انتفاضة 2004.. حراكٌ كسر حاجز الخوف ومهد لثورة 19 من تموز

على الرغم من بدء الحراك الشعبي السلمي في سوريا آذار عام 2011 إلا أن انتفاضة قامشلو كان لها تأثير غير مباشر في كسر حاجز الخوف لدى السوريين، وبناء أرضية لانطلاقة ثورة الـ19 من تموز عام 2012 شمال البلاد.

انتفاضة 2004.. حراكٌ كسر حاجز الخوف ومهد لثورة 19 من تموز
الثلاثاء 12 آذار, 2019   04:54

زانا سيدي/كوباني

قبيل أن تصدح حناجر مئات الآلاف من السوريين في درعا، حمص، حماه والعاصمة دمشق ربيع عام 2011 بأعوامٍ قليلة، وعلى بعد عقدين من مجازر حماه وتدمر عام 1980، اجتاحت أمواجٌ من البشر شوارع عددٍ من المدن شمال البلاد آذار عام 2004 حتى وصلت الاحتجاجات إلى قلب العاصمة دعماً للانتفاضة في قامشلو.

الملعب مسرحٌ  للانتفاضة الشعبية

في الملعب الرئيسي في مدينة قامشلو جمعت مباراة كرة قدم فريق المدينة الواقعة أقصى شمال شرق سوريا "الجهاد" بفريق "الفتوة" القادم من دير الزور ضمن الدوري السوري، حيث تعمد عناصر الأمن السوري في الخلط بين الجمهورين في قسمٍ واحد من المدرجات ليبدأ جمهور نادي الفتوة المجهز بالأسلحة البيضاء والحجارة بمهاجمة جمهور الجهاد وإلحاق الإصابات بالعشرات منهم.

لم تكن إلا دقائق حتى قام عشرات الشبان الكرد برشق جمهور نادي الفتوة بالحجارة وسط المعلب، لتندلع المواجهات بين الجمهورين حتى أطلق عناصر الشرطة في المدينة الرصاص الحي على المدنيين وأردوا 4 شبانٍ كرد قتلى على الفور، بينما جرح عشرات آخرون.

في الـ13 من آذار عام 2004 شهدت مدينة قامشلو إضرابا عاما، فيما شيع عشرات الآلاف من الكرد جثمان الضحايا الأربعة، لتندلع مواجهاتٌ مع الأمن السوري الذي استخدم الرصاص الحي في تفريق المشيعين لتصل حصيلة ممن فقدوا حياتهم آنذاك تحت التعذيب وبالرصاص إلى 40 مواطناً فيما قالت وسائل إعلام النظام السوري بأن 25 شخصاً قد لقوا حتفهم.

ثورة في الشمال وصمت يطبق على باقي المحافظات

اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مدن ديريك، عامودا، الحسكة، حلب، كوباني، عفرين، والعاصمة دمشق، غداة مقتل شبانٍ كرد على يد أجهزة الأمن السورية في قامشلو التي حاولت خلق فتنة بين الكرد والعشائر العربية التي تم تسليحها آنذاك، تحت ذريعة أن الكرد يسعون إلى تقسيم البلاد ويدعمون مخططات غربية.

لم تتوانى قوى الأمن السورية عن اعتقال الشبان الكرد في جميع أنحاء البلاد حتى وصل العدد إلى 5000 معتقل بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

تمكن المتظاهرون الغاضبون من الوصول إلى قلب العاصمة دمشق في الـ14 من آذار مطالبين الحكومة السورية الإفراج عن المعتقلين، ومنح حقوق الشعب الكردي له وعدم خلق الفتنة بين الكرد والعرب لتفرق قوى الأمن التظاهرة بالقوة.

على خلفية تلك الاحداث حكم على عشرات الشبان بالسجن المؤبد فيما حكم على آخرين بالسجن لمدة 20 أو 30 عاماً، فيما قضى البعض حتفه تحت التعذيب في سجون السلطات السورية.

