الطلاب السوريون في لبنان.. تحديات وصعوبات

يعتقد الكثير من الطلاب السوريين في لبنان أن الأبواب قد أوصدت تمامًا في وجوههم اليوم، فمع تردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع الاهتمام الدولي بهم، يضطر الكثيرون إلى التخلي عن دراستهم، وبعضهم يفكر في العودة إلى سورية رغم خطورة ذلك على حياتهم.

الطلاب السوريون في لبنان.. تحديات وصعوبات
الجمعة 17 تموز, 2020   02:04
بيروت – زياد أبو غزالة

ربما كان 30 من يونيو/ حزيران أهم يوم في 2020، بالنسبة إلى الأطفال اللاجئين السوريين، في المؤتمر السنوي للمانحين حول "دعم مستقبل سورية والمنطقة"، فقد تعهّدت عشرات الحكومات والمانحين متعددي الأطراف بتخصيص 7.7 مليار دولار أمريكي كمساعدات إنسانية للاجئين السوريين على مدى السنتين القادمتين.

ولكن تبقى قيمة التمويل المخصّص لتعليم الأطفال السوريين الذين "حُرموا من حقهم بالتعليم اللائق" غير واضحة، حيث لم يذكر العديد من المانحين التعليم في خطابات التعهد الخاصة بهم.

المنح الدراسية مهددة

عامًا بعد عام، يقل عدد المنح الدراسية المتاحة للاجئين السوريين للدراسة في لبنان، ويعود السبب في ذلك إلى الصعوبات التي تواجهها الجهات المانحة الخارجية في إرسال تحويلاتها المالية عبر المصارف بشكلٍ طبيعي، كما أن قيود المصارف اللبنانية على السحوبات تزيد الطين بلة.

هادي طالب سوري يعيش مخاوف مضاعفة، إذ إن أصوله الفلسطينية حالت دون حصوله على أي منحة دراسية، مما اضطره للانقطاع سنتين عن الدراسة، عمل خلالها في الزراعة والبناء، ليتمكن لاحقًا من العمل في أحد المطاعم والحصول على الثانوية العامة ثم الالتحاق بكلية الصحافة والإعلام في الجامعة اللبنانية الدولية.

قال هادي لوكالتنا: "سأخسر دراستي مجددًا، تم صرفي من عملي، ولا يوجد أي أفق لحصولي على عمل بعد التخرج، أنا بحاجة للعمل لأصرف على نفسي وأسرتي".

مدارس من رمل

لا يتوافق عدد الطلاب السوريين اللاجئين الملتحقين فعليًّا بالمدارس الرسمية اللبنانية في الدوام المسائي مع العدد الذي تقدمه وزارة التربية للمانحين الدوليين بهدف الحصول على الدعم المالي، بحسب تحقيق استقصائي نشرته قناة "الجديد" اللبنانية.

ووجه التقرير الذي حمل عنوان "مدارس من رمل" الاتهام للحكومات اللبنانية المتعاقبة بسرقة أموال المساعدات الخارجية المقدمة من الدول المانحة لتعليم اللاجئين السوريين في لبنان، مقدراً ذلك سنويًّا بـ9 ملايين دولار منذ العام 2014.

وقال معد التحقيق الصحفي رياض قبيسي: "هناك زيادة وهمية تقدّر بما لا يقل عن 15 ألف طالب لاجئ سوري عن الأعداد الحقيقية الملتحقة بالدوام"، وبدأ قبيسي تحقيقه بفرضية تقول "إنّ هناك عددًا من المدارس الوهمية للاجئين السوريين في لبنان"، لكنه اكتشف لاحقًا أنه لا تلاعب بعدد المدارس، فلم تكن المدارس وهمية، كانت موجودة بالفعل، ولكن عدد الطلاب هو "الوهمي".

أرقام زائفة

عمل قبيسي على مستويين في إنجاز تحقيقه، الأول ميداني، والثاني يتعلق بالدراسات والتصريحات الرسمية وما تتضمنه من بيانات، قال: "لاحظت الفرق الكبير في الأرقام وأعداد الطلاب المسجلة المتناقضة، وصرتُ أسأل: لماذا لا نقوم بتعداد الطلاب يدويًّا في كل مدارس؟"، مشيرًا إلى أنه رغم صعوبة المهمة، عدّ الطلاب يدويًّا مع فريقه، ورصد مداخل المدارس وأعداد حافلاتها".

صوّر قبيسي وضع المدارس والواقع السيئ لتعليم الطلاب اللاجئين، وتأكد أن هناك تضخيمًا بأعداد الطلاب بما لا يقل عن 15 ألف طالب، كما أنّ هناك 11 ألف أستاذ تعاقدوا مع الوزارة لتعليم الطلاب السوريين لا يحصلون على كامل المستحقات المخصصة لهم، إذ تدفع الوزارة أجور ساعاتهم التعليمية بالليرة اللبنانية وليس بالدولار الأميركي، وبالتالي تقوم الحكومة بالاستفادة من الفرق الشاسع في سعر الصرف "ومن دون أن يعلم أحد أين يذهب فرق صرف العملة التي تقدر بمئات آلاف الدولارات".

وتقدم الدول المانحة، التي بدأت دعم الطلاب اللاجئين في لبنان من العام الدراسي 2014 – 2015، سنويًّا لوزارة التربية اللبنانية 600 دولار أميركي عن كلّ طالب لاجئ يدرس في المرحلة المسائية، و363 دولارًا أميركيًّا عن كل طالب يدرس في المرحلة الصباحية.

