الـ 13 من تشرين الأول ذكرى مظلمة لا يمكن نسيانها

إننا نعيش ونواصل حياتنا تحت تأثير كل حدث شهدناه خلال حياتنا. في بعض الأحيان يبدو حتى أن الأشياء والأغراض التي كانت معنا لا تريد لتلك الذكريات أن تمحى من ذاكرة الناس.  فعلى سبيل المثال لا يمكن للمرء أن يمحو مشهد الثياب الممزقة، ولا أشلاء الأجساد التي مزقتها القذائف. ومهما فعلت لن تنسى بقايا آثار الدماء التي التصقت بآلة التصوير، وحتى إذا نظفتها فإنك لن تستطيع محوها.

الـ 13 من تشرين الأول ذكرى مظلمة لا يمكن نسيانها
الثلاثاء 13 تشرين الأول, 2020   02:53
مركز الأخبار- روجبين آكين

يقول أحد المصورين الحربيين "كل شيء يحدث لكم في ساحة الحرب لا يحتاج إلى وسيط يتحدث عنه. إنه مشهد المعاناة الكبرى، والاضطهاد والقهر. حبذا لو رأى كل شخص بأم عينيه ماذا يفعل الفوسفور الأبيض بوجه الطفل، مدى الألم الذي تحدثه مجرد طلقة واحدة في جسد الإنسان، وأي معاناة تحدثها قذيفة مدفعية حين تصيب شخصاَ وتفصل ساقه عن جسده. لو أن كل شخص رأى هذا الألم ولو لمرة واحدة في حياته، لكانت كافية حتى يدرك إن لا شيء يستحق قتل شخص واحد، فما بالك بآلاف الأشخاص".

ولكن حبذا لو أدرك كل شخص الويلات التي تسببها الحروب دون أن يجرب كل هذه الآلام.

ذاكرة الإنسان التي لا تنسى

مضى عام كامل. هناك مقولة تقول ’إن الزمن يفعل كل شيء، أو ينساه‘ ولكن هذه الجملة في الحقيقة هي مجرد أمنية. أو أن الإنسان ربما يدعي النسيان. فقوة ذاكرة الإنسان تطغى على الزمن، وأنا أصدق هذه الحقيقة. أنا أؤمن بمنطقة الشعور التي تكمن بين الماضي والمستقبل، وتترنح بين المنطقتين.

إن عدم النسيان هو الذي يجعلنا نحفظ ونتذكر الأشياء حتى آخر أيام عمرنا. نحن موجودون بسبب ذاكرتنا. ولذلك فإن على الإنسان ألا ينسى. ورغم لحظات التذكر لحظات صعبة ويسبب للإنسان ألما لا يمكن تعريفه، ومع ذلك يجب ألا ننسى. يجب أن يعتاد الإنسان على العيش معها. لأن عدم النسيان هو بمثابة عبرة لأولئك الذين يعتقدون أن الزمن كفيل بنسيان كل شيء، وأنهم سوف ينالون جزاءهم يوماً ما.

آثار الحرب

13 تشرين الأول 2019 اليوم الخامس من هجمات دولة الاحتلال التركي على شمال شرق سوريا/ روج آفا كردستان. تحولت واشو كاني عاصمة الميتانيين، أسلاف الكرد، والتي تسمى اليوم سري كانيه لهدف لهجمات الاحتلال منذ الـ 9 من تشرين الأول. كانت المدينة تتعرض للقصف جواً وبراً من قبل ثاني أكبر جيش في حلف الناتو. مجموعة من الأشخاص على ظهور الدواب ويحملون بأيديهم السيوف عاهدوا على قطع رؤوس الناس والسرقة والنهب كانوا قد بدأوا المسير براً ويتجهون إلى هناك.

المدن التي كانت مستهدفة لاحتلالها كانت سري كانيه وكري سبي ولكن القصف لم يكن يطالهما فقط بل كان القصف يطال كل المدن المحاذية للحدود التركية باستخدام قذائف الهاون والطائرات الحربية والطائرات المسيرة. من قامشلو وحتى كوباني من كل الأماكن التي كانت تقصفها تركيا كانت ترد أخبار وأنباء القتل. الناس الذين كانوا يهربون من الحرب؛ النساء والأطفال بعضهم كانت يداه ورجلاه ممزقتان، بعض الأطفال عميت عيونهم وأطفال آخرون كان كل جسمهم يحترق من الفوسفور...

