قصص من مقاومة العصر - 12

مقاتلتان رفيقتان تشاركان معاً في مقاومة العصر في مرحلتها الأولى من البداية حتى النهاية، تواجهان الكثير من المخاطر وتفقدان أعز رفاقهما، تسردان بعض قصص المقاومة والتضحية والفداء التي شاهدتاها وشاركتا فيها، ومازالتا على العهد في مواصلة النضال ضمن المرحلة الثانية حتى تحرير عفرين والانتقام لرفاقهما الشهداء.

قصص من مقاومة العصر - 12
قصص من مقاومة العصر - 12
قصص من مقاومة العصر - 12
الخميس 25 تشرين الأول, 2018   01:10

آفيان وروكن بوطان.. مقاتلتان ترويان جانباً من قصص التضحية والفداء في مقاومة العصر

تولين حسن – غاندي علو/عفرين

خلال مقاومة العصر في عفرين أبدت وحدات حماية الشعب والمرأة مقاومة استثنائية قل نظيرها في العالم، وامتزجت تلك المقاومة بروح التضحية والفداء والوفاء للأرض والشعب والشهداء وكان لوحدات حماية المرأة دور بارز في تلك المقاومة وألحقت المقاتلات الضربات الموجعة بجيش الاحتلال التركي ومرتزقته عبر صمودهن وتنفيذهن للعمليات النوعية والفدائية، كأمثال أفيستا وبارين وغيرهن ممن أصبحن رموزاً لنضال المرأة الحرة المقاومة، وشهدت كل قرية في عفرين قصصاً للمقاومة والتضحية والوفاء، ومن بينها قصة المقاتلتين آفيان بوطان وروكن بوطان.

المقاتلتان في وحدات حماية المرأة آفيان بوطان وروكن بوطان كانتا اثنتين من بين الكثير من المقاتلات اللواتي وفين بوعدهن لأرضهن ورفاقهن وعاشتا لحظات عصيبة في المقاومة مع بعضهما، استطاعتا الصمود حتى النهاية وتواصلان المقاومة حتى اللحظة ضمن المرحلة الثانية من مقاومة العصر.

مقاومة تل كفري كر وباطمان

المقاتلتان ترويان مقتطفات من شهادتهما على مقاومة عفرين من تلة كفري كر إلى تلة باطمان وقرى ناحية جندريسه، المقاتلة آفيان بوطان روت ما جرى معهم أثناء مشاركتهم في مقاومة التلين، وقالت: توجهنا إلى ناحية راجو ضمن مجموعة الشهيد جكدار والشهيدة بارين في اليوم الثاني من مقاومة العصر، وكنت أنا ورفيقتي المقاتلة روكن ضمن المجموعة التي تقودها القيادية سلافا، وطلب من مجموعتنا التوجه صوب تلتي كفري كر وتلة باطمان الواقعتين على الحدود واللتين احتلهما المرتزقة وجيش الاحتلال التركي، فتوجهنا صوب التلتين سيراً على الأقدام وكنا نتسلل من بين الأشجار الحراجية الكثيفة في تلك المنطقة حتى نحتمي من طيران الاستطلاع والمروحي، وبعد السير لعدة ساعات تمركزنا في نقاط قريبة من التلتين، ورأينا آثار الدمار الذي ألحقه القصف الوحشي لطيران ومدافع جيش الاحتلال التركي بتلك المنطقة كان منظراً يؤلم القلب لما حل بأرضنا وبطبيعة عفرين، وعليه توزعنا على شكل مجموعتين ورغم التعب الذي أصابنا نتيجة المشي الطويل إلا أننا كنا متحمسين للقتال والانتقام من العدو.

