روسيا تؤسس لتقسيم سوريا بالتعاون مع تركيا وإيران

منذ أن بدأت روسيا بالاتفاق مع إيران وتركيا، بدأت حدود الدولتان السوريتان السنية والشيعية تُخط بأقلام هذه الأطراف، وكلما مرّ الوقت بدأ التغيير الديموغرافي الذي يحصل باتفاقات هذه الأطراف يؤسس لهاتين الدولتين.

روسيا تؤسس لتقسيم سوريا بالتعاون مع تركيا وإيران
الأحد 22 نيسان, 2018   03:26

مركز الأخبار

منذ أن تدخلت روسيا في نهاية عام 2015 بشكل مباشر في الأزمة السورية إلى جانب النظام السوري، بدأت الأوضاع تتغير في هذا البلد الذي مزقته الحرب الدائرة بين النظام المدعوم من إيران والجماعات المسلحة المدعومة من تركيا وقطر والسعودية، أي القطبين السني والشيعي في المنطقة.

التدخل الروسي أثمر بسيطرة النظام على مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية من حيث التعداد السكاني ومركز الصناعة والتجارة في البلاد، في نهاية عام 2016. هذه السيطرة ما كانت لتكون لولا اتفاق روسيا مع تركيا التي سحبت المجموعات المرتزقة التي تدعمها ومن بينها جبهة النصرة (فرع القاعدة في سوريا) من هذه المدينة. طبعاً سحب تركيا لمرتزقتها كان يقابلها حصولها على ضوء أخضر من روسيا باحتلال جرابلس والباب.

هذا الاتفاق كان الأول بين روسيا وتركيا في سوريا عقب توتر بينهما بسبب إسقاط تركيا لمقاتلة سوخوي 24 روسية في الأجواء السورية بتاريخ 24 تشرين الثاني 2015. وبهذا الاتفاق بدأت الخطوط الأولى لإنشاء الدولتين الشيعية والسنية تُخط بالأقلام التركية الإيرانية وبرعاية ومباركة روسية.

الإيرانيون وجدوا في تركيا حليفاً يستطيع المساهمة معهم في تحقيق حلم إنشاء دولة شيعية، فيما رأت تركيا أيضاً في إيران هذا الحليف الذي يستطيع لها إعادة أمجاد الدولة العثمانية، وكلا الطرفان كانا بحاجة بعضهما البعض وجاءت روسيا لتلعب دور منظم العلاقة والفصل بينهما عندما تتضارب مصالحهما.

ومن المعروف أن الامبراطورية الصفوية (الشيعية) التي أسسها إسماعيل الصفوي في عام 1502 كانت على صراع مستمر مع الدولة العثمانية (السنية) في المنطقة، إذ أن كلا الطرفين كانا يسعيان للسيطرة على بلاد الشام والخليج العربي وبالتالي السيطرة على العالم الإسلامي والوصول إلى المنافذ البحرية في البحر المتوسط.

روسيا كضابط إيقاع، استطاعت أن تحقق التوازن بين الطرفين عبر الاتفاق معهما في صيغة ما يسمى الاستانة. اجتماعات آستانة التي بدأت منذ عام 2017 عملت على تقسيم البلاد إلى دولتين شيعية وسنية عبر الاتفاقات التي كانت تحصل بين هذه الأطراف عبر تهجير المسلحين والمدنيين من مناطق الدولة الشيعية إلى الدولة السنية وبالعكس.

وأكبر مثال على ذلك، ما حدث في ربيع عام 2017 في بلدتي الفوعة وكفريا في ادلب، والزبداني ومضايا في ريف دمشق، إذ تم تهجير الشيعة من الفوعة وكفريا الشيعيتين مقابل تهجير مسلحي وسكان الزبداني ومضايا السنيتين.

وكذلك ما حصل مؤخراً في الغوطة الشرقية وعفرين، عبر تهجير سكان الغوطة السنة منها لقاء السماح لتركيا باحتلال عفرين ووصل المناطق التي تحتلها في جرابلس والباب مع المناطق التي تحتلها عبر مجموعاتها وقواعدها العسكرية التي بلغ عددها حتى الآن 9، استكمال لمخطط  تقسيم سوريا.

والآن ما يجري في الضمير بالقرب من دمشق والاتفاقات التي يجري الحديث عنها في القلمون الشرقي، كلها اتفاقات تركية إيرانية على تشكيل الدولتين الشيعية والسنية ولكن ترعاها روسيا تحت اسم "المصالحة".

الملفت للانتباه، تصريحات المسؤولين الروس يوم الجمعة عن عدم معرفة كيفية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، إذ قال سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية: إن موسكو لا تعلم كيف سيتطور الوضع في سوريا فيما يتعلق بالحفاظ على وحدة أراضيها. فيما أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى وجود محاولات تهدف إلى تدمير سوريا وتقسيمها وإبقاء وجود قوات أجنبية في أراضيها إلى الأبد.

المسؤولين الروس بهذه التصريحات إنما يخدعون أنفسهم، ويحاولون إلقاء اللوم على غيرهم في تقسيم سوريا، متناسين أنهم هم من يعملون على تقسيم سوريا بالاتفاق مع حلفائهم الأتراك والإيرانيين.

