لبنان بين أزمتين.. انفجار مرفأ بيروت والانهيار الاقتصادي

لم تقتصر أضرار انفجار بيروت على الخسائر المباشرة المادية والجسدية والنفسية التي طالت الناس والأبنية، بل ستنعكس على الاقتصاد المترنّح أصلًا، لتزيد المأزق تعسرًا وتضفي على العجز ما لا يقلّ عن عشرة مليارات إضافية.

لبنان بين أزمتين.. انفجار مرفأ بيروت والانهيار الاقتصادي
الجمعة 21 آب, 2020   23:36
لبنان

وكأنّ ما كان ينقص هذا البلد إلا انفجار يحطّم مرفأه ويقضي على بقية اقتصاده، هو الذي يرزح أصلًا تحت وطأة أزمة خانقة نتيجة سياسات المصارف وفساد الطبقة الحاكمة وتأزّم صحي يشلّ حركته.

تضرر المرفأ المنكوب بشكل كبير، 80 في المئة منه لم يعد موجودًا، والـ20 في المئة المتبقّية لحقت بها أضرار، فهل الدولة قادرة على إعادة إعماره؟ وكيف السبيل لذلك؟

تكلفة باهظة لإعادة إعمار بيروت

بهذا الخصوص قالت الصحافية المتخصصة بالشأن الاقتصادي محاسن مرسل لوكالتنا: إن "التقديرات الأولية لكارثة المرفأ افتتحت على نصف مليار دولار، قبل أن يرفعها محافظ مدينة بيروت إلى رقم يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، ثم قفزت مرة واحدة إلى 15 مليارًا، وصولًا إلى حدود 30 مليارًا".

وأضافت الصحافية اللبنانية المختصة بالشأن الاقتصادي: "أنا أتبنى نظرية أن الخسائر تقدر بـ10 مليارات دولار، خاصة أن البنك المركزي قال إن هناك مناطق مدمرة بنسبة 80 في المئة، وبين 50 وإلى 70 وحدة سكنية مدمرة بشكل كامل".

من أزمة إلى أزمة

وتتابع محاسن مرسل حديثها لوكالتنا بالقول: "إن من الأولويات في حال المفاوضات مع صندوق النقد الدولي إعادة تقييم الأضرار ليكون رقمًا دقيقًا لتقدير الخسائر المالية في مرفأ بيروت، فنحن لا ننتقل من أزمة إلى حل، بل من أزمة إلى أخرى، الحكومة اللبنانية قالت إن لديها فجوة مالية نحو 241 ألف مليار ليرة بحسب خطة لازار، ولكن اليوم بعد الكارثة هذا الرقم بالتأكيد سيتجاوز 350 ألف مليار".

تؤكد "مرسل" أن "إعادة إعمار مرفأ بيروت قضية حساسة نظرًا لطبيعته وموقعه الاستراتيجي ومدى هيمنة أهل السلطة عليه، لذلك هناك اتجاه إلى خصخصة المرفأ، لكن الآن ما زلنا تحت هول الصدمة، ومع الأيام تتضح، فبعض الشركات ستتقدم لاستدراج عروض لندخل في نظام BOT)) إعادة بناء المرفأ واستثماره على أن تحصل الدولة اللبنانية على نسبة من العائدات، ثم بعد فترة زمنية تسترد الدولة إدارة المرفأ". 

وفيما يخص المساعدات المقدمة إلى لبنان بعد انفجار المرفأ تؤكد الصحافية اللبنانية المختصة بالشأن الاقتصادي أن الدول المانحة كانت واضحة بأن هذه المساعدات إغاثية ولن تسلم للحكومة لعدم الثقة بها، وستصرف بالدرجة الأولى إلى القطاع الصحي، ثم التعليم وإعادة البناء، وقد حصر هذا الأمر بالصليب الأحمر الدولي، والجمعيات الأهلية وجمعيات المجتمع المدني".

الليرة اللبنانية إلى الهبوط

حذّرت تقارير دولية من انكماش الناتج المحلي الإجمالي اللبناني نحو 20 إلى 25 في المئة هذا العام، ليتجاوز بكثير توقعًا حديثًا من صندوق النقد الدولي لتراجع نسبته 12 في المئة بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية المتفاقمة، وذلك بعد انفجار مرفأ بيروت.

وحذّر المحللون من صعوبة نجاح لبنان في تأمين تمويل، في وقت يقدّر فيه المسؤولون حجم الأضرار بمليارات الدولارات، وفي قراءتهم، أكّد محللون أنّ الانفجار يسلط الضوء على إهمال الحكومة، ويفرض مزيدًا من الضغوط على الحكومة للتعجيل بالإصلاحات كي تحصل على المساعدة الضرورية لإعادة بناء الاقتصاد، ورغم إبداء التعاطف الواسع مع لبنان هذا الأسبوع، فقد لوحظ غياب أي التزامات بتقديم المساعدة حتى الآن، عدا الدعم الإنساني الطارئ.

وتوقع الاقتصاديون مزيدًا من التآكل في القوة الشرائية للعملة اللبنانية، التي فقدت نحو 80 في المئة من قيمتها منذ تشرين الأول، وسط تضخم فلكي يتجاوز 56 في المئة، وبالتالي تأجيج التوترات الاجتماعية.