كان الناس يحملون بعض الحاجيات البسيطة على أكتافهم ويبتعدون قدر المستطاع عن مناطق الحرب والاشتباك.

لم تكن هناك حاجة لأي كلمات ليفهم المرء بماذا يشعرون كان يكفي أن ينظر إلى عيونهم ليفهم كل شيء. العجز والخوف.. عندما نقرأ في عين طفل العجز والخوف فقط فإن هذا أكبر عار في هذه الدنيا. هذه أكبر جريمة للأشخاص الذين كانوا سبباً في هذه الحرب. في حرب هدفها القضاء على المطالبين بالحرية وأخوة الشعوب التقدم بالسير على جثث النساء والأطفال ليس انتصاراً ولن يكون انتصاراً أبداً.

سري كانيه لم تسقط

سري كانيه ما تزال تقاوم بإيثار. بأسلحة فردية خفيفة يقاوم أبناء المدينة كالأسود والفهود ضد قوة وحشية تملك أسلحة ثقيلة ويدافعون عن مدينتهم.

أولئك الأشخاص الذين يحمون الحياة في وجه الموت يؤمنون بالمقاومة. مهما كانت الحرب كبيرة إلا أنهم يؤمنون بأن المقاومة ستغير لون الحرب. في الأوقات الأكثر صعوبة تزدهر أمنية في القلب. هؤلاء أبناء تلك الأمهات، الذين يحررون الأطفال في ظلمة الحرب ويرسمون البسمة على وجوههم، إنهم أبناء المقاومة. طالما هم موجودون ويقاومون لن تشعر تلك الأمهات بأنهن وحيدات أو بدون سند. لأنه كان لهن ملاذ آمن في هذه الدنيا وهو قلوب هؤلاء الأبناء المقاومين التي لا تعرف الخوف.

في 12 تشرين الثاني أعلن إعلام MSB والدولة التركية أن المدينة سقطت وأن جيشهم دخل مركز المدينة. هذا لم يكن وضعاً غير متوقع. هذا هو الهدف الأخير لقوة استنفرت كل طاقاتها للسيطرة على تلك المدينة. هذا كان أمراً ممكناً.

ولكن في حالة مبينة على الكذب ينتظر المرء أن تومض شرارة للحقيقة وتمنح الأمل له.

الصحفي آرسين جاكسو كان يتابع وضع الحرب من مركز سري كانيه منذ 9 تشرين الثاني أعلن مساءً في الساعة 21:00 أن مركز المدينة مازال تحت سيطرة مقاتلي الحرية.

الساعات والأيام اللاحقة كانت أكثر أهمية. أردوغان أظهر خريطته أمام الأمم المتحدة وقدمها للقوى الدولية وتلك القوى ساندته. خارطة الاحتلال هذه كانت تنفذ خطوة بخطوة.

على طريق الحقيقة

في الحروب يتقتل الحقيقة قبل أن يقتل الإنسان. الذين يمثلون الحرب اللاشرعية وغير العادلة، يعتدون على الحقيقة، يسعون إلى إخفاء الحقائق. لذلك فإن إظهار الحقيقة هي الحرب الكبرى. ربما تتعرض للقتل أو تفقد عضواً في جسدك، ولكن صورة التقطتها، أو مقطع صغيراً من كاميرتك ربما، تنقذ حياة الآلاف من الأشخاص. ربما توجه الأنظار إلى آلامهم ومعاناتهم، وتصبح وسيلة لمحاكمة ومحاسبة الظلّام.

ولأجل هذه الحقيقة فقد اتخذ قراره وتوجه برفقة بيرجان إلى سري كانيه، وبدأت مسيرتنا، قافلة مدنيين كانت تتجه من تل تمر إلى سري كانيه، فانضممنا إليهم.

القافلة التي كانت تتوجه إلى سريه كانيه بهدف دعم ومساندة المقاومة، كانت تضم مدنيين من أطفال وأمهات وآباء مقاومين. كانوا يرغبون بالتحدث معنا، كانوا يرغبون بالصراخ، ويرغبون أن نوصل صراخهم إلى العالم. فبدأنا بتشغيل كاميراتنا، ولم نسأل عن أسماء أي أحد منهم، بل هم تحدثوا ونحن قمنا بالتسجيل.