وهناك قررنا تنفيذ عمليات نوعية ضد جيش الاحتلال التركي ومرتزقته وتحرير التلتين، وتحركنا مع حلول الليل من محورين صوب تلة كفري كر، وهذه التلة طبيعتها صخرية وتغطيها الشجيرات الحراجية، وتحركنا بشكل خفي بين الصخور والشجيرات حتى اقتربنا من قمة التل، وحينها تقدمت مع مقاتل آخر لنستطلع الوضع ونهاجم على أولى نقاط العدو، وتقدمنا زحفاً حتى بتنا على بعد عدة أمتار من نقطة تمركز للمرتزقة، وألقى رفيقي المقاتل قنبلة يدوية على النقطة وعندما انفجرت تحركنا صوبها بسرعة وأطلقنا الرصاص خلف النقطة التي كان فيها 3 مرتزقة قتلوا فيها، ومع بدء العملية لحقت بنا باقي المجموعة وتوزعوا على التل واندلعت الاشتباكات على التل وارتفعت أصوات الرصاص وتمكنا من تشتيت جيش الاحتلال والمرتزقة وقتلنا عدداً منهم ولاذ البقية بالفرار، وبعد أقل من ساعة من الاشتباكات لم يبقَ على التل أحد من المرتزقة ومشطنا التل حتى التقت مجموعتانا ببعضهما والتقيت مع رفيقتي روكن وعانقتها وانتابنا شعور بالحماسة لنجاح العملية وعدم إصابة أو استشهاد أحد من رفاقنا.

تنفيذ عملية على تلة باطمان

وأكملت آفيان سردها قائلة:" بعد توجيهنا ضربة موجعة لجيش الاحتلال والمرتزقة في تلة كفري كر وتحريرها، قررنا المبادرة لإلحاق ضربة أخرى بالمرتزقة في تل باطمان القريبة من كفري كر، وذلك حتى لا نسمح للمرتزقة بتجميع صفوفهم ومهاجمة كفري كر مرة أخرى، وعليه طلبت القيادية سلافا تشكيل مجموعة واحدة تنفذ العملية والمجموعة الثانية تحمي كفري كر وتغطي على المجموعة الأولى من الخلف حتى لا يلتف المرتزقة علينا، فطلبت أنا ورفيقتي روكن أن نكون ضمن المجموعة التي ستنفذ العملية، وانضم إلينا 4 من مقاتلي وحدات حماية الشعب هم كل من "شيار وكندال وجكدار وسيبان".

وأكملت آفيان:" قبل توجهنا نحو تلة باطمان وضعنا خطة لكيفية تنفيذ العملية حيث قررنا أن ندخل التل من 3 محاور كل مقاتلين يتقدمان من جهة، وبعد منتصف الليل وعندما اشتد الظلام حزمنا أسلحتنا ومعداتنا وتوجهنا صوب تلة باطمان، كنت أنا والرفيق كندال نتقدم من جهة والمجموعة الثانية تضم روكن وشيار تقدما من جهة أخرى، أما الرفيقان جكدار وسيبان فكانا في الوسط ويسيران خلفنا لتقديم المساندة لنا في حال حدث شيء غير متوقع، كنا كلما تقدمنا نسمع أصوات المرتزقة وتحركاتهم، لذا كنا نتحرك بحذر شديد باعتبار أن المرتزقة مستنفرين بعد الضربة التي تلقوها في كفري كر، ولدى اجتيازنا لأكثر من منتصف التل ركزت الرفيقة سلاح البي كي سي خلف صخرة ووجهته نحو نقاط المرتزقة وفتحت نيران سلاحها صوب المرتزقة، وحينها تقدمت مع الرفيق كندال نحو قمة التل وفتحنا نيران رشاشاتنا الخفيفة صوب المرتزقة واندلعت اشتباكات عنيفة بيننا، كانت أعداد جيش الاحتلال والمرتزقة كبيرة على التل وينهال الرصاص بكثافة صوبنا، كنا نسمع صراخ المرتزقة وهم ينادون بعضهم لسحب قتلاهم وجرحاهم، حاولنا التقدم أكثر لنتمكن من تحديد أهدافنا بشكل أوضح، ولدى تقدمنا قليلاً فجأة رأيت الرفيق كندال وقع على الأرض سارعت إليه وقال إنه أصيب بطلقة في البطن، فساعدته على النهوض وحملت سلاحه وجعبته وبدأنا بالتراجع ببطء نحو الخلف، ولحق بنا الرفيقان جكدار وسيبان وحملا الرفيق كندال وكانا يشجعانه ويطلبان منه التماسك حتى يوصلوه إلى نقاط رفاقنا، وعليه تواصلنا مع الرفيقة روكن وشيار وطلبنا منهما التراجع، وفي تلك الأثناء كان الرصاص ينهال باتجاهنا بغزارة وكنا ننسحب ببطء وحذر، وكانت المسافة بيننا وبين نقاط رفاقنا على تل كفري كر بعيدة ووعورة الطريق تعرقل سرعتنا بالإضافة إلى إطلاق المرتزقة الرصاص بشكل عشوائي على محيط التل، وبعد ساعة من المسير وصلنا إلى كفري كر، وسارع باقي رفاقنا لاستقبالنا واجتمعنا حول الرفيق كندال لنطمئن عليه، ولكن كانت الصدمة أن أدركنا أنه استشهد متأثراً بإصابته وشدة النزيف الذي حصل معه. وهناك جددنا العهد للشهيد بأن ننتقم له ونصعد من المقاومة.