كسر حاجز الخوف...والحكومة خارج عامودا، ديريك وكوباني

تواصلت التظاهرات في أغلب المدن التي يقطنها الكرد فيما تمكن المواطنون في مدينتي عامودا وديريك شمال شرق البلاد من إخراج عناصر حكومة النظام السوري من المدينتين لـ5 أيام متتالية.

في الـ12 من آذار عام 2004 احتشد الآلاف من الكرد نساءً ورجال في شارع 48 وسط كوباني شمال سوريا وأطلقوا شعار "المقاومة حياة" وحاصروا عدداً من المباني الحكومية بما فيها مبنى مدير المنطقة والسرايا، إذ نشبت اشتباكات استخدم فيه عناصر الشرطة الرصاص لتفريق المتظاهرين أدى إلى جرح 3 مواطنين، بينما فرت الشرطة خارج المدينة لأيام.

استقدم النظام السوري التعزيزات العسكرية تمثلت بمئات الجنود وبدأت حملةَ مداهماتٍ واسعة طالت أغلب المنازل في مدينة كوباني، اعتُقل مئات الشبان وجر بهم إلى السجون في دمشق وحلب وبات مصير عددٍ منهم مجهولاٌ حتى اليوم.

ثورة الـ19 من تموز حراكٌ وحدَ العرب والكرد، ونسف فتنة السلطات خلال عقد من الزمن

على الرغم من محاولات النظام السوري بزرع الفتنة بين مكونات الشعب السوري ربيع عام 2004 وخلق حساسية إلى حد ما بين المكونين الكردي والعربي إلا أن ذلك لم يثمر عن الأهداف التي سعت السلطات لتحقيقها آنذاك.

أصبحت التظاهرات الحاشدة التي خرج بها الكرد في عموم المدن في شمال وشرق سوريا حينها، مقياساً لمدى تنظيم الشعب ومدى ارتباطه بأهدافه وحقوقه المسلوبة وأخذت الفعاليات والنشاطات في مدن غرب كردستان تأخذ منحىً آخر وتتجهز لأي حراك مفاجئ قد يحصل في تلك الأعوام التي يصفها البعض بـ "السوداء" و "القاسية".

 مع انطلاقة شرارة الثورة السورية السلمية عام 2011 عمل الكرد على حماية مناطقهم من أي تهديد قد يطالها وفي مقدمتها قوات النظام السوري المتواجدة في مدن شمال البلاد، إذ أخرج متظاهرون اقتحموا مقرات أمنية في الـ19 من تموز عشرات المسلحين التابعين للنظام السوري من مدينة كوباني، لتنفذ عمليات مماثلة في مدن ديريك، عفرين، سري كانيه، عامودا وغيرها وتنطلق ثورة الـ19 من تموز عام 2012.

اعتبرت انتفاضة قامشلو عام 2004 أساساً متيناً لثورة الـ19 من تموز، مئات الآلاف من الحناجر صدحت خلال 7 أيامٍ من الحراك مطالبة بالحرية، الديمقراطية والعدالة ولم تتغير تلك المطالب بحلول عام 2012 وهي ذاتها التي لم يتخلى عنها جميع من خرج إلى الساحات السورية في الحراك السلمي.

بعد أكثر من ستة أعوام تحولت الثورة في شمال سوريا التي انطلقت من كوباني إلى حضن للعرب، السريان، تركمان، الكرد، الآشور، والجركس، الذين أكدوا على تلك المطالب التي نادى بها المتظاهرون منذ عام 2004 انخرط أبناء هذه المكونات في الأعوام القليلة الماضية في الإدارة الذاتية الديمقراطية والقوات العسكرية و وقفت صفاً واحداً في وجه الإرهاب الذي هدد مناطق شمال وشرق سوريا واستطاعوا بلحمة وطنية حماية البلاد ونسف جميع أشكال الفتن التي سعت إليها حكومات عدة.

(ج)

ANHA