرار 1701 التي تضم مندوبين عسكريين لبنانيين وإسرائيليين".

وفي السياق، شدّد المصري على ضرورة "تأكيد الوفد اللبناني لتقنية المفاوضات، والوفد حتى الآن حريص على أن تبقى في الإطار العسكري والأمني"، لافتاً إلى "محاولات إسرائيل تطعيم وفدها بسياسيين، من أجل رفع مستوى التفاوض من الجهة اللبنانية، وبالتالي إلغاء اتفاق الهدنة الذي يُعمل به، والانتقال إلى مرحلة التفاوض المباشر".

كما حذّر المصري من "أي تغيير قد يطرأ على الوفد اللبناني لناحية ضم أي مندوب مدني، كممثل عن رئيس الجمهورية أو ما شابه، قد يكون فخاً يقع فيه لبنان من أجل تحوير المفاوضات عن هدفها الأساسي، والذهاب باتجاه الاعتراف السياسي"، مشيراً إلى أن "الوفد الحالي هو تقني بالكامل، حتى الآن، رغم أنه يضم عضو هيئة قطاع البترول وسام شباط".

وشدد المصري على "وجوب عدم اعتماد الخط الأزرق كخط حدود، إذ إنه خط انسحاب، كما أن الترسيم البحري سيتم وفق قاعدة معيّنة، ربما الخط المستقيم الذي اعتمدته الأمم المتحدة سابقاً في حل نزاعات مشابهة، ورغم أنه قد يكون حصل اتفاق مسبق بين رئيس مجلس النواب نبيه بري من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، إلّا أن المفاوضات قد تأخذ سنوات وسنوات".

"توقيت المفاوضات!"

نقطة ضعف لبنان أنّه يفاوض وهو في الوضع الأسوأ مالياً واقتصادياً وسياسياً، فكيف سيقول "لا" للأميركيين على الطاولة، فيما طاقمه السياسي مكشوف على الفضائح، وفيما هم يمسكون بكل دولار يمكن أن يأتيه من جهة مانحة وبقطاعه المصرفي وبقدراته الأمنية والعسكرية واستقراره السياسي؟

يعيش لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية بين 1975 و1990، فانهارت عملته، وانهار القطاع الصحي بفعل عوامل جائحة "كورونا" وارتفاع عدد الإصابات والوفيات، إضافة إلى كارثة انفجار مرفأ بيروت، وما تبعه من "انفجارات وحرائق عرضية"، ما جعله بحاجة ماسة للسيولة من المانحين الأجانب، خاصة بعد تعثر مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي.

"ترسيم الحدود وطريق الحكومة الجديدة!"

في الوقت الذي يتحلّق الوفدان اللبناني والإسرائيلي المكلّفان ترسيم الحدود البحرية في مقر (اليونيفيل) في الناقورة، حول الراعي الأميركي ومعه الشاهد الأممي، سيكون اللبنانيون في انتظار ما ستؤول إليه مبادرة الرئيس سعد الحريري الذي تَطوّع لتشكيل الحكومة الجديدة.

تبقى عين اللبنانيين على المحطة الجنوبية، والأخرى على محطة داخلية مفصلية تُنبئ بإمكان إضاءة نور خافت في نهاية النفق الحكومي الأسود، ليقرأ اللبنانيون ما ينتظرهم في الأيام المقبلة.

 فإمّا إشارة واضحة إلى بداية الخروج من النفق إلى نور الحل، وإمّا المزيد من رفع الحواجز والسدود أمام كل المخارج الإقليمية والدولية التي رُسِمت للبنان، لإخراجه من ذيول النكبة التي حلت ببيروت والنفق الاقتصادي والاجتماعي المظلم.

يقول أحد المطلعين: إنّ تلميع صورة الحريري الابن في لحظة انطلاق المفاوضات، لا يحمل فقط الطابع المحلي، بل يوحي بأنّ هناك قوى دولية وإقليمية تريده وريثاً للدور الذي عمل له الحريري الأب، طوال سنوات، ورحل قبل أن يتحقق، وهو التسوية في الشرق الأوسط.

عند هذه النقطة يصبح منطقياً طرح السؤال عن لغز الدخول المفاجئ للرئيس سعد الحريري على خط تأليف الحكومة، وسط صمت دولي وعربي، فيما كانت الطروحات كلها حتى اللحظة تقضي بنبذ الحريري وسائر القوى السياسية وإقصائها عن مواقع القرار، وتشكيل حكومة مستقلين.

في الانتظار، ثمة مَن يرى أيضاً أنّ تلميع اسم الحريري قد يكون إحدى الإشارات إلى بداية تقاطع، على خط العلاقة الأميركية - الإيرانية، سيتبلور بعد انتهاء الانتخابات في واشنطن، ومن مصلحة أركان تسوية 2016 أن ينعشوا الحريري تمهيداً لإنعاشها.

وهكذا، تبقى مسيرة الحريري بين التكليف والتأليف رهينة الوقت، وفي موازاة مفاوضات الترسيم في الناقورة، ستدور مفاوضات لترسيم الحدود عند مثلث الطوائف (باسيل- بري- الحريري).

(ح)

ANHA