قصف الطيران على كفري كر

وتستمر آفيان في سردها قائلة:" بعد عودتنا من تلة باطمان وإرسال جثمان الشهيد كندال إلى عفرين، ذهبنا للاستراحة في أنفاق كنا حفرناها في تلة كفري كر، وكان باقي رفاقنا يحرسون التل، وفي ساعات الفجر الأولى استيقظنا على صوت قصف عنيف هز التل، انتظرنا قليلاً في أماكننا ثم خرجنا لنتفقد أوضاع رفاقنا، نادينا عليهم رد بعض الرفاق علينا فسارعنا باتجاههم كان البعض ممن كانوا يحرسون التل أصيبوا بجراح خفيفة والبعض تعرض للصدمة جراء قوة الضربة والضغط الذي ولده الانفجار، ثم علمنا أن مجموعة من المقاتلين عالقة في أحد الأنفاق والذي تهدمت فوهته جراء القصف، فسارعنا لإخراجهم، ولم يصب أحد منهم بأذى، وأرسلنا الجرحى الذين يحتاجون إلى تقطيب جراحهم إلى النقاط الطبية، والباقي توزع على التل واتخذنا مواقعنا ضمن نقاط بعيدة عن بعضها حتى لا نصاب جميعاً في حال شن الطيران غارات أخرى على التل، وكنا نعلم أن جيش الاحتلال والمرتزقة عندما ينوون مهاجمة مكان يمهدون له بقصف من الطيران والمدفعية والأسلحة الثقيلة، وبعد غارات الطيران بدأ جيش الاحتلال والمرتزقة بقصف كفري كر بالمدفعية من تل باطمان.

