​​​​​​​السّاحة اللّبنانيّة.. ضغط فرنسيّ للإصلاحات وصراع نفوذ مع تركيا

تعمَّد ماكرون توجيه رسائل مباشرة إلى الطبقة السياسية اللبنانية، وذلك خلال زيارته الأخيرة التي جاءت في الأساس للمشاركة في إطفاء الشمعة المئوية الأولى لـ"لبنان الكبير" الذي أعلن غورو تأسيسه على أنقاض الامبراطورية العثمانية التي انهارت عقب الحرب العالمية الأولى، والذي دشّنت ولادته مرحلةَ الانتداب الفرنسي وصولًا إلى استقلال 1943.

​​​​​​​السّاحة اللّبنانيّة.. ضغط فرنسيّ للإصلاحات وصراع نفوذ مع تركيا
الجمعة 4 يلول, 2020   01:02
بيروت- زياد أبو غزالة

غادر ماكرون بيروت تاركًا وراءه ورقة فرنسية، على مختلف ‏الأطراف السياسية تنفيذها بالتفصيل، قبل وصوله إلى لبنان في جولته الثالثة آخر العام الجاري، وإلا...

هذه الـ "إلا" التي رفعها في وجه الطبقة اللبنانية الحاكمة مرتين تحت طائلة العقوبات، وسحب يده من الحل اللبناني، وترك زعمائه ‏الفاسدين يواجهون مصيرهم تحت مقصلة عقوبات أميركية - أوروبية مشتركة.

التهديد بالعقوبات سرّع بالاستشارات النيابية

أحداث متسارعة شهدها لبنان بعد كارثة مرفأ بيروت، أبرزها استقالة حكومة حسان دياب، وتكليف مصطفى أديب لرئاسة الحكومة، وبين هذا وذاك برز واضحًا في المشهد دور فرنسي، ترجمه الرئيس إيمانويل ماكرون على أرض بيروت مرتين.

بخصوص هذه الأحداث، سألنا الصحفي والباحث السياسي اللبناني توفيق شومان عن سبب التوافق على تكليف مصطفى أديب لتشكيل الحكومة اللبنانية؟ يؤكد شومان لوكاتنا: "أن التوافق على السفير مصطفى أديب لتشكيل الحكومة اللبنانية تم لأنه من خارج الطبقة السياسية، وبالتالي آلية اختياره جاءت كتسوية محلية وإقليمية، كونه خارج النادي السياسي التقليدي".

وأوضح "كان للفرنسيين والألمان دور كبير في اختياره، وربما هذا ينسحب أيضًا، على الفريق الوزاري الذي يمكن أن يرافق أديب في التشكيلة الوزارية المقبلة، وهو مشروع تسوية قد ينجح وقد لا ينجح، لكن الواضح أنه يلقى دعمًا وتأييدًا وتوافقًا شبه داخلي، وفي الوقت نفسه يلقى دعمًا خارجيًّا، وهذا ما لم يكن يحظى به رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب، إذ حظوظ أديب في الإقلاع أفضل بكثير من سلفه، ولكن هذا يبقى مرتبطًا ومتعلقًا بالبرنامج الوزاري للحكومة وفي الجدول الزمني لها".

هذه المرة تم التكليف في وقت قياسي لم تشهده الحكومات اللبنانية المتعاقبة قبل ذلك، ما السبب؟ يقول الباحث السياسي اللبناني: "نتيجة النزاعات والصراعات اللبنانية، كان يتم تأخير تشكيل الحكومة لأشهر، وفي إحدى المرات وصلت عملية التأخير إلى ما يتجاوز 9 أشهر، أما الآن هناك ضغط فرنسي ودولي لتشكيل الحكومة المقبلة، وكما أصبح معروفًا، أن ماكرون جمع القوى السياسية اللبنانية مرتين في السفارة الفرنسية ببيروت".

وأضاف "اللافت أن هناك تهديدات سبقت اختيار مصطفى أديب، وسبقت وصول ماكرون إلى لبنان، وبالتحديد تهديدات من ماكرون نفسه، أول تهديد ما تم تسريبه في صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، بأنه إن لم يسرع الأفرقاء السياسيون اللبنانيون بالاستشارات النيابية والإصلاحات وتشكيل الحكومة، سوف يكون هناك عقوبات على ثلاث شخصيات، وأيضًا هدد ماكرون مرة أخرى من خلال المؤتمر الصحفي، إذ قال حرفيًّا: "إن لم يكن هناك إصلاحات سيكون هناك عقوبات"، وهو ما عجّل في عملية اختيار أديب لرئاسة الحكومة، وبالتالي تسريع تشكيل الحكومة، وقد حدّد ماكرون 15 يومًا، لكن النقاش دائر هنا بأن تتمدد هذه المهلة إلى نحو شهر، وهذه تعدّ سابقة تاريخية في تشكيل الحكومات اللبنانية، خصوصًا بعد اتفاق الطائف، إذ إن السبب الأول والأخير، هو التهديد بالتلويح بالعقوبات، والضغط الدولي عمومًا والفرنسي خصوصًا".

