تصادم تركيا مع الناتو والاتحاد الاوروبي يحول البحر المتوسط إلى منطقة هائجة بالخلافات

يتحول حلف الناتو شيئًا فشيئًا من تحالف عسكري نشط إلى منصة لتبادل الاتهامات والبيانات العدائية ضد بعضهم البعض، إذ تحول التحالف الجماعي إلى عداء جماعي بسبب السياسات التركية.

تصادم تركيا مع الناتو والاتحاد الاوروبي يحول البحر المتوسط إلى منطقة هائجة بالخلافات
الخميس 2 تموز, 2020   07:13
مركز الأخبار

قالت صحيفة البولوتيكو الأمريكية في تقرير لها اليوم "احتدم الصراع في البحر المتوسط، وذلك بعد أن أبلغت باريس عن تعليق مشاركتها في مهمة حلف الناتو في البحر المتوسط، وأصبحت التوترات داخل الحلف العسكري واضحة للعيان".

ففي صباح يوم 10 حزيران/يونيو، جنوب غرب جزيرة كريت، كانت فرقاطة تابعة للبحرية اليونانية، تقوم بدورية كجزء من عملية الاتحاد الأوروبي "IRINI" والتي تعدّ محاولة لفرض حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، والذي يؤكد مسؤولو الاتحاد الأوروبي أنها عملية محايدة ولا تستهدف أي دولة معينة، ورصدت حينها السفينة اليونانية سفينة شحن ترفع علم تنزانيا، استخدمتها تركيا (الحليف في حلف شمال الناتو وما زالت رسميًا مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي) لنقل الدبابات والأسلحة إلى حكومة السراج.

أرسل الجيش اليوناني مروحياته، لإلقاء نظرة فاحصة، لكن ثلاث مروحيات تركية حذرت الطائرات اليونانية وبطريقة عدائية، بحجة أن السفينة تحمل مواد طبية وتحت حماية القوات التركية، وبناء على أوامر من قائد إيطالي، تراجعت قوات الاتحاد الأوروبي وأبلغت سلطات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بالحادث.

لكن الأمور أصبحت أكثر خطورة في ذلك المساء، حيث واجهت قافلة تركية صغيرة فرقاطة فرنسية (التي هي جزء من عملية الحارس البحري لحلف الناتو) وذلك بالقرب من السواحل الليبية.

ما حدث بعد ذلك هو مسألة نزاع شرس، ويخضع لتحقيق سري في أعلى مستويات الناتو، ووفقًا لوزارة الدفاع الفرنسية، التي تقدمت بشكوى رسمية، أصبحت السفن التركية بحكم المعادية عندما سعت المحكمة، بناء على أوامر القيادة البحرية المتحالفة لحلف الناتو، ومقرها في المملكة المتحدة، للاستفسار عن وجهة تلك السفن وحمولتها.

وما هو واضح أن الحادثتين سلطتا الضوء المحرج الجديد على الاقتتال الداخلي المكثف بين حلفاء الناتو، مما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مضاعفة تأكيده على أن الحلف يعاني من "موت دماغي".

وفي يوم الثلاثاء، أرسلت فرنسا رسالة إلى الناتو، أعلنت فيها الانسحاب المؤقت من مهمة حرس البحر، في خطوة تشير إلى عدم وجود دعم كاف من الحلف، وسلطت الحوادث الضوء أيضًا على فشل الناتو والاتحاد الأوروبي في فرض حظر على الأسلحة تدعمه الأمم المتحدة بهدف كبح القتال في ليبيا.

وأدى الحادثان البحريان أيضًا إلى تفاقم مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن الحزم التركي في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، حيث كانت التوترات شديدة بالفعل بعد أن وسعت أنقرة أنشطتها في استكشاف النفط والغاز في المناطق التي تعتبرها قبرص واليونان مياههما الإقليمية.

وأدان الاتحاد الأوروبي أنشطة الحفر غير القانونية وفرض عقوبات على اثنين من مسؤولي شركة النفط التركية، ولكن اليونان ذهبت إلى أبعد من ذلك، حيث أصدرت تهديدات صريحة بالرد العسكري المحتمل.

وقال وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس، إلى جانب رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في إيفروس على الحدود اليونانية التركية الأسبوع الماضي، إن تركيا "تنتهك المجال الجوي الوطني اليوناني والمياه الإقليمية بشكل شبه يومي، بما في ذلك التحليق فوق المناطق المأهولة هنا في إيفروس و بحر إيجه بالطائرات الحربية المسلحة".

وردًّا على سؤال حول احتمال وقوع حادث ردًّا على أنشطة تركيا، قال قائد القوات المسلحة اليونانية كونستانتينوس فلوروس: "الرد العسكري هو احتمال، لا أحد يستطيع استبعاد ذلك، ومن يضع قدمه في أراضينا فسنحرقه".