"ماذا يريدون منا" أمريكا تقول إن هناك حقوق إنسان، كما أن هناك حقوق للحيوانات" إلا يهتمون بنا بقدر اهتمامهم بالحيوانات؟ نحن أيضاً بشر! فليكف أردوغان بلائه عنا. نحن كرد، الأمر ليس في يدينا، فقد خلقنا الله كرداً. فهل نفر وننزح من هذا الوطن؟ لينتقم الله منهم، جميعهم عديمو الشرق. ليست لدينا طائرات، لذلك فإن أمريكا لا تحبنا. ولكنن أيضاً لن نتراجع عن مطالبنا. سنبقى إلى جانب وحدات حماية الشعب والمرأة، سنبقى إلى جانب مقاتلينا. لا تخافوا نحن جميعاً سنحمل السلام، وسوف نعلم بعضنا بعضاً على استخدام السلاح".

هذه كانت أقوال امرأة تحدثت إلينا، لم نسأل عن اسمها، كل ما فعلناه هو أننا وجهنا عدسات الكاميرات إليها، وهي أفرغت ما بجعتها وعبرت عما يجول في خاطرها.

ولم نلتقي بتلك الامرأة مرة أخرى، ولكنني لن أنسى أبداً الحماسة والقهر الذي كان يبدو واضحاً على ملامحها، ولكما تذكرت ذلك تصيبني القشعريرة.

ساعة الانفجار...

كانت القافلة تتقدم بسرعة كبيرة. وكلما اقتربنا أكثر من المدينة كنا نسمع صوت الأسلحة وهي تتعالى. وكان الدخان يتصاعد من كل مكان. مدينة التعايش والأخوة تحولت إلى مدينة للحرب والاقتتال. كانت القافلة المساندة تضم أبناء مختلف مكونات المدنية، من الكرد والعرب والأرمن والسريان، كانت تلك ستكون المرة الأخيرة التي يذهبون فيها إلى المدينة. كانت الطائرات المسيرة تحلق في سماء المدينة.

كنا في مركز المدينة، الأمهات نزلن من السيارات وسط ترديد الزغاريد والشعارات، وكأنهن حققن نصراً عظيماً اليوم، لقد كن قد وصلن إلى أرضهن، وبدأت بالتقاط الصور، كان الجميع يرفع شارة النصر ويحتضن أحدهم الآخر..

لحظات السعادة والفرح هذه لم تدم سوى دقائق معدودة. وبعد ذلك خيم صمت الموت، انتشرت الأشلاء على الأرض وارتفع عويل وأنين الجرحى الذين تمرغوا بدمائهم..

بالنسبة للأشخاص الذين لم يكونوا موجودين هناك في تلك اللحظة، فإن الحدث بالنسبة لهم هو مجرد خبر؛ بتاريخ 13 تشرين الأول عام 2019، تعرضت قافلة للمدنيين الذين ذهبوا لدعم أهالي سري كانيه للقصف، وأسفر القصف عن فقدان 11 شخصاً بينهم صحفيين كما أصيب 74 شخصاً آخرين.

إلا المشهد بالنسبة لأولئك الأشخاص الذين كانوا هناك وشهدوا ما حدث بأم أعينهم، لن يكون أبداً مجرد خبر. هو بالنسبة لهم ’ذكرى مظلمة لا يمكن التعبير عنها بالكلمات‘. أنا سوف أتحدث وأكتب عن جميع آلام وقهر ومعاناة تلك الفترة، سأتحدث عن آلام الناس هناك واحداً واحداً، ولكن ما أعلمه أن هناك ألم يفوق ألم وقهر تلك المجزرة السوداء، الا وهو صمت العالم، لماذا اختار العالم الصمت إزاء هذه الجريمة الوحشية، هذا السؤال ظل معلقاً في نظرات الناس في تلك اللحظة.

(ك)

ANHA

<iframe width="560" height="315" src="https://www.youtube.com/embed/pNLbsEMYE2k" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture" allowfullscreen></iframe>