وأردفت آفيان" باعتبار أن كفري كر كانت قريبة من تلة باطمان وكان القصف يشتد علينا كانت القيادية سلافا تحاول دائماً حمايتنا بإعطاء التعليمات حول كيفية حماية أنفسنا وكانت تجول على نقاطنا رغم خطورة القصف لتطمئن علينا وترفع من معنوياتنا،  وبعد عدة ساعات من القصف المدفعي بدأ جيش الاحتلال والمرتزقة بشن هجوم على تلة كفري كر، يساندهم الطيران المروحي، كنا نحاول حماية أنفسنا عبر الخنادق وخلف الصخور ونتصدى للهجمات، واشتدت بعدها الاشتباكات وكان العدو يهاجم بأعداد كبيرة ومن عدة محاور وكان قرب التلتين من الحدود يساعدهم على التحرك بحرية أكثر لأنهم يدركون أن جبهتهم الخلفية هي الحدود ولا يمكن مهاجمتهم منها، لذا كانوا يوجهون كل قوتهم صوب التلة، ومع ذلك تصدينا لتلك الهجمات ولم نسمح لهم بالتقدم بسهولة وألحقنا بهم خسائر كبيرة وأعطبنا ودمرنا عدة آليات لهم، ووسط اشتداد المعركة وسقوط القذائف بغزارة على التل ومحيطها كانت القيادية سلافا تنتقل من نقطة لأخرى لتدعم مقاتليها وتعطيهم التعليمات والمساندة، وأثناء تنقلها سقطت قذيفة بجانبها وأصيبت بجروح، لم نكن نعلم حينها بإصابتها ولم يخبرنا باقي رفاقنا بذلك حتى لا يؤثر ذلك الخبر علينا لأنهم كانوا يعرفون أننا نستمد من سلافا المعنويات والقوى، وكانوا قد نقلوها إلى النقاط الطبية لتلقي العلاج، وواصلنا التصدي للهجوم عدة ساعات وكان المرتزقة يحاولون الالتفاف حول التل لمحاصرتنا، وبعد أن عجز العدو عن التقدم نحو التل وبعد تكبده الكثير من الخسائر ساندتهم هذه المرة الطائرات الحربية التي بدأت تحوم فوقنا وتشن غارات عنيفة على التل ومحيطها، لم نعد نعرف كيف نحمي أنفسنا من قصف الطيران والتصدي للهجوم في الوقت نفسه، وفي تلك الغارات أصيب بعض رفاقنا بجراح، وعليه قررنا التراجع إلى النقاط الخلفية لنداوي الجرحى ونستجمع مجموعتنا، وبدأنا بالخروج من التل بشكل متسلسل، أي تتراجع مجموعة وتغطي الأخرى عليها وبهذا الشكل تمكنا من الوصول إلى نقاط رفاقنا في القرى الواقعة خلف تلة كفري كر وأسعفنا كافة الجرحى، وهناك وصلنا الخبر المفجع، عندما سألنا عن القيادية سلافا ولماذا لم تعد معنا أخبرونا بأنها أصيبت على التل ونقلوها إلى عفرين ولكنها استشهدت قبل الوصول إلى المشفى، كان وقع خبر استشهادها قوياً علينا.

استشهادها كان دافعاً جديداً لنا لنواصل المقاومة بعزيمة أكبر ومعاهدة أنفسنا على الانتقام والثأر من المرتزقة وجيش الاحتلال التركي.

آفيان وروكن تنتقلان إلى جندريسه

بعدها سردت لنا المقاتلة روكن بوطان تفاصيل ما حدث معهم، وقالت: بعد بقائنا في قرى ناحية راجو فترة وجيزة طلبت القيادة من مجموعتنا الاستراحة ريثما يحددون لنا النقطة التي سنتوجه إليها، وفي اليوم التالي طلبت القيادة توجه 3 مقاتلين من مجموعتنا إلى منطقة جندريسه لمؤازرة رفاقنا هناك، وحينها أخبرنا القيادة برغبتي أنا وآفيان بالذهاب إلى جندريسه، وانضم إلينا المقاتل سردار أيضاً وتوجهنا إلى منطقة جندريسه".

وأضافت روكن:" وعند وصولنا أرسلونا إلى قرية تل حمو وكانت هناك مجموعتان وبانضمامنا إليهم أصبحنا 3 مجموعات واختير المقاتل ماسيرو الذي كان هناك قائداً لمجموعتنا، تمركزنا في القرية، ومع حلول الليل عملنا على تجهيز السواتر وخنادق الحماية لأنفسنا، وبقينا نعمل حتى الصباح، وكان مقابلنا قرية فريرية وهذه كانت محتلة من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته، لذلك كنا نتوقع أن يشنوا الهجمات علينا في أية لحظة.