وفي غضون ذلك، هناك خلاف متصاعد حول ليبيا، حيث تدخلت تركيا لإمالة القتال لصالح الحكومة المعترف بها من قبل الأمم المتحدة تحت قيادة فايز السراج وضد خصمه، المشير خليفة حفتر المدعوم من مصر والولايات المتحدة والإمارات العربية وروسيا، وحذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من أنه إذا استولت القوات المدعومة من تركيا على مدينة سرت ، فإنها ستتجاوز الخط الأحمر وستثير تدخلًا مباشرًا من قبل الجيش المصري.

إن الاشتباك الحاصل بين تركيا وفرنسا هو أحدث مثال على الفوضى بين دول حلف الناتو التي جعلتها تبدو أقرب إلى الخصوم من التحالف، إن لم يكونوا أعداء.

و في أحسن الأحوال، فشل الحلفاء في التواصل، وفي أسوأ الأحوال، يعملون بطريقة متعارضة، لدرجة ان وصل بهم الأمر إلى العمل مع خصوم الناتو، مما حدا بالرئيس الفرنسي إلى إعلانه الخريف الماضي أن الناتو يعاني من موت دماغي.

وأن الحادث الخطير الذي حصل بين فرنسا وتركيا في قلب البحر المتوسط جعل الأولى تستشيط غضبًاً، وقال مسؤول في وزارة الدفاع الفرنسية "لا يمكننا أن نقبل أن يتصرف حليف بهذه الطريقة، ولا يمكننا أن نقبل أن يقوم حليف بذلك ضد سفينة تابعة للناتو، تحت قيادة الناتو، تقوم بمهمة الناتو".

وكما اتهم ماكرون تركيا بانتهاك اتفاق دولي تم التوصل إليه في مؤتمر سلام في برلين في كانون الثاني/يناير لإنهاء التدخل الخارجي في الصراع الليبي، وحذر من أن الدولة الواقعة في شمال إفريقيا قد ينتهي بها الأمر في وضع كارثي شبيه بالوضع السوري، حيث كان لتركيا دور رئيس في هذا البلد.

وما يبدو واضحًا هو أن تركيا لم ترغب في أن يرى حلفاؤها ما كان تحمله السفينة، وتم تسليم حمولتها دون تفتيش، على الرغم من أوامر القادة الذين يقودون مختلف البعثات البحرية للاتحاد الأوروبي والناتو.

حتى الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ، الذي يجد عادة طريقة لشرح أي خلافات بين أعضاء الحلف الثلاثين، لم يستطع أن يجادل في الانقسام الصارخ حول أحداث 10 حزيران/يونيو.

في الوقت نفسه، زادت التوترات بشكل حاد بين تركيا والاتحاد الأوروبي منذ اتفاق اللاجئين لعام 2016، وبموجب هذا الاتفاق، وافقت أنقرة على المساعدة في السيطرة على تدفق المهاجرين ووافق الاتحاد الأوروبي على دفع 6 مليارات يورو للمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية لمساعدة اللاجئين في تركيا.

في أواخر شباط/فبراير، هدد أردوغان بالتخلي عن الصفقة و "فتح البوابات"، وسمح للآلاف من طالبي اللجوء بالتجمع على الحدود مع اليونان في أوج تفشي كورونا.

وأعرب الاتحاد الأوروبي أيضًا عن غضب متزايد بخصوص تصرفات تركيا بشأن التنقيب عن النفط والغاز غير المصرح به في البحر الأبيض المتوسط، حيث قال الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس "يجب إزالة تركيا من قائمة المرشحين للاتحاد الأوروبي".

ومع ذلك، فإن دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حتى عندما تكون قريبة من فرنسا سياسيًا، مترددة في الاعتراف بهذا الانقسام الصارخ، نظرًا للأهمية العسكرية لتركيا، باعتبارها واحدة من أكبر أعضاء الحلف وأفضلهم تسليحًا، والمخاطر السياسية المتمثلة في إبعاد أنقرة، التي يمكن أن يدفعها إلى التقرب من موسكو.

وظهر هذا التردد بشكل واضح عندما كانت ثمانية فقط من بين 30 دولة عضو في الناتو على استعداد لدعم فرنسا علنًا ​​في شكواها حول حادثة السفينة، وكان أبرزها عدم وجود دعم عام من واشنطن ولندن، حيث أوضح بوريس جونسون أنه لم يعط الكثير من المصداقية لوجهة نظر فرنسا.

وترى المملكة المتحدة أن تركيا جزء أساسي من استراتيجيتها العالمية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، في حين ترى الولايات المتحدة تدخل تركيا في ليبيا كوسيلة للحد من التدخل الروسي.

(م ش)