المبادرة الفرنسية.. صراع نفوذ مع تركيا

ويؤكد الباحث السياسي اللبناني توفيق شومان لوكالتنا: "أن المبادرة الفرنسية تجاه لبنان مؤلفة من شقّين؛ الشق الأول له علاقة بالأوضاع اللبنانية المحلية، وبالتالي العمل على منع لبنان من الانهيار المالي والاقتصادي، وحتى الأمني، لأن الأحداث الأخيرة المتنقلة التي شهدها لبنان في الشهرين الماضيين، أنذرت بعواقب وخيمة".

يتابع شومان حديثه: "أما الشق الثاني من المبادرة، فهي العلاقات التاريخية والثقافية بين لبنان وفرنسا، باعتبار أن باريس هي من رعت قيام دولة لبنان الكبير، فكل هذه العوامل والعناصر دعت الفرنسيين إلى أن يعيدوا تموضعهم في لبنان من جديد، وكما أشرفوا على ولادة لبنان الكبير، يحاولون إنقاذ لبنان من انهيار وضعه في الذكرى المئوية، فهم ينطلقون من قاعدة أساسها بأن المئوية الأولى التي أشرفوا عليها قد انتهت، وبالتالي نحن أمام مئة أخرى، ليكن للفرنسيين دور أساسي".

هذا على المستوى الداخلي، ماذا على المستوى الإقليمي والدولي؟ يقول شومان: "أعتقد أن جزءًا أساسيًّا من المبادرة الفرنسية غير المعلن عنها، هي صراع النفوذ بين فرنسا وتركيا".

وأوضح في هذا السياق "هناك أكثر من نقطة اشتباك بين الطرفين في ليبيا وسورية وفي العراق، ومن المعروف أن الفرنسيين لهم علاقة طيبة مع الأحزاب الكردية، من هنا أيضًا جاءت زيارة الرئيس ماكرون إلى العراق ودعوته إلى عقدها معاهدة دفاعية وتسليحية بين العراق وفرنسا، إذ هناك مجموعة من بؤر التوتر بين فرنسا وتركيا تمتد من شمال أفريقيا إلى غرب آسيا، إضافة إلى الصراع أيضًا على شرق البحر المتوسط، من خلال ذلك يمكن أن نعتبر أن الفرنسيين يرون أن استعادة نفوذهم في لبنان أو تعزيز هذا النفوذ بالإمكان أن يواجهوا به الأتراك على ساحل البحر المتوسط".

تنافس تركي فرنسي على مرفأ بيروت

وفي هذا السياق، قال المحلل التركي فهيم تستكين: "لو دوّى انفجار مرفأ بيروت قبل عقد من اليوم، لكان أردوغان على الأرجح أول زعيم يهرع إلى بيروت للإعراب عن تعاطفه ودعمه، ولكن نظرًا إلى الترحيب الحار الذي استُقبل به في تشرين الثاني من العام 2010، أصبح أردوغان ضيفًا غير مرغوب به بالنسبة إلى عدد كبير من الأطراف السياسية في لبنان".

وانطلاقًا من زيارة فؤاد أوقطاي، نائب أردوغان إلى بيروت في 8 آب، أي بعد 3 أيام على زيارة ماكرون، تساءل تستكين عن أسباب التراجع التركي، مسلطًا الضوء على سلسلة من التطورات، بدأ تحليله من "الصدى السيئ" الذي تركته السياسة التركية في سورية، متحدثًا عن دعم أنقرة لمجموعات المعارضة وعن فقدان أردوغان "تعاطف المقاومة" بعد مواقفه الحازمة من إسرائيل.

وإذا كان تأثير أردوغان قد تراجع في لبنان كما يقول تستكين، فهذا يعني أنّ حظوظ حصول تركيا على فرصة إعادة إعمار المرفأ ضئيلة، لا سيما أنّها في مواجهة مع فرنسا صاحبة "السلطة الناعمة" على لبنان، وقبل أسبوع، تردّدت أنباء عن اتجاه لبنان إلى القبول بالعرض الفرنسي لإعادة إعمار المرفأ (بالشراكة مع الإمارات) وبالتالي رفض العروض الأخرى، وبالطبع بينها التركي.

