لبنان ملعب جديد للتدخل التركي.. رفع أعلام وولاء غير محدود

تسعى تركيا للتدخل في لبنان مثلما فعلت في سوريا والعراق وليبيا واليمن وقطر والصومال، وتستثمر في ذلك المكوّن السّنيّ المتمثل بجماعة "الإخوان المسلمين" والأقليّة التّركمانيّة.

لبنان ملعب جديد للتدخل التركي.. رفع أعلام وولاء غير محدود
الخميس 18 حزيران, 2020   02:46
بيروت – زياد أبو غزالة

قال سفير إحدى الدول التي تشتهر بلعبة كرة القدم وتنافس على كأس العالم، إنه "رأى أعلاماً لبلاده ترفع في لبنان أكثر مما ترفع في وطنه".

وبعيداً عن التأثير في حماسة المشجعين في مباريات كأس العالم لكرة القدم، ليس في العالم بلد غير لبنان ترفع فيه أعلام دول أجنبية وأعلام حزبية من دون ضوابط أو رادع قانوني أو وطني.

في الأيام الماضية، تداولت صفحات عدّة مجموعة من الصور ومقاطع الفيديو لشبان يحملون الأعلام التركية، وذلك ردًّا على وصف الإعلامي اللبناني من أصول أرمنية "نيشان ديرهاروتيونيان" الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ"العثماني الخبيث"، خلال لقاء أجراه مع رئيس حزب التوحيد العربي وئام وهاب، على قناة "الجديد".

بغض النظر عن السبب الذي خرجت لأجله تظاهرات في بعض المناطق، ضد غلاء الأسعار أو التلاعب بالدولار، لكن الأكيد هو أنه يكثر في لبنان رفع أعلام دول أجنبية لعدة أسباب، فالمشهد لا يختلف كثيرًا في طرابلس أو صيدا أو بيروت، حيث ترى في الضاحية الجنوبية مثلاً رفع الأعلام الإيرانية وكبار القياديين، ومن هنا، اعتبرت تعليقات كثيرة أنّه لا يحقّ لأي طرف تسجيل الاعتراض على جهة دون أخرى، لكن ماذا يقول القانون اللبناني؟

السجن والغرامة لكل من يرفع علمًا أجنبيًّا

في 19 تشرين الأول 1945، صدر ملحق بقانون العقوبات، ينصّ في أحد بنوده على منع رفع أي علم فوق الأراضي اللبنانية، غير العلم اللبناني، باستثناء حالات محددة، على أن يحاكم كل من يخالف أحكام هذا القانون بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 345 من قانون العقوبات، وهي السجن والغرامة.

القانون الذي استثنى السفارات والبعثات الأجنبية، بدا واضحاً أن معظم الشعب اللبناني لا يعلم بوجوده، لا سيّما مسؤولي الأحزاب السياسية، الذين يبدي بعضهم استغرابه لوجود هذا القانون.

فإذا أردنا أن نحصي عدد المرات التي تمّ خرقه فيها لوجدنا أنّها لا تحصى، خاصةّ أنّه ومنذ فترة طويلة بات من شبه الطبيعي أن نجد أعلام الدول المختلفة ترفرف في العديد من المهرجانات الحزبية والسياسية، كما في مواسم المونديال الرياضية، وهذا ليس جديداً في بلاد الأرز، لأسباب عدة، فهذا البلد الذي رفع قسم كبير من شعبه شعار "كل من أخذ أمي صار عمّي"، لطالما فعل ذلك منذ الاستقلال حتى اليوم.

لماذا رفع الأعلام التركية؟

رغم مرور 100 عام على مغادرة العثمانيين للأراضي اللبنانية والعربية بشكل عام إلا أن الأطماع التركية لم تنته في البلاد، ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى دفة الحكم في تركيا عام 2002، ازدادت التدخلات التركية في الدول العربية وذلك عبر جماعة الإخوان المسلمين.

وفي هذا السياق يقول الباحث والمختص في الشؤون التركية الدكتور محمد نور الدين لوكالتنا: إنّ "رفع الأعلام التركية أو الإيرانية أو أي دولة أجنبية أو عربية في لبنان أمر بديهي وليس مستغربًا، رغم أنه غير مألوف بالدول المستقلة، أما لبنان فهو بلد منقسم على نفسه بين أكثر من تيار، وهذا نتيجة طبيعية للنظام الطائفي المستمر منذ أواخر القرن التاسع عشر في العهد العثماني، وترسخ في مرحلة الانتداب بعد العام 1920، واستمر بعد الاستقلال عام 1943، وقد نُصّ عليه في اتفاقية الطائف عام 1989 وهي التي أصبحت دستورًا، لذلك فإن بنية لبنان التأسيسية منقسم طائفيًّا، وبالتالي هو منقسم سياسيًّا تبعًا لانتماء الطوائف".

ويتابع الدكتور نور الدين بالقول: "ليس غريباً أن تتوزع أهواء اللبنانيين بحسب توزع أهواء كل طائفة، على سبيل المثال المسيحيون عامة والموارنة خاصة يميلون إلى الغرب وتحديدًا إلى فرنسا، فيما السُّنّة يميلون إلى الخليج، وفي فترة مضت إلى مصر، والشيعة إلى إيران والعراق.. لذلك تنعكس الانقسامات الإقليمية بين الغرب والشرق على الطوائف والقوى الموجودة في لبنان، ومن الطبيعي أن تضرب كل طائفة – أو جزء منها – بسيف السلطان الذي تعيش من مساعداته".

