صحيفة: دور أوروبا الاستراتيجي في الشرق الأوسط تراجع مع وصول ترامب

رأى مراقبون أن الدور الأوروبي تراجع في الشرق الأوسط مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية، وأن أي تدخل لأوروبا في المنطقة كان ينطلق من منظور ضيق يخالف الإرث والقيم الأوروبية.

صحيفة: دور أوروبا الاستراتيجي في الشرق الأوسط تراجع مع وصول ترامب
الثلاثاء 2 حزيران, 2020   05:40
مركز الأخبار

أظهر الأسبوعان الماضيان في ليبيا دور القوة الصلبة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث زادت كل من تركيا وروسيا دعمهما العسكري للفصائل المتنافسة، وقد أبرزت هذه التطورات الدور المتنامي لروسيا والجهات الفاعلة الإقليمية على حساب أوروبا.

ولطالما كانت أوروبا لاعباً رئيساً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ففي التاريخ الحديث، تصرفت الدول الأوروبية كقوى استعمارية، لرسم حدود الشرق الأوسط الحديثة، ولكن تلك الحقبة انتهت تدريجياً، وتميزت بانسحاب المملكة المتحدة كوجود بحري أساسي في الخليج العربي عام 1971، لكن أوروبا استمرت في كونها فاعلاً استراتيجياً مهماً في المنطقة وحافظت على نفوذ سياسي كبير.

وفي العقد الماضي، انخفض دور أوروبا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل ملحوظ، على الرغم من احتفاظها بنفوذ اقتصادي وثقافي، فرد الفعل الأوروبي - أو عدمه - على الأحداث في ليبيا وسوريا وإيران وإسرائيل وفلسطين قوض دورها.

ولعبت الدول الأوروبية دوراً رئيسياً في التدخل الذي قاده الناتو في ليبيا عام 2011، لكن أوروبا فقدت الكثير من تأثيرها، وذلك بسبب اختلاف وجهات النظر الأوروبية حول من سيدعمون في ليبيا، حيث دعمت القوى الأوروبية مجموعات مختلفة في ليبيا، في الوقت الذي قدمت روسيا والجهات الفاعلة الإقليمية الدعم العسكري للفصائل المعارضة، وهمشت أوروبا.

وأصبحت أوروبا أيضاً غير ذات صلة تقريباً بالحرب الأهلية في سوريا، وعندما خلق الصراع أزمة لاجئين تاريخية، استجاب الزعماء الأوروبيون بطرق مختلفة، مفتقرين إلى استراتيجية على مستوى القارة، ويميلون إلى التركيز على إبقاء اللاجئين في الخارج بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للأزمة.

وكما شاركت الدول الأوروبية في التحالف لمحاربة داعش، على الرغم من أهمية ذلك، فقد عززت الرسالة القائلة إن أوروبا مستعدة فقط لاستخدام القوة الصارمة للتعامل مع الإرهاب فقط وليس لدعم قيمها أو مصالحها الاستراتيجية الأوسع.

وظلت أوروبا مؤثرة في ظل رئاسة باراك أوباما، فقط لأن واشنطن أرادت من الشركاء الأوروبيين دعم أفعالها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولعبت أوروبا دوراً في سياسة الولايات المتحدة تجاه ليبيا وسوريا وبشكل خاص تجاه إيران، حيث ساعدت أوروبا في التفاوض وتنفيذ خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع إيران، ولكن مع وصول ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية، انسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة على الرغم من الاعتراضات الأوروبية.

وبدت حينها جهود أوروبا لإنقاذ خطة العمل الشاملة المشتركة ضعيفة، وأعربت طهران عن أملها في أن يتخذ القادة الأوروبيون إجراءات فعالة للتحايل على العقوبات الأمريكية، ومع ذلك، فإن الجمع بين التكامل الاقتصادي والمالي بين أوروبا وسوق الولايات المتحدة وغياب الإرادة السياسية أثبت الى حد كبير أنها لن تكون بمثابة ثقل موازن.

واستغرقت أوروبا وقتاً طويلاً لإنشاء "INSTEX" وهي آلية تسمح ببعض التجارة الأوروبية مع إيران وكان نطاقها أضيق بكثير مما كانت تأمل إيران، حيث بدا للمراقبين أن الزعماء الأوروبيون والشركات الأوروبية يرغبون في الحفاظ على الوصول إلى السوق الأمريكية أكثر من فرص الأعمال في إيران.

ولسنوات، كان لأوروبا دور مهم في معالجة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ولعبت دوراً في بعض المفاوضات وقدمت مساعدة كبيرة، ومع ذلك، أظهر نهج إدارة ترامب مرة أخرى تجاهل المخاوف الأوروبية من خلال نقله السفارة الأمريكية إلى القدس، وكذلك قطعه جميع المساعدات الأمريكية تقريباً عن الفلسطينيين، ودعمت منظور إسرائيل في خطة السلام المقترحة، فمحاولات أوروبا للحفاظ على الحياد في هذه البيئة تجعلها غير ذات صلة بشكل فعال.

أدت عوامل متعددة إلى فقدان أوروبا للتأثير السياسي والاستراتيجي، وأوضحت إدارة ترامب أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أوروبا، مما يضر بنفوذ الأخيرة على مستوى العالم.

وغالباً ما فشلت الدول الأوروبية في تنسيق سياستها الخارجية، مما أدى إلى تقويض نفوذها المحتمل وتعقيد قدرة الاتحاد الأوروبي على العمل بفعالية، ففي عالم تتضاءل فيه مساحة الاعتدال السياسي، فإن جهود أوروبا لتكون ذات نفوذ متوازن لا يحظى باهتمام كبير، ولقد أدى تقاعس أوروبا عن استخدام القوة الصلبة إلى تقويض نفوذها في وقت أصبحت فيه القوى الإقليمية كروسيا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر رغبة وقدرة على نشر القوة العسكرية.

وتحتفظ أوروبا بعلاقات اقتصادية وثقافية مهمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومع ذلك، هذا غير كافٍ لتظل فاعلاً استراتيجياً رئيساً.

وبالنسبة لأولئك الذين يرون إرث أوروبا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كحقيبة مختلطة أو لها تأثيرات سلبية في الغالب، فهم يرون تراجع قوة أوروبا كتطور إيجابي، ولكن هذا سيترك مجالاً أكبر للقوى الإقليمية للعمل بشكل مستقل وبتأثير أكبر، و ستحاول روسيا ملء فراغ السلطة، الأمر الذي قد يثير مخاوف جديدة للجهات الفاعلة الإقليمية.

(م ش)