"مسرحية" أمنية في الشمال السوري بمباركة القيصر وتنفيذ السلطان-2

إن التحرك التركي في المناطق التي تحتلها لا تبشر بالخير للسوريين أبداً، وإن دلت على شيء فإنها تدل على التغيير الكامل في مسالك الحياة وملامح المنطقة تمهيداً لاقتطاع جزء آخر من سوريا وضمها إلى أراضيها، وتحركها هذا كان منذ بداية الأزمة إلا أنها تدخلت مباشرة بعملية درع الفرات لتنفيذ مخططه بعد قضاء قوات سوريا الديمقراطية على داعش ومعظم المجموعات الإرهابية المدعومة تركياً.

"مسرحية" أمنية في الشمال السوري بمباركة القيصر وتنفيذ السلطان-2
الأحد 9 كانون الأول, 2018   03:15

روج موسى/مركز الأخبار

نحو الاقتطاع.. تغييرات واسعة من أجل المناطق المحتلة

تزامنت الحملة الأمنية التي أطلقها الاحتلال التركي ومرتزقته مع تغييرات عديدة قد تناولتها صحيفة يني شفق في أحد تقاريرها بأن الحكومة التركية تعمل على عدة مشاريع في مجالات الصحة والتجارة والمواصلات والتعليم والإدارة المحلية في المنطقة الممتدة من جرابلس شرقاً وصولاً لإدلب غرباً.

هذا وكان أردوغان قد أجرى تغييرات على الصعيد الداخلي أيضاً، ففي العاشر من أغسطس/آب الماضي ترأس قارال أوغلو رئاسة  المديرية العامة للشؤون الأمنية برئاسة الجمهورية في أنقرة، الذي يعتبره المتعاونون مع الاحتلال التركي أحد المهتمين بالوضع المعيشي للمناطق المحتلة.

فيما شهدت الولايات التركية الواقعة على الحدود تغييرات عديدة ضمن المسؤولين الأتراك والولاة ليس في الولايات المواجهة للمناطق المحتلة، بل المناطق المواجهة لمناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية والمعروفة في المصطلح السياسي بـ"شرق الفرات"، التي كان قد أعلن الاحتلال التركي عن نيته الهجوم عليها أكثر من مرة لاحتلاله.

وكان عُقد قبيل بدء الحملة الأمنية في عفرين اجتماعاً بين وزير الداخلية التركية ومسؤولي الاستخبارات والولاة والأمنيين لتسليم التعليمات الجديدة فيما يخص بإدارة المناطق المحتلة حسبما سربته يني شفق.

فعملية إرسال مقاتلي القوات الخاصة التابعة للشرطة التركية JOH إلى عفرين وتحويلهم لمدرسة أطفال إلى قاعدة عسكرية خير دليل على المخططات التركية في المستقبل القريب دون البعيد.

وفي قراءة سطحية للخطاب الإعلامي للحكومة التركية تسطيع أن تجد كيف تحول اللغة باتجاه الفصائل، فقد باتت بعض الفصائل التي دعمتها وشكلتها تركيا لاحتلال الأراضي السورية مثل الشرقية إلى إرهابيين وغيرها من الفصائل الأخرى، وجاء في التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام التركية بأنه هناك انتهاكات في عفرين ضد المدنيين الأمر الذي لم يكن له وجود قبل بدء الحملة الأمنية في الخطاب الإعلامي، حيث يصنف هذا العمل بإحدى الإخلالات   بأخلاق الصحافة وحرية التعبير.

تأجيج نار الصراع العربي التركماني وتاريخ حافل بالاشتباكات

تعمل تركيا على تقوية العنصر التركماني الذي قامت بتوطنيه بشكل كبير في المناطق المحتلة بالشمال السوري على حساب المكون العربي والكردي بالدرجة الأولى، فأغلب المتعاونين معها من الكرد في العملية الاحتلالية العسكرية على عفرين وفيما بعد بإعطاء المعلومات عن الأهالي المدنيين واتهامهم بحجج واهية تم اعتقالهم بشكل مباشر عقب الاستفادة من أتعابهم.

فحتى بالحملة الأمنية، كان واضحاً بأن الأمر هو بين العرب والتركمان أكثر مما هو بين فصائل مرتزقة عسكرية، ففرقة الحمزة وسلطان مراد هي فصائل ذات أغلبية تركمانية ساحقة، حيث قامت تركيا بتوظيف مرتزقة أجانب أيضاً في الشمال السوري، فضمت لواء سمرقند في حزيران 2016  إلى ضمن صفوف فرقة الحمزة ويعتبر لواء سمرقند أحد الفصائل الشبيهة بالحزب الإسلامي التركستاني كونه يضم مرتزقة أجانب من أوزباكستان.

وتمتلك فرقة الحمزة عتاداً أمريكياً جيداً كون أغلب مقاتليها تم تدريبهم على القوات الأمريكية ضمن مشروع قوات المعارضة المسلحة، حيث استخدمت أغلب تلك الأسلحة في الحملة الاحتلالية لعفرين والهجمات المتكررة على ريف منبج الغربي والشمالي وهو الأمر الذي يعتبر أحد أسباب العداوة بين الشرقية والحمزات، كون الشرقية تعادي أمريكا بشكل كبير.

هذا وحاولت تركيا استثمار أحداث مدينة الباب في الشهر الرابع بين عائلة آل واكي الموالية لأحرار الشام وأحرار الشرقية، وذلك بمحاولة خلق حالة طائفية بين أهالي المنطقة بين العرب والتركمان وذلك للفصل بين الفصائل التركمانية عن باقي الفصائل وتقديم دعمها بشكل مختلف، إلى جانب قيامه باستثمار العشرات من الاشتباكات الفصائلية الأخرى.

