حروب الشرق الأوسط.. صراع النفوذ ومصالح السلطات على حساب الشعوب

يشهد الشرق الأوسط حروباً متشابكة تتداخل فيها مصالح القوى الدولية والإقليمية مع صراعات السلطة والنفوذ داخل الدول، من غزة إلى إيران واليمن والعراق وسوريا. وبينما تتنافس الأطراف على الأمن والسيطرة والموارد، تتحمل الشعوب الكلفة الأكبر من القتل والنزوح والفقر وتدمير مقومات الحياة.

حروب الشرق الأوسط.. صراع النفوذ ومصالح السلطات على حساب الشعوب
الجمعة 23 تشرين الأول, 2026   05:00
مركز الأخبار

من غزة إلى إيران واليمن والعراق وسوريا، تتداخل المصالح الدولية والإقليمية مع صراعات السلطة المحلية، فيما تتحمل الشعوب كلفة الحروب من دمائها وثرواتها ومستقبلها، فمن يشعل هذه الحروب، ومن يستفيد من استمرارها، وكيف يمكن وقفها؟

يشهد الشرق الأوسط صراعات تتجاوز حدود الدول، تحركها حسابات النفوذ والسيطرة والأمن والموارد. وبينما تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى تثبيت مواقعها، تعمل سلطات وجماعات مسلحة على تعزيز نفوذها الداخلي، لتجد الشعوب نفسها أمام حروب لا تملك قرار إشعالها أو وقفها، لكنها تتحمل نتائجها من قتل ونزوح وفقر وانهيار للخدمات.

صراع النفوذ ومصالح القوى الكبرى

تنبع أهمية الشرق الأوسط من موقعه الاستراتيجي وثرواته وممراته التجارية والبحرية، وتسعى الولايات المتحدة إلى حماية مصالحها ووجودها العسكري، فيما تعمل إسرائيل على الحفاظ على تفوقها العسكري.

وفي المقابل، تسعى إيران إلى حماية نظامها وتعزيز قدراتها الردعية وتوسيع نفوذها الإقليمي، بينما تتحرك تركيا والدول العربية وفق حسابات سياسية وأمنية واقتصادية متفاوتة، لا تتوافق دائماً مع مصالح شعوبها.

وتستخدم هذه القوى التدخلات العسكرية والعقوبات والتحالفات ودعم أطراف محلية لتعزيز مواقعها، وبهذا تتحول الأزمات الداخلية إلى ساحات للتنافس الخارجي، خصوصاً عندما تضعف مؤسسات الدولة ويغيب التوافق السياسي. ومع أن لكل صراع جذوره المحلية وظروفه الخاصة، فإن التدخلات الخارجية قد تستثمر الأزمات القائمة وتوسعها وتطيل أمدها.

غزة

تجسد الحرب في غزة التناقض بين الحسابات العسكرية والسياسية وحقوق الشعوب، حيث تسعى إسرائيل إلى تفكيك القدرات العسكرية لحماس ومنع الهجمات عليها، بينما تسعى حماس إلى الحفاظ على وجودها ونفوذها. لكن الاعتبارات الأمنية لا تبرر استهداف المدنيين أو العقاب الجماعي، كما أن خطاب المقاومة لا يعفي أي طرف من المسؤولية عن أفعاله.

ولا يجوز اختزال الفلسطينيين في فصيل واحد أو تجاهل حقهم في الحرية وتقرير المصير، ويظل ضمان الحقوق الفلسطينية أساساً لأي سلام مستدام.

الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية

أما المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فتتجاوز البرنامج النووي إلى الصواريخ والنفوذ الإقليمي والجماعات