وأكملت روكن:" وبقينا نرصد تحركات المرتزقة في القرية المجاورة حتى وقت الظهيرة ولم يبادروا بالهجوم أو إطلاق الرصاص والقذائف علينا، ثم طلب منا ماسيرو الذهاب لتناول الغداء وسيبقى هو يحرس النقطة لحين عودتنا، وأثناء تناولنا الطعام تحدث معنا ماسيرو عبر اللاسلكي وقال إن المرتزقة بدأوا بالزحف نحو القرية وعليه أسرعنا إلى نقاطنا وتمركزنا في مواقعنا واتخذنا الاستعدادات للتصدي.

مقاومة قرية تل حمو واستشهاد بعض المقاتلين

وأردفت روكن بوطان:" كان جيش الاحتلال ومرتزقته يهاجمون بأعداد كبيرة ومعهم الدبابات والمدرعات، ومع بدء تقدمهم باتوا يقصفون القرية بالدبابات والمدفعية، وكنا نرد عليهم بالأسلحة المتوسطة والخفيفة، كان العدو يهاجم من 3 محاور، ومع اقترابهم من القرية طلب ماسيرو أن نبقى أنا وآفيان في مواقعنا وتقدم مع سردار ليتصدوا لهجمات المرتزقة على أطراف القرية، وجرت هناك اشتباكات عنيفة وأصوات الرصاص والقذائف تصم الآذان من غزارتها وقوتها، وكنا نتصدى للمرتزقة الذين يحاولون الهجوم من أحد أطراف القرية وعرقلنا تقدمهم، وباتوا يستخدمون الأسلحة الثقيلة ضدنا بشكل مكثف، وبعد فترة من الاشتباكات عاد ماسيرو وسردار إلى نقاطنا وطلبوا منا التراجع إلى الخطوط الخلفية، لأن المرتزقة التفوا على القرية من أحد الأطراف لذا قال سنبقى على الأطراف الخلفية حتى إذا ضاق الخناق علينا نتمكن من الخروج ولا نقع في الحصار، وعليه اتخذنا مواقعنا في الخطوط الخلفية، وكان المرتزقة يتقدمون وسط قصف مكثف على القرية وتحليق طيران الاستطلاع فوقنا، واشتدت الاشتباكات بيننا، ولم يمض وقت طويل حتى وصلت دبابات ومدرعات العدو أطراف القرية وبتنا نشتبك معهم داخل القرية، كانت المجموعتان الأخريان تتصديان للمرتزقة في الطرف الآخر ونسمع من هناك أصوات كثيفة للرصاص، وتمكن رفاقنا من تدمير بعض آليات المرتزقة والدخان كان يتصاعد منها داخل القرية، وكلما كان الوقت يمر كان المرتزقة يضيقون علينا الخناق ويحاولون محاصرتنا، وحينها طلب ماسيرو منا الخروج من القرية وسيبقى هو يغطي علينا حتى نخرج، حاولنا إقناعه بالبقاء معهم لكنه أصر علينا بالخروج، وبدأت مع الرفيقة آفيان وسردار بالانسحاب إلى أطراف القرية واختبأنا بين الأشجار لأن طائرات الاستطلاع كانت تحوم فوقنا، ثم رأينا رفاقنا من المجموعتين الأخريين يتراجعون أيضاً إلى أطراف القرية، وتوجهوا نحونا كان بينهم الرفيقان باكور وآفرش، سألناهم عن باقي الرفاق قالوا إن قائد مجموعتهم اسمه دلوفان طلب منهم التراجع وبقي هو وماسيرو يتصديان للهجمات.

