من خيمة إلى خيمة: أوجاع التهجير وأمل العودة إلى سري كانيه

من خيمة احتضنتهما سنوات طويلة في مخيم نوروز، إلى خيمة أخرى ستنصب فوق أرضهما في قراهما بسري كانيه، تحمل مهجرتين معهما أوجاع سبع سنوات من التهجير، وأملاً بالعودة إلى الديار، رغم أن الطريق إلى الاستقرار لا يزال محفوفاً بالصعوبات.

من خيمة إلى خيمة: أوجاع التهجير وأمل العودة إلى سري كانيه
من خيمة إلى خيمة: أوجاع التهجير وأمل العودة إلى سري كانيه
من خيمة إلى خيمة: أوجاع التهجير وأمل العودة إلى سري كانيه
الثلاثاء 27 تشرين الأول, 2026   05:43
الحسكة
هنار إبراهيم – بوطان حسين

لم تكن العودة بالنسبة إلى فاطمة المحمد وأمينة الجاسم مجرد رحلة تنتهي بالوصول إلى القرية، بل كانت انتقالاً من خيمة النزوح إلى خيمة أخرى، ومن سنوات الانتظار بعيداً عن الديار إلى مواجهة واقع تفتقر في القرى إلى أبسط مقومات الحياة.

وبينما تحملان ما تبقى من أغراضهما في سيارات النقل، تتجه أنظارهما نحو الأرض التي أجبرتا على مغادرتها، حاملتين معهما أملا طال انتظاره، وخيمة تختصر حكاية التهجير بكل ما حملته من قسوة وحرمان.

منذ بداية تهجير أهالي مدينة سري كانيه، وجدت فاطمة المحمد نفسها في مخيم نوروز، بعيداً عن قريتها السودة، سنوات مضت وهي تعيش حياة المخيم، قبل أن تقرر اليوم العودة إلى قريتها، رغم معرفتها المسبقة بأن العودة لن تعني نهاية المعاناة، وأن عليها أن تبدأ من جديد، في ظروف تفتقر فيها المنطقة إلى الكثير من احتياجات الحياة الأساسية.

وتقول فاطمة المحمد إن أول ما ستفعله عن وصولها إلى قريتها السودة التابعة لمدينة سري كانيه هو نصب خيمتها، تماماً ما فعلت خلال سنوات التهجير، وكما فعل آلاف المهجرين الذين تنقلوا بين المخيمات بحثاً عن مأوى يحميهم من قسوة الظروف.

وتستعيد فاطمة، في حديثها عن رحلة النزوح، مشهد الخيام التي أصبحت مأوى للمهجرين من سري كانيه قائلةً: "عندما نعود إلى القرية، سنبني خيمتنا، كما بنيناها في المخيمات الثلاثة لمهجري سري كانيه، وهي مخيم واشو كاني ومخيم سري كانيه ونوروز".

ورغم أن قريتها لا تزال تفتقر إلى الكثير من مستلزمات الحياة ومقوماتها، ترى فاطمة أن العودة إلى الأرض تبقى أفضل من الاستمرار في العيش داخل مخيمات التهجير والنزوح، غير أنها لا تخفي حجم الصعوبات التي تنتظرها وعائلتها، وفي مقدمتها تأمين المياه والخبز، وهما من أبسط الاحتياجات التي يصعب الاستغناء عنها في الحياة اليومية.

وتدرك فاطمة أن العودة لن تعيد إليها حياتها السابقة دفعة واحدة، وأن عليها التأقلم مع واقع جديد، لكنها في ظل الخيارات المحدودة أمامها، ترى أن العودة إلى قريتها هي الخطوة التي تستطيع اتخاذها اليوم، مهما كانت التحديات.

"ما عنا مكان نقعد فيه.. سنبني خيمتنا ونقعد مع أولادي جواها"

على مقربة من حكاية فاطمة، تحمل أمينة الجاسم حكاية أخرى لا تقل قسوة، سبع سنوات قضتها في خيمة بمخيم نوروز، قبل أن تحين لحظة العودة إلى قريتها أم حجرة التابعة لمدينة سري كانيه.

لم تكن الخيمة بالنسبة إلى أمينة مجرد مأوى مؤقت، بل المكان الذي عاشت فيه سنوات من التهجير، وتقاسمت داخله تفاصيل الحياة اليومية مع أطفالها، في انتظار يوم تعود فيه إلى قريتها، واليوم ومع الاستعداد للمغادرة، لم تجد أمامها سوى أن تجمع أغراضها وتضع خيمتها في سيارة النقل، لترافقها ي رحلة العودة، كما رافقتها طول سنوات النزوح.

وبكلمات بسيطة، تختصر أمينة واقعا ثقيلاً عاشته عائلات كثيرة في المخيمات وتقول: "لا والله ما عنا مكان نقعد فيه، سنبني خيمتنا ونقعد مع أولادي جواها".

فبعد سبع سنوات من التهجير، تعود أمينة إلى قريتها من دون منزل جاهز للسكن، لتبدأ من جديد داخل الخيمة نفسها التي كانت مأواها في المخيم، وبين فرحة العودة ومرارة الظروف التي تنتظرها، تعرف أن الوصول إلى القرية ليس سوى بداية مرحلة أخرى من الكفاح من أجل تأمين حياة كريمة لها ولأطفالها.

وتشير أمينة إلى أن غياب الكهرباء والخبز وغيرها من مقومات الحياة الأساسية سيجعل الأيام المقبلة صعبة، إلا أنها تفضل مواجهة هذه الظروف في قريتها، على البقاء في مكان لا تشعر بأنه أرضها أو موطنها.

وبينما تعبر أمينة الجاسم عن سعادتها بالعودة إلى قريتها ومنزلها، لا تغيب عنها المخاوف من قسوة الحياة في ظل نقص الاحتياجات الضرورية، ولا سيما مع اقتراب فصل الشتاء، لذلك تطالب الجهات المعنية بتقديم يد العون للعائدين، وتأمين المساعدات التي تمكنهم من الوقوف على أقدامهم مجدداً، ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة، والتأقلم مع واقعهم الجديد.

عودة إلى الأرض.. ومعاناة لم تنته بعد

تلتقي حكايتا فاطمة المحمد وأمينة الجاسم عند تفاصيل كثيرة، سنوات من الغياب عن الديار، وخيام تحولت إلى بيوت مؤقتة، وأطفال عاشوا بعيداً عن قراهم، وأمل ظل حاضراً رغم طول الانتظار، واليوم تعود المرأتان إلى قريتهما، لكنهما لا تحملان معهما سوى ما استطاعتا جمعه من أغراض، والخيمتين اللتين كانتا مأواهما طول رحلة التهجير.

وبالنسبة إليهما، لا تتوقف أهمية العودة عن تغيير المكان، بل تمتد إلى الشعور بالانتماء إلى الأرض والعيش في القرى التي أجبرتا على مغادرتها، ومع ذلك فإن العودة وحدها لا تكفي لتجاوز آثار سنوات التهجير، في ظل نقص المياه والخبز والكهرباء، وغيرها من الاحتياجات الأساسية، وهي تحديات تجعل الاستقرار مرهوناًُ بتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وهكذا، لا تنتهي رحلة التهجير بالنسبة إلى فاطمة وأمينة عند مغادرة مخيم نوروز، فكلتاهما تبدأ رحلة جديدة عنوانها العودة وتفاصيلها البحث عن الماء والخبز والمأوى، وأملها أن تتحول الخيمة التي حملتاها من المخيم إلى مأوى مؤقت فوق أرضهما، لا تبقى عنوانا لمعاناة جديدة.

(ي م)

ANHA