فتركيا تسعى لإنشاء إقليمها السني، ولم تستطع أن تحقق مبتغاها رغم تدخلها بالأزمة السورية منذ بدايتها، وحققت روسيا لها ذلك في عام 2016 عندما سمحت لها باحتلال الباب وجرابلس، ولكن رغم ذلك لم تكن تركيا تستطيع أن تشكل هذا الإقليم السني لوجود عفرين التي كانت تحميها قوات سوريا الديمقراطية، وبالاتفاق الروسي الأخير مع تركيا عبر مقايضة عفرين بالغوطة الشرقية، تحقق المبتغى التركي وأوصلت تركيا المناطق التي تحلتها في جرابلس والباب بالمناطق التي تحتلها في ادلب.

ليس هذا وحسب، بل وصلت تركيا إلى العمق السوري، إذ أنه لم يكن باستطاعة تركيا أن تصل إلى ريف حماة ووضع ما يسمى نقاط مراقبة إلا بموافقة روسيا، وإذا ما نظرنا إلى تلك النقاط فنراها إنها موجودة على الخط الحدودي الفاصل بين الدولتين السنية التركية والشيعية الإيرانية في سوريا، فنقاط تركيا يقابلها نقاط إيرانية وكأن المنطقة الفاصلة بينهما هي الحد الفاصل.

ويساعد في تأسيس هاتين الدولتين عمليات التغيير الديموغرافي الحاصلة في أنحاء سوريا، إذ إنه يتم تهجير السنة من المناطق الخاضعة لسيطرة الإيرانيين والروس، إلى المناطق التي تحتلها تركيا، وبالمقابل يتم تهجير الشيعة من المناطق التي يتواجدون فيها إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وأمثلة ذلك كثيرة في الأزمة السورية مثل حمص، الغوطة، عفرين، الفوعة وكفريا، الزبداني ومضايا، والآن الضمير والقلمون.

ولكن رغم اتفاق هذه الأطراف على تشكيل دولتين سنية وشيعية إلا أن مخططهما لن يكتمل، لوجود بعض المناطق التي يسعى كل من الإيرانيين والأتراك بشكل مشترك للسيطرة عليها، وسيصطدمون في يوم من الأيام ولن تستطيع روسيا أن تحقق التوازن بينهما، خصوصاً أن أهداف الأتراك والإيرانيين لا تتعارض فقط في سوريا بل في العراق أيضاً.

في سوريا تنظر تركيا إلى مدينة حلب كولاية عثمانية. فهي عندما احتلت جرابلس والباب كان عينها على حلب، وعندما احتلت ادلب أيضاً كان هدفها حلب، وأيضاً احتلالها لعفرين هو محاصرة حلب من ثلاث جهات واقتناص الفرصة لاحتلالها.

ولكن إيران لن تفرط في حلب، ففي ريفها تتواجد بلدتا النبل والزهراء التي حمتها إيران رغم محاصرة مرتزقة تركيا لها لسنوات عدة، وهو الطريق الأبعد من إسرائيل وتستطيع من خلاله تأمين الهلال الشيعي بعيداً عن أعين إسرائيل. وفي الموضوع الإيراني، تعول تركيا التي تربطها علاقات وثيقة مع إسرائيل، على الأخيرة لكبح جماح إيران وبالتالي فتح الطريق لها لاحتلال حلب وضمها في ظل الأطماع التوسعية للسلطان التركي الجديد رجب أردوغان.

إلا أن إيران لن تتخلى عن هذا الطموح مهما كلفها الأمر وخصوصاً أن المجموعات الشيعية التي يقدر أعدادها بعشرات الآلاف موجودون في هذه المنطقة، وهذا يشكل نقطة الخلاف بين إيران وتركيا وستكون سبباً لاندلاع مواجهات بينهما في وقت ينحصر فيه الطموح الروسي بالحفاظ على قواعده العسكرية في المتوسط وهي لن تفرط بها مهما كلف الأمر.

على العموم العلاقة القائمة بين روسيا وتركيا وإيران هي علاقة مؤقتة تجمعها توافق المصالح، ولكن هذه المصالح مختلفة وفي يوم من الأيام ستتصادم هذه الأطراف، ولعل الحظوظ التركية بالبقاء في المنطقة ضعيف جداً، كونها دولة احتلال وانتهكت القوانين الدولية وبالعودة إلى الشرعية الدولية يمكن إجبارها على الخروج من الأراضي التي تحتلها من سوريا.

أضف إلى ذلك، أن تركيا هي عضو في حلف الناتو، وهي لن تستطيع التخلي عن هذا الحلف الذي يعادي روسيا، وأي خطوة من أردوغان الذي يسعى لإحكام سيطرته على البلاد عبر إجراء انتخابات مبكرة في حزيران القادم أي قبل أكثر من سنة على موعدها، باتجاه الناتو سيجعله شريكاً غير مرحبٍ به في سوريا من قبل روسيا، وبالتالي إلحاق الهزيمة بمشروعه في إنشاء دولة سنية بالمنطقة.

(ح)