قررنا التراجع إلى أماكن آمنة لأن القذائف كانت تسقط حولنا وطيران الاستطلاع يحوم حول محيط القرية وقد يرصدنا، وأثناء التراجع بين أشجار الزيتون كنت وراء الرفيق سردار فطلب مني السير أمامه طلبت أن نسير على خط واحد معاً لكنه أصر أن أسبقه في المسير حتى يحمي هو ظهرنا، وعندما تجاوزته بشجرتين سمعت صوتاً قوياً خلفي فنظرت للخلف رأيت شجرة زيتون تحترق والدخان ملأ المكان لم أعد أرى الرفيق سردار، ناديته عدة مرات وكنت أصغي السمع لعلي اسمعه يقول لي "روكن أنا هنا، أنا بخير" ولكن عندما لم أتلقَّ الجواب شعرت كأن قلبي يتمزق من الألم وأحسست بأنه شل تفكيري، ونادتني آفيان وطلبت مني تمالك نفسي وعدم التحرك من مكاني حتى لا تقصفني الطائرة أيضاً ولكنني كنت قد تجمدت في مكاني من هول الصدمة.

محاولة إنقاذ باقي المقاتلين

وأكملت روكن حديثها قائلة:" حينها كنا قد انقطعنا عن الرفيقين ماسيرو ودلوفان اللذين بقيا في القرية، وبعد استشهاد سردار، وجلوسنا تحت الأشجار دون أن نتمكن من فعل شيء، فجأة سمعنا الرفيق باكور يقول سأعود إلى القرية لمساندة ماسيرو ودلوفان ما كان علينا تركهما وحدهما، طلبت منه ألا يتحرك من مكانه وقلت له لا نريد خسارة المزيد من الرفاق، لكنه كان لا يتحمل البقاء بدون فعل شيء وكأنه يجلس على الجمر، ولم يسمع كلامنا وقال: سأذهب إلى ماسيرو ودلوفان وقام من مكانه وهرول مسرعاً من تحت الأشجار باتجاه القرية، وما إن وصل أطراف القرية حتى سمعنا صوت قصف للطيران، ولكن لم نعلم حينها هل استهدفه القصف أم لا.

تشوش تفكيرنا حينها لم نعد نعرف ماذا نفعل، وكان صوت الرصاص لايزال يرتفع من القرية، وكان هذا يدل أن رفاقنا لايزالون يقاومون، وحينها قررنا أنا وآفيان وآفراش العودة إلى أطراف القرية مرة أخرى لعلنا نستطيع مساندة الرفاق أو تخليصهم، وغيرنا طريقنا بالعودة لأن مكاننا بات مراقباً من قبل الطيران، وتسللنا من تحت الأشجار الحراجية الكثيفة نحو القرية، ولدى اقترابنا من القرية تلقينا الصدمة الأخرى إذا شاهدنا باكور على الأرض عند طرف القرية لم نكن نعلم هل استشهد أم أنه مصاب، ولدى محاولتنا التقدم صوبه رأينا مجموعة من المرتزقة تتحرك بين منازل القرية وكانوا قريبين من باكور لكنهم لم ينتبهوا إليه واختفوا بين منازل القرية، حينها قال آفراش سأذهب لجلب باكور لعله يكون جريحاً، وهرول مسرعاً صوب باكور، ولدى الوصول إليه فجأة ألقت طائرة استطلاع قذيفة سقطت بجانبه ووقع آفراش على الأرض.

وأردفت روكن:" بعد ضربة الطائرة رأينا الرفيق آفراش يتحرك كان قد أصيب بشظايا في أطرافه لم يعد لديه توازن ليقف، حاولت أن أخبره عن طريق الإشارة بألا  يتحرك من مكانه حتى نأتي لإنقاذه، لكنه لم يكن يفهم علي ويحاول الوقوف، وبينما نحاول التسلل نحوه لإنقاذه رأينا المرتزقة يتوجهون نحو أطراف القرية مجدداً، فأشارت آفيان له بأن يبقى مكانه وبأنها ستتقدم نحوه لإنقاذه، لكن قبل وصول آفيان إليه سمعنا صوت رصاصة، استلقينا على الأرض واعتقدنا أن المرتزقة شاهدوه وأطلقوا عليه الرصاص، ونظرت إليه وشاهدت سلاحه وقع على الأرض، أدركت حينها أنه استهدف نفسه حتى لايقع أسيراً بيد المرتزقة وحتى لا نخاطر نحن أيضاً لإنقاذه، وبعدها هرول المرتزقة وتجمعوا حول جثماني الشهيدين آفراش وباكور.