وأمام هذا السرد التاريخي يتبادر إلى الذهن السؤال التالي، من يرفع العلم التركي في لبنان؟

ويؤكد لنا الدكتور نور الدين أن "من يرفع الأعلام التركية هم الجمهور المؤيد لتركيا وسياستها والمعارض للسعودية، فجمهور السنة منقسم إلى عدة تيارات، منها الخليجي الوهابي، والعروبي أيام الراحل جمال عبد الناصر، وتيار "الإخوان المسلمين" المؤيد لتركيا، ومن الطبيعي عند كل حدث أن يحملوا الأعلام التركية، لا سيما في طرابلس شمال البلاد، في إطار الصراع التركي مع السعودية والإمارات ومصر..". 

تمدد تركي عبر جمعيات خيرية وشخصيات نافذة

إنّ التوغل والنّفوذ التّركيّين يحدث في لبنان عبر جمعيّات تدعي بأنها خيريّة ناشطة في بعض المناطق اللّبنانيّة، ولكنّ أنشطة تلك الجمعيّات استخباراتيّة بالدرجة الأولى، وتحاول تركيا من خلال أدواتها النّاعمة تأسيس نفوذ لها داخل لبنان، كما فعلت في سورية واليمن وليبيا وغيرها من دول العالم.

وكانت بداية التوغل التركي في لبنان عام 2010 في صيدا جنوب لبنان، من خلال تأسيس "جمعيّة الصّداقة اللّبنانيّة التّركيّة"، وتحت هذا العنوان، أنشأت عشرات الجمعيّات والمراكز الثّقافيّة التّركيّة، إضافة إلى الغزو الثّقافيّ التّركيّ للبنان من خلال الأعمال الدّراميّة.

وفي الفترة الأخيرة، استعانت تركيا بشخصيّات لبنانيّة مهمّة ونافذة مثل أشرف ريفي وبهاء الحريري.

وتسعى تركيا لغزو لبنان من البوّابة الاقتصاديّة مستغلة تدهور الأوضاع اللبنانية، وتفيد بعض المصادر أنّ الحديث جارٍ بين أطراف لبنانيّة ورسميّة على الآليّة الواجب العمل عليها لتنفيذ اتفاقية الشراكة لإنشاء منطقة حرّة بين تركيا ولبنان، وهي اتّفاقيّة وقّع عليها وزير الاقتصاد والتّجارة السّابق محمد الصّفدي في العام ٢٠١٠، ولا لَبس أنّ موقع المنطقة الحرّة المشتركة هو في طرابلس حيث قاعدة الإخوان المسلمين في البلاد.

وفي الآونة الأخيرة، وما إن ارتفعت الأسعار في لبنان بشكل جنونيّ، حتى غزت بضائع تركيّة الأسواق اللّبنانيّة، خاصّة في طرابلس، حيث انتشرت مؤخرًا صورٌ لتلك السّلع في متاجر كبيرة.

وأيضًا هناك الكثير من العوامل المحرّكة لتركيا للدّخول بقوّة إلى السّاحة اللّبنانيّة، وهو ما تستثمره أنقرة في تعزيز نفوذها، أبرزها نظام المحاصصة الطّائفي، الّذي يرتكز عليه النّظام السّياسيّ اللّبنانيّ، وهو ما يسمح للعديد من الدّول التحرّك بصورة مؤثرة في توجيه بعض الجماعات التّابعة لها في التأثير على صانعي القرار اللّبنانيّ في اتجاه مصلحة الدّولة الأخرى.

وتستثمر تركيا في ذلك المكوّن السّنيّ المتمثل بجماعة "الإخوان المسلمين"، إضافة إلى الأقليّة التّركمانيّة ذات الأصول التّركيّة.

رفع الأعلام الأجنبية: انقسام أم غياب الولاء!

وهناك قسم لا يستهان به في لبنان يرفض الانتماء لغير بلده، ويطالب باستقلالية تامة. الناشطة اللبنانية ضياء مزهر تقول في منشور على صفحتها للتواصل الاجتماعي "الولاء لدول الخارج للأسف أكثر منها للبنان، والحِسّ الوطني مفقود! بلدك ووطنك لبنان، ليس تركيا، ولا إيران ولا سورية والسعودية، بدك يصير عندك بلد، غيّر تفكيرك".

الولاء الخالص للوطن، أصبح مفقودًا في لبنان منذ سنوات طويلة، بل انتقل إلى البلدان الأخرى تبعًا لولاء الأحزاب السياسية اللبنانية لهم واقتران مصالحهم معهم، ونتيجة ذلك، يمكن أن نلتمسها على كافّة الأصعدة، إن كان على شكل تدخلات خارجية في البلد، أو إلى المجاهرة برفع أعلام تلك البلدان، بحسب كلّ منطقة، المنقسمة أصلاً بحسب الطوائف والمذاهب.

إن مشكلة المواطن اللبناني تبدأ منذ ولادته، حيث يتمّ اختيار اسمه تبعًا للمذهب الذي ينتمي إليه، ويتم تلقينه بأنّ هويته تبدأ بحسب طائفته ومذهبه، بعدها للدولة الأجنبية الموالية للطائفة، ثم إذا بقي شيء، لبلده لبنان.

(ح)

ANHA