أمريكا وفرنسا تقولان إنهما ستوحدان الكرد!.. فما الذي تريدانه بالفعل؟

ظهرت مؤخراً ما قيل عنها إنها مبادرة دولية لتوحيد الصف الكردي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا مع دخول سوريا في مرحلة أخرى من الصراع، ولكن المطّلع على تاريخ الدولتين (أمريكا وفرنسا) لا بدّ أن تساوره الشكوك حول نوايا الدولتين من تلك المساعي، فما هو المقابل لتوحيد الكرد بمقاسات فرنسية – أمريكية؟

أمريكا وفرنسا تقولان إنهما ستوحدان الكرد!.. فما الذي تريدانه بالفعل؟
الثلاثاء 19 مايو, 2020   21:34
مركز الأخبار- مصطفى علو

لا يغيب عن ذاكرة الكرد ما فعلته فرنسا عام 1916 عندما وضعت أسس تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء بالاتفاق مع بريطانيا وتركت الكرد يعانون من اضطهاد أربعة أنظمة مستبدة في العراق وسوريا وإيران وتركيا.

عقب الحرب العالمية الثانية وعندما تسلمت الولايات المتحدة الأمريكية الزعامة العالمية من القوتين المهيمنتين فرنسا وبريطانيا، لم يتغير التعاطي الدولي مع القضية الكردية الذي طالما حاول على الدوام إبقائها في الظل أو بالأحرى إزالتها من الذاكرة.

ويعرف المهتم بالتاريخ الكردي أن الولايات المتحدة الأمريكية، أسهمت في ظهور إقليم كردي في إقليم كردستان عندما فرضت حظراً جوياً في بدايات التسعينيات من القرن الماضي على الإقليم لحمايته من صدام حسين وإيران، يضاف إلى ذلك الدور الأمريكي البارز في توحيد الحزبين المسيطرين في الإقليم وهما الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني.

المقابل كان دفع الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لمحاربة الحركة التحررية الكردستانية وعقود استثمار في مجالات الطاقة وفي مقدمتها النفط ناهيك عن التضييق على النفوذ الإيراني في العراق، الأمر الذي يفسر الصمت التركي حيال الإقليم الذي لم يكن في حساباته مقاومة الاحتلال التركي في يوم من الأيام ولم يخرج عن المسار الأمريكي في الشرق الأوسط.

التاريخ القريب، يثبت أن وراء أية مزاعم دولية لتوحيد الكرد، تقف نوايا خبيثة تستهدف الحركة التحررية الكردستانية التي تطرح مشاريع ديمقراطية من شأنها خلق ديمقراطية تناسب التعدد الديني والقومي ليس في كردستان فحسب، بل في منطقة الشرق الأوسط بكاملها.

على صعيد روج آفا، طلت أمريكا مؤخراً وفي حقيبتها الدبلوماسية مبادرة لتوحيد الكرد، هي التي (أمريكا) كان آخر فصولها ضد الكرد سحب قواتها في الـ 9 من تشرين الأول العام الماضي لتفتح المجال لهجوم تركي على مناطق شمال وشرق سوريا أفضى إلى احتلال تركي برفقة مجموعات مرتزقة لمنطقة سري كانيه ومقاطعة تل أبيض، مع العلم أن تاريخ الهجوم صادف يوم أسر القائد عبد الله أوجلان عام 1999 وهي مؤامرة قادتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) مع قوى أوروبية إلى جانب تركيا.

إذاً ماذا تريد أمريكا وفرنسا من توحيد الكرد؟ ما المقابل الذي تريدانه؟ هل هي بالفعل مبادرة لتوحيد الكرد أم محاولة للتسلل إلى صفوف الكرد مقابل أهداف على المدى الطويل؟

أمريكا وفرنسا تدفعان باتجاه مباحثات بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي (ENKS)، مع العلم أن ENKS له صلات وثيقة مع تركيا ومع حزب الديمقراطي الكردستاني وهو الآخر له علاقات وطيدة مع تركيا منذ عقود من الزمن.

الشعار المرفوع هو توحيد الكرد، ولكن هناك غايات أخرى، من الواضح أن الولايات المتحدة تسعى إلى إقحام ENKS في إدارة مناطق شمال وشرق سوريا، مع أن ENKS لم يكن له أي جهد يذكر فيما حققته هذه المنطقة، وتهرب من كل الدعوات التي وجهتها القوى الكردية لتوحيد البيت الداخلي الكردي ولكنه لبى الدعوة الأمريكية.

إذاً، المبتغى الأمريكي واضح، إدارة ذاتية مطعمة بـ ENKS بما يأمن لها (أمريكا) تأثيراً طويل الأمد في شمال وشرق سوريا الغنية بموارد الطاقة والمجاورة لمناطق النفوذ الروسي وكذلك الإيراني.

وليس من المستبعد أن تكون الخطوة الأمريكية التالية بعد إدخال ENKS في الإدارة الذاتية، هي تقوية ENKS ضمن الإدارة الذاتية ما يعني قوة تأثيرها (أمريكا) في الإدارة ولاحقاً التحكم في مفاصلها وعرقلة القرارات التي لا تتناغم مع الاستراتيجية الأمريكية في سوريا.

في حال إقصاء الأسد عن سدة الحكم في سوريا، وتشكيل حكومة جديدة وإقرار دستور فدرالي جديد في سوريا بتوافق روسي وأمريكي ولا يلبي طموحات إيران التوسعية في المنطقة، سيكون من الأسهل على أمريكا من خلال الإدارة الذاتية المطمعة بـ ENKS التأثير في القرار السوري، وضمان تحييد إيران وعدم ترك الساحة لروسيا منفردة في سوريا، وهي كلها غايات أمريكية واضحة.

باختصار، يبدو أن الهدف الأمريكي هو تشكيل سوريا شبيهة بالعراق، كما تتدخل أمريكا في العراق ولبنان وبلدان أخرى في المنطقة من خلال أتباعها في حكومات تلك البلدان، فهي (أمريكا) على ما يبدو تسعى إلى إيجاد أتباع لها في بدن الإدارة الذاتية لفرض رؤيتها، ولكن أمريكا لن تقول ذلك علناً ويبدو أن شعار توحيد الكرد مناسب لتحقيق تلك الغاية.

 لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية جادة في توحيد الكرد لكانت واجهت معارضة تركية حادة، ولكن كما صمتت تركيا عن تشكيل إقليم كردستان لأنه لم يتعارض مع مصالحها فإنها تكرر ذات الموقف لأن استراتيجية أمريكا في سوريا وفي كردستان بشكل عام لا تتعارض مع الاستراتيجية التركية بشكل عام.

ولهذا، طلّ المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، جيمس جيفري، قبل فترة وطالب بخروج القوات الأجنبية التي دخلت سوريا بعد عام 2011، إذا تحققت إدارة موالية لأمريكا في شمال وشرق سوريا وإدارة موالية لتركيا في الشمال الغربي ودمشق خاضعة تماماً للنفوذ الروسي حينها لن تكون هناك حاجة للقوات الأجنبية في سوريا، ولعل عدم مطالبة أمريكا بخروج القوات الروسية هو لضمان سيطرة روسيا على دمشق بما لا يترك مجالاً لعودة إيران ويضمن أمن إسرائيل.

(م)

ANHA

ليس بالضرورة أن تعبر المقالة عن رأي الوكالة