وتعتقد معلمة طلاب سوريين - طلبت عدم نشر اسمها أو اسم المدرسة - أنّ ما جاء في التقرير حقيقي، وقالت لوكالتنا: "إن هناك تفاوتًا كبيرًا يحصل كلّ عام بين أعداد الطلاب المسجلة في بداية العام الدراسي، والأعداد التي تحضر في الدوام التعليمي على مدار العام، وأنّ هناك طلابًا لم تكن تحضر إلا أثناء الامتحانات".

وأضافت أنّ الجهات المانحة تخصص 30 دولار أميركي لكل أستاذ عن كلّ ساعة تعليم، بينما الوزارة كانت تدفع عن كلّ ساعة 18 ألف ليرة لبنانية، أيّ بما لا يتجاوز قيمة 16 دولارًا أميركيًّا، كما أنّه غالبًا ما كان يحصل تناقض كبير بين عدد ساعات التعليم الفعلية وعدد الساعات التي تقوم الوزارة وإدارة المدارس بتسجيلها".

إذا لم تلتحق بالمدرسة فكيف تتخيل الصف المدرسي؟

العديد من الأطفال السوريين الذين يعيشون في لبنان لا يمكنهم سوى أن يحلموا بما هو شكل الصف من الداخل، إذ لم يحصلوا على أي تعليم رسمي أبدًا، تعرفوا على الضغوط الاقتصادية التي تجبر هؤلاء الأطفال اللاجئين على التخلي عن المدارس ودخول سوق العمل.

ريان لا يمكنها تخيل الحياة مع التعليم، وليس بوسعها سوى أن تتخيّل غرفة الصف، إذ إنها لم تدخل المدرسة أبدًا، وتقول: "أتخيل المدرسة بأنها جميلة جدًا، مع رسومات لبنات وأولاد على الجدران".

تبلغ ريان من العمر ثلاث عشرة سنة، وكان ينبغي أن تكون قد أتمت سنوات من الدراسة، ولكنها تمضي وقتها في الحقول تعمل مقابل أجر زهيد، وحالما تعود إلى البيت، قبل وقت قصير من غروب الشمس، تساعد أمها بأعمال المنزل وترعى شقيقاتها الأصغر منها سنًّا، اللواتي لا يتذكرن شيئًا سوى الحرب، بيد أن ريان تتذكر الحياة العادية قبل اندلاع الحرب.

وتقول ريان: "لقد أمضيت هنا خمس سنوات، وقد أتينا إلى هنا كي نعمل، إذ بات الوضع في سورية سيئًا جدًّا، لم ألتحق بالمدرسة أبدًا في سورية، لذا لم أتعلم القراءة، وعندما وصلنا هنا لم أذهب إلى المدرسة أيضًا، إذ عليّ أن أساعد أمي".

قصة ريان هي قصة أكثر من مليوني طفل سوري يعيشون كلاجئين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وهم أطفال تحطمت آمالهم وطموحاتهم في الحصول على تعليم، فتأثير الأزمات المطولة مثل الأزمة التي تمر فيها سورية والبلدان المجاورة، لا يقتصر على تعطيل تعليم الأطفال وحياتهم لفترة مؤقتة، بل يمكنه أن يغلق الباب أمام التعليم مدى الحياة.

فسحة أمل للأطفال

مؤسسة "مدى" قررت التصدي لهذا الواقع المجحف بحق الطفولة، حيث افتتحت  أبوابها لكافة الأطفال من كافة الجنسيات، "أغلبية الأطفال لدينا هم من الجنسية السورية نتيجة تركز عدد كبير من أسر السوريين في الأحياء القديمة"، تقول فاتن السمرا مديرة المركز، "طبعًا لسنا الوحيدين ممن يقدمون هذا النوع من الأنشطة النفسية والترفيهية للأطفال اللاجئين، هناك الكثير غيرنا من المؤسسات والمراكز".

ووفقًا لمديرة المركز، تسعى المؤسسة إلى خلق بيئة آمنة وصحية للأطفال اللاجئين، تمكنهم من الابتعاد عن الهموم والضغوط التي يواجهها آباؤهم في الخارج وتنعكس بالضرورة عليهم وعلى يومياتهم، "معظم الأطفال هنا يعانون من مصاعب نفسية واجتماعية يمكن لمسها سواء من طريقة تعبيرهم عن أنفسهم، أو من علاقتهم بأصدقائهم، أو من خلال تراجع أدائهم الدراسي، هؤلاء الأطفال يحتاجون لفسحة يتمكنون من خلالها من التعبير عن أنفسهم بحرية وشغف واستقلالية".

إضافة إلى السوريين، يستقبل المركز أطفالًا لاجئين من جنسيات فلسطينية وسودانية ومصرية، تتراوح أعمارهم بين ثماني سنوات و16 سنة، "نسعى إلى تعليمهم المهارات الأساسية التي تمكنهم من تخطي مشاكلهم، في النهاية المأساة كبيرة جدًّا ولن نتمكن، وحيدين، من القضاء عليها، ولكني آمل بأن يكون لأنشطتنا أثر بسيط يساهم بالتخفيف عن هؤلاء الأطفال وإعادة الأمل إلى أحلامهم وابتساماتهم" بحسب ما تؤكده فاتن السمرا.

(ح)

ANHA