وقال باترك كوران، كبير الاقتصاديين بشركة تِليمر للأبحاث في بريطانيا: "نرى أن الانفجار قد يؤخر عملية الإصلاح، في ظل محاولة الحكومة التنصل من المسؤولية، مما سيؤدي إلى تآكل رأس المال السياسي الضروري لإجراء إصلاحات صعبة، لكن الحاجة تشتد لها".

الجوع يطرق باب اللبنانيين

وحذّرت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية من تداعيات انفجار المرفأ الذي تصل عبره نسبة 80 في المئة من الواردات، على غذاء اللبنانيين، في وقت ترزح فيه بيروت تحت وطأة أزمة اقتصادية ونقدية ومالية غير مسبوقة وتفشي فيروس "كورونا".

 ونقلت الصحيفة عن الطاهية المتطوّعة في الجميزة، "ياسمينة"، تحذيرها من أن الأمور تتجه نحو الأسوأ، إذ علّقت بالقول: "الناس سيعانون، الناس جوعى"، كما نبّهت الشابة ابنة الـ36 عامًا من أعمال عنف في ظل الغضب الشعبي المصبوب على الطبقة الحاكمة.

وفي هذا الإطار، تطرّقت الصحيفة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية مع انهيار الليرة وجنون الدولار، محذرةً من تفاقم الوضع نظرًا إلى أنّ الخبراء يتوقعون أن تستغرق أعمال إصلاح المرفأ، حيث تقع أهراءات القمح أشهرًا، ونقلت الصحيفة عن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة تحذيره من أنّ "الأضرار الجسيمة التي لحقت بمرفأ بيروت قد تحد من وصول الإمدادات الغذائية إلى البلاد وترفع أسعار المواد الغذائية بما يتخطى قدرة عدد كبير من اللبنانيين الشرائية".

ونظرًا إلى الأضرار التي لحقت بمرفأ بيروت، تتجه الأنظار إلى مرفأ طرابلس الذي يبعد 80 كيلومترًا عن العاصمة، إذ تأمل السلطات اللبنانية في استخدامه لسد فجوة الاستيراد، وفي تقريرها، أوضحت الصحيفة البريطانية أنّ قدرة مرفأ طرابلس على إفراغ السفن والحاويات تبلغ نصف قدرة مرفأ بيروت، ناهيك عن أنّه يعاني إهمالًا منذ سنوات.

وفي حين يؤكد البعض أنّ إمكانات مرفأ طرابلس كبيرة لا سيما لجهة عمق حوضه، ما يمكّنه من استقبال سفن ضخمة لا يستطيعها أي مرفأ آخر شرقي المتوسط، والمساحات البحريّة المفتوحة أمام المرفأ، ما يتيح استقبال أعداد كبيرة من السفن واستدارتها بسهولة، وتجهيزه برافعتين ضخمتين، ما يتيح تفريغ البضاعة سريعًا، شكا المدير العام لشركة مطاحن الدقيق الوطنية أنس الشعار، من غياب مبنى لتخزين الحبوب في مرفأ طرابلس، وكشف أنّ شركته اقترحت في العام 2013 تشييد أهراءات "من أحدث ما يمكن" بالتعاون مع شركة سويسرية إلاّ أنّ الحكومة لم تخصص أرضًا لتنفيذ المشروع.

نصف اللبنانيين غارق بالفقر!

نشرت وكالة "فرانس برس" تقريرًا تناولت فيه التسلسل الزمني لما وصفته بـ"الانهيار الاقتصادي" الذي يشهده لبنان، مشيرة إلى أنّ لبنان يشهد أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود، تتّسم بتراجع غير مسبوق لقيمة عملته أدّى إلى إغراق نصف الشعب اللبناني في الفقر.

ويتسبّب الانهيار الاقتصادي الذي أدّى إلى صرف أعداد هائلة من الموظفين، بارتفاع كبير في الأسعار في البلاد التي شهدت لأسابيع عدة منذ خريف 2019 انتفاضة شعبية غير مسبوقة ضدّ الطبقة السياسية التي يُنظر إليها على أنّها فاسدة وعاجزة عن وضع حدّ للأزمة الاقتصادية الحادة.

احتجاجات شعبية خجولة

الوضع الاقتصادي المزري في البلاد، وضعف الحكومات ومؤسسات البلاد وعدم قدرتها على إيجاد مخرج يعتق اللبنانيين، كان سببًا رئيسًا في خروج احتجاجات واسعة منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في عموم البلاد، واستمرت الاحتجاجات في البلاد بشكل متواصل طيلة أشهر متلاحقة، قبل أن يجبرها انتشار وباء كورونا على التوقف، لتعاود الخروج في الشهرين الماضيين بعد أن هبطت العملة اللبنانية وتعمّقت أزمة المصارف في البلاد.

الاحتجاجات التي خرجت في أكثر من 70 مدينة وبلدة حول البلاد، كانت ولا تزال تندد بالفساد الحكومي في المقام الأول، وبإجراءات التقشف ونقص البنى التحتية، خصوصًا الماء الصالح للشرب والكهرباء، واللذان ينقطعان بشكل مستمر يوميًّا في البلاد.

(آ س)

ANHA