اللجنة الدستورية.. مسرحية هزلية وشرعنة لاحتلال الأراضي السورية

يكثر الحديث هذه الفترة في الأروقة الدبلوماسية الخاصة بالأزمة السورية عن اللجنة الدستورية التي أقرت في منتجع سوتشي على البحر الأسود، ولكن السجال الجاري والمفاوضات بخصوص هذه اللجنة هي ليست بين السوريين, وإنما هي معركة التسوية الدولية التي تدور من وراء تحديد مناطق النفوذ ومواقعه، حول تقرير مصير سوريا ومستقبلها.

اللجنة الدستورية.. مسرحية هزلية وشرعنة لاحتلال الأراضي السورية
الإثنين 2 تموز, 2018   01:15

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

عادت قضية الدستور إلى واجهة الحدث السوري مرة أخرى مع بدء طرفي النزاع النظام وما كانت تسمى المعارضة بإجراء خطوات تطبيقية في هذا السياق وإعداد قوائم وترشيح أسماء لتشكيل لجنة مهمتها وضع دستور جديد  للبلاد, وهو ما تم توصل اليه خلال الاجتماع الذي عقد في سوتشي الروسية والذي قاطعته عدد من الأطراف السورية لكنه انتهى كما تريد موسكو بإقرار اللجنة الدستورية.

حكاية السوريين مع الدساتير

وبدأت حكاية السوريين مع الدستور قبل نحو 100 عام، إذ تم وضع أول دستور للبلاد في عام 1920، نُصب من خلاله فيصل بن الحسين ملكاً لسوريا. وترأس اللجنة التي وضعت هذا الدستور هاشم الأتاسي الذي يعتبر "أبو الدستور" في سوريا، لكن لم يصمد هذا الدستور طويلاً، إذ دخل الفرنسيون البلاد في نفس العام. وجرى بعد ذلك وضع أكثر من دستور في سوريا، حتى جاء دستور عام 1950، لكن الانقلاب الذي قاده أديب الشيشكلي تبعه وضع دستور جديد ألغي هو الآخر بعد ذلك.

وبعد انقلاب حزب البعث في عام 1963 بقيت البلاد من دون دستور دائم، حتى تم وضع دستور من قبل حافظ الأسد في عام 1971، نصّ على سلطة مطلقة للرئيس، واعتبرت مادته الثامنة حزب البعث "قائداً للدولة والمجتمع"، حتى ألغي في عام 2012، مع اشتداد وتيرة الثورة السورية.

ترويج روسيا لدستور جديد وتبديلها للأهداف منه

بدأت روسيا في عام 2016 بالترويج لدستور سوري جديد  وفي 24 أيار 2016 قالت صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من النظام السوري إن موسكو أنهت صياغة مشروع دستور لسوريا، حاولت فيه روسيا وضع قوانين ومواد دستورية معسولة لجذب الأطراف المعارضة بدءاً من تغيير التسمية (الجمهورية السورية بدل “العربية السورية”)، إلى إلغاء مادة ديانة الرئيس، وصولاً إلى تعديل صلاحيات الأخير وإسقاط أي سلطات تشريعية، وإعطائه صفة “الوسيط” في بعض المجالات.

ولكن بعد أن توصل الروس والإيرانيون والأتراك لتفاهمات على الساحة السورية وإقرار اتفاق ما سمي خفض التصعيد والذي استخدمته هذه الدول لتكريس مصالحها واحتلالها للأراضي السورية كان لا بد لها من تغيير هدف الدستور إلى شرعنة هذا الاحتلال والهيمنة على الشعب السوري.

ويدور اليوم في كواليس وأروقة الحلف الجديد المتمثل بـ (روسيا- تركيا- إيران) بأنهم تمكنوا من تحقيق انتصار كبير وأنهم يسعون لوضع اللمسات الأخيرة على ما يعتبرونه هم "انتصاراً" في الحرب السورية فكان عقد اجتماع سوتشي في 30 كانون الثاني 2018 وإقرار اللجنة الدستورية التي من خلالها يحاول هذا الحلف فرض التسوية التي تناسب مصالحه وهيمنته على الشعب السوري.

اللجنة الدستورية والأجواء الإقليمية والدولية

وفي خضم ذلك، لا نستطيع الابتعاد عن الأجواء الإقليمية والدولية من ما يجري اليوم في كواليس الملف السوري. فالولايات المتحدة الأمريكية انسحبت من الاتفاق النووي مع إيران وأصدرت بياناً عبر وزير خارجيتها مايك بومبيو والمعروف بأنه أحد أشد صقور الولايات المتحدة حذر فيه إيران من 12 قضية, أهمها إنهاء السيطرة الإقليمية لإيران وإخراجها من سوريا.