ولا تعتبر الاشتباكات التي شهدتها في أواسط الشهر الماضي أول مرة يشتبك بها الفصائل فيما بينهم، مثل اشتباكات الشرقية وسلطان مراد في سرمدا بإدلب على تجارة بعض السيارات وفي الشهر الثالث بمدينة عفرين مع فرقة الحمزات نتيجة خلافهم على تركس يعود مليكته لأحد أهالي عفرين.

فالضحايا دوماً من الاشتباكات الفصائلية هم المدنيين والأهالي، ففي الاشتباكات الأخيرة في عفرين، قصفت بعض الأحياء السكنية بغية استهداف المقاتلين، الأمر الذي أدى لضحايا عديدة بين صفوف المدنيين من جرحى وشهداء دون قدرة على إسعاف أحدهم نتيجة الاشتباكات وتوقف الحياة في المدينة.

الشرقية والكرت التركي المحروق

الشرقية، هو عبارة عن عدة فصائل أحدهم كان شهداء الشرقية الذي خرج من عفرين مع عوائل عناصره باتجاه قرى جندريسه، ولكن أكبر المجموعات هو تجمع أحرار الشرقية الذي يسيطر بنسبة كبيرة على مدينة الباب ويعتبر أحد الفصائل المرتزقة الكبيرة في المنطقة في حين يمتلك عتاداً ثقيلاً منوعاً وعدد عناصره  يصل إلى 4000 عنصراً، الأمر الذي يجعله عامل قوة في المنطقة.

تجمع الفصائل علاقات جيدة مع جبهة النصرة  وجند الأقصى، كونه كان في فصيل واحد إبان سيطرتهم على محافظة دير الزور عامي2012 و2013 ويعتبر الفصيل الذي بات يسمى بالعنصري عقب قيامه بكتابتها على مدخل مدينة عفرين الجنوبي المؤدي لجندريسه على أحد الجدران "دير الزور ترحب بكم" معتبرين عفرين بلادهم الجديدة وبأنهم سيستوطنون بها.

تركيا تراضي روسيا بتصفية مرتزقتها

كنا في الشهر الخامس قد نشرنا ملفاً على وكالتنا تحت عنوان " تركيا المستفيد الأكبر من أحداث الباب... وديمغرافية عفرين تتغير بصمت" وذلك على جزأين، تحدثنا فيه حينها على أحداث الباب التي جرت بين الشرقية وعائلة آل واكي في جزئها الأول، بينما في الجزء الثاني كنا خصصناه للحديث عن عمليات التصفية التي قد تقوم بها تركيا عن قرب لمرتزقتها، الأمر الذي فعلاً قامت به تركيا عقب نشرنا للملف بستة أشهر.

حيث تناول الملف في الجزء الثاني حينها بأن " عمليات التصفية لن تستهدف أحرار الشرقية فقط في حال حدوثها بالزمان القريب، فعمليات التصفية ستستهدف جميع الفصائل بدون تمييز وذلك عبر دفعها للاشتباك فيما بينها، وستؤدي هذه الاشتباكات إلى تصفية بعض الفصائل نهائياً وإضعاف الطرف المنتصر كون القوات هي متساوية بشكل تقريبي من ناحية الأسلحة الثقيلة، فسيكون السيطرة الكاملة مئة بالمئة لتركيا وجيشها".

ففي الشهر الخامس كان هناك اتفاق تركي روسي لنشر نقاط مراقبة روسية تركية على طول حدود نفوذ النظام مع المرتزقة في إدلب وكانت عمليات الاشتباكات التي تفتعلها تركيا هي بغاية إرضاء روسيا لتسهيل وضع النقاط، وهو الأمر نفسه الذي تقوم به تركيا حيث تحاول إرضاء روسيا لكف البلاء عسكرياً عن إدلب وتسهيل إقامة منطقة منزوعة السلاح الذي يعتبر أحد أكبر الاتفاقيات الروسية التركية

توقعاتنا جاءت في محلها: تركيا ستصفي أحرار الشرقية

وكنا قد أكدنا في الجزء الثاني من ملفنا حينها معتمدين على أحد المصادر الموثوقة من داخل بلدة الراعي الواقعة على الحدود السورية التركية بمناطق الشهباء وأحد المعاقل الرئيسية للفصائل التركمانية وجيش الاحتلال التركي بأن جيش الاحتلال التركي وبالتعاون مع مرتزقته من التركمان على تصفية الشرقية بشكل كامل من المنطقة عبر تخريج دفعات من الشرطة الحرة.

فيما قد تختلف آلية التصفية فقد تتم التصفية عبر تفكيك الشرقية شيئاً فشيئاً عدا التسوية العسكرية وقد يكون هناك فصائل عربية سنية أخرى مشاركة في تصفية الشرقية المنبوذة شعبياً مثل باقي الفصائل، فتصفية بعض الفصائل سيكون من مصلحة الروسي أيضاً مثلما هي في مصلحة التركي.

فتركيا لن ترمي بورقة الشرقية إلى الهامش بشكل نهائي، فستعمل على توظيفهم مجدداً في عمليات جديدة مثلما التي تنادي إليها في شرق الفرات وجعلهم مرتزقة عند لزوم الأمر لاقتحام تلك المناطق عقب حصوله على الضوء الأخضر الدولي لبدء الاحتلال هناك.

ANHA