ماكرون يرعى دخول "حزب الله" للحكومة!

في وقت كان فيه بعض السياسيين في لبنان ينتظرون زيارة الرئيس الفرنسي ليشهدوا على مسعى واضح إلى إبعاد "حزب الله" عن الحكومة وعن الحياة السياسية في لبنان، لاقى ماكرون الحزب في منتصف الطريق، فاصلًا بين الجناح السياسي والجناح العسكري للحزب، وجلس إلى طاولة واحدة مع رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" محمد رعد.

وفي نظرة تحليلية لفرضية محاولة فرنسا إبعاد "حزب الله" عن الحكومة المقبلة، يؤكد شومان "أن لا رغبة فرنسية بإخراج حزب الله من الحكومة، بل بالعكس، الفرنسيون يرعون شراكة الحزب في الحكومة، ولكن في الوقت نفسه، هم يتعاطون مع الجناح السياسي للحزب كما قال ماكرون في مؤتمره الصحفي، وأعتقد أن انفتاح الحزب مع المبادرة الفرنسية له علاقة بأكثر من بُعد، الأوّل محلي، والبُعد الثاني هو الحوار الفرنسي الإيراني، ومن المعروف أن فرنسا ساهمت مع 12 دولة أخرى بمنع تمرير قرار أمريكي بحظر السلاح على إيران، وانطلاقًا من هنا، الفرنسيون يرون أن حزب الله له قوة تمثيلية في البرلمان اللبناني، وشارك في الحكومات السابقة، وله قاعدة تمثيلية شعبية".

لكن ماذا عن سلاح "حزب الله"؟ يؤكد الباحث السياسي اللبناني: "أن الفرنسيين يتركون هذه المسألة لمرحلة مقبلة تتعلق بالتفاوض مع الإيرانيين، حول عدة مشاكل إقليمية تبدأ من لبنان إلى سورية فالعراق واليمن، ضمن رزمة كاملة، وباريس تعي أن مثل هذا النقاش والتفاوض يقتضي أن يكون بعد الانتخابات الأمريكية".

"عودوا إلى الوطن.. اتركوا سورية واليمن"

وفي هذا السياق، كشف الصحفي الفرنسي جورج مالبرونو عما دار في "خلوة قصيرة" عقدها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع النائب محمد رعد، رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة"، وكانت بعد اجتماع عقده حين زار لبنان في 6 آب الماضي مع زعماء القوى السياسية الرئيسيين، ومن ضمنهم رعد كممثل عن "حزب الله".

وكتب مالبرونو في تقريره بصحيفة "لو فيغارو" نقلًا عن مصدر فرنسي في بيروت: إن ماكرون قال لرعد في تلك الخلوة: "أريد العمل معكم لتغيير لبنان، لكن أثبتوا أنكم لبنانيون، فكلنا يعلم أن لكم أجندة إيرانية، نعرف تاريخكم جيدًا، ونعرف هويتكم الخاصة، ولكن هل أنتم لبنانيون؟ نعم أم لا؟ هل ستساعدون اللبنانيين؟ نعم أم لا؟ هل تتحدثون عن اللبنانيين؟ نعم أم لا؟ إذن عودوا إلى الوطن، اتركوا سورية واليمن، ولتكن مهمتكم هنا لبناء الدولة، لأن الدولة الجديدة ستكون لصالح أبنائكم".

يذكر أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وبّخ الصحفي الفرنسي جورج مالبرونو، بعد تقريره هذا عن لبنان، والذي أشار فيه أيضًا إلى "نية ماكرون فرض عقوبات على عائلة رئيس الجمهورية ميشال عون، ومواضيع أخرى لها علاقة برئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري".

موقف ماكرون من "حزب الله" ليس غريبًا كما يظن البعض، فمصادر سياسية لبنانية بارزة قالت: "إن ماكرون لن يكون ملكيًّا أكثر من اللبنانيين أنفسهم، فالرئيس الأسبق سعد الحريري يتعاون مع حزب الله في كل شيء، رغم أن عنصرًا من الحزب متهم بقتل والده رفيق الحريري، وأيضًا الحزب كان يريد سعد الحريري رئيسًا للحكومة، كما أن التيار الوطني الحر يتعاون مع الحزب وتيار المردة أيضًا وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، لذلك اقتنع ماكرون بالتعاون مع الحزب بطريقة واضحة، بعيدًا عن مسألة سلاحه".

(ي ح)