وإسرائيل بدورها اليوم لم تعد تكتفي بالتهديدات لإيران أو النظام السوري فباتت تضغط بشكل كبير وتقصف المواقع الإيرانية داخل الأراضي السورية وتغطي إسرائيل ذلك بالتنسيق التام مع الروس. الضغط الإسرائيلي والدعم الأمريكي له يسعى لإخراج إيران من سوريا وبحسب التقارير الميدانية بدأت إيران بتقليص قواتها وخصوصاً في الجنوب السوري فيما يسود الموقف الروسي الغموض.

الاستراتيجية التركية بدورها تقوم على تمكين المرتزقة خاضعين لها لا يخرجون عن طوعها، والحوار مع النظام لجعلهم جزءاً من السلطة القادمة وكذلك مساندتهم في السيطرة على المجموعات المسلحة؛ والآن هم من يتصدّر جرابلس والباب وإدلب، وتركيا تسعى بذلك لتكون لها حصة في أي تسوية سياسية.

اللجنة الدستورية وتكريس الاحتلال للأراضي السورية

في الحقيقة حلت قضية اللجنة الدستورية مكان النقاش عن هيئة الحكم الانتقالي لأن الأولى تتناسب مع مصالح كل من روسيا وإيران وتركيا، والولايات المتحدة الأمريكية لا تعارض بشكل كبير تشكيل هذه اللجنة رغم تصريحاتها بعدم التأييد بين الفينة والأخرى. فهي تستخدم سياسة تدوير الزوايا مع الروس والضغط عليهم خصوصاً فيما يخص الوجود الإيراني في سوريا.

وهذا النقاش الدائر في الأزقة الإقليمية لا يعني التوصل إلى اتفاق نهائي دولي وإقليمي بشأن الأزمة السورية، فروسيا تسعى للتغير عبر الإصلاح الدستوري وإعادة إنتاج النظام، فيما لا تزال تتمسك الدول الأخرى باتفاق جنيف الذي تحاول موسكو الالتفاف عليه وإبداله باتفاق آستانه.

ومخطئ من يعتقد بأن موضوع اللجنة الدستورية بعيد عن تكريس احتلال روسيا وحلفها الجديد للأراضي السورية، لأن روسيا هي من تقدم مرشحي النظام وتركيا هي من تحدد وتقر مرشحي ما كان يسمى يوماً ما بـ "المعارضة".

وتطفو الخلافات على سطح الجهود القائمة لتشكيل هذه اللجنة، في مشهد يعكس تباينات دولية وإقليمية، مع ضغوط يمارسها أكثر من طرف لتكون له كلمة في هذه اللجنة ودورها، وهو ما يعكس كذلك الخلافات بين الأطراف السورية.

اللجنة الدستورية .. معركة تسوية دولية

والآن تتنازع أطراف ما تسمى (المعارضة السورية) على ما وصفه أحد المعارضين "جيفة الانتقال السياسي" وكأنهم من سيحددون مستقبل سوريا، والبعض منهم مستعد للتفريط بكل شيء وبغير مقابل والبعض كأنه يسير على الجمر، والحقيقة أن السجال الجاري والمفاوضات بخصوص هذه اللجنة هي ليست بين السوريين, وإنما هي معركة التسوية الدولية التي تدور من وراء تحديد مناطق النفوذ ومواقعه، حول تقرير مصير سوريا ومستقبلها.

لا ينبغي أن يضحك أي من السوريين على نفسه؛ ليس هناك مفاوضات سورية جدية بشأن الدستور، كما لم تكن هناك مفاوضات جدية لا في آستانة، ولا في سوتشي ولا في جنيف حول الانتقال السياسي. هناك مسرحية هزلية، يحاول فيها المصادرون لحرية السوريين ودولتهم أن يتوصلوا عبر السوريين ومن خلال لي ذراعهم وكسر إرادتهم وتنصيب من لا يمثلونهم سادة عليهم، إلى تسويةٍ دوليةٍ، تحقق مصالحهم المتناقضة أو المتباينة على حساب السوريين وحقوقهم.

وهنا يطرح السؤال: هل كل شيء قد انتهى وفرض المكتوب على السوريين؟؟ ... بالطبع لا، لأن الأطراف التي لم تُدعى إلى هذه المسرحية الهزلية, والممثلة بمكونات الشمال السوري التي تسير بمشروعها الديمقراطي اتخذت تحرير الشعب من الإرهاب أساساً ومن ثم إدارة أموره بنفسه، ستخلق حلولاً من نوع آخر, لن يصل الحل الذي تسعى إليه دول الوصاية ولانتداب لأي من أهدافه, فهذه المكونات التي خاضت معاركها طوال سنوات الحرب في كل الميادين والجبهات العسكرية والسياسية والدبلوماسية والفكرية والإعلامية, وكما تقتضي السياسة لن يتركوا ساحة خالية لأحد وسيحققون الحرية التي يطمح إليها الشعب السوري.

(ح)

ANHA