الانسحاب والعودة لجلب جثامين الشهداء

وتابعت روكن السرد:" انسحبنا إلى الخلف لعلنا نستطيع الوصول إلى نقاط رفاقنا ونطلب منهم المؤازرة ونتمكن من جلب جثامين الشهداء، وبعد المسير بين الحقول والوديان وصلنا إلى الطريق العام وهناك رأينا مجموعة من رفاقنا الذين كانوا يتنقلون بين الجبهات، وأخبرناهم بما جرى معنا، وبعد تواصلهم مع القيادة طلبت القيادة أن يذهب مقاتلان أو 3 إلى القرية ليستطلعوا الوضع ومحاولة مؤازرة الرفاق وجلب جثامين الشهداء إن استطاعوا ذلك.

كان الليل قد حل حينها، وهناك طلب مقاتلان من قائد المجموعة أن يتوجها إلى القرية، وكان أحدهما المقاتل زنار والآخر آمد، وطلبا أن يرافقهم أحد منا لندلهم على الطريق ومكان استشهاد الرفاق، فقلت أنا سأذهب معكما، حاولت آفيان أن تذهب هي أيضاً معنا لكن قائد المجموعة لم يسمح لها بذلك.

عدنا عبر سيارة نحو القرية بدون أن يشعلوا ضوء السيارة حتى لا يرانا المرتزقة، وبعد الاقتراب من المكان الذي استشهد فيه سردار نزلنا من السيارة وبحثنا تحت الأشجار وفجأة رأيت جثمان سردار تجمدت في مكاني، وباتت كل اللحظات التي قضيناها معاً في الجبهات تمر في مخيلتي، كل كلماته وضحكاته، فعدا عن أن سردار كان رفيقي في القتال كانت تربطني به صلة قرابة أيضاً لذا كنا نعرف بعضنا منذ الصغر، وكانت تلك اللحظة التي وقفت فيها عند جثمانه لحظة قاتلة، وفجأة مسك أحد الرفاق يدي وقال ليس لدينا وقت سننقل جثمان الشهيد إلى السيارة ونتجه نحو القرية سيراً لعلنا نجلب باقي الشهداء، وعليه أكملنا الطريق صوب القرية وسط الظلام، وكنا نسمع صوت بعض الطلقات بين الحين والآخر تصدر من القرية، ولم نكن نعلم ماحل بالقياديين ماسيرو ودلوفان، وكنت أتوقع أن المرتزقة أخذوا جثماني الشهيدين آفراش وباكور معهما، ومع ذلك قررت التوجه إلى المكان مع المقاتلين، ولدى وصولنا أطراف القرية لاح لي سواد على الأرض قلت للمقاتلين يبدو أن جثماني الشهيدين لا يزالان هناك، وزحف المقاتلان نحو المكان وبعد بضع دقائق عادا ومعهما جثمانا الشهيدين، ونقلنا الشهداء الثلاثة إلى السيارة وعدنا إلى القيادة.

اختتمت المقاتلتان آفيان بوطان وروكن بوطان حديثهما بالتأكيد على الوفاء بوعديهما للشهداء وعلى أن تبقيا معاً حتى النهاية، والاستمرار في المقاومة في مرحلتها الثانية حتى تحرير عفرين والانتقام لرفاقهما الشهداء.

تحرير: لزكين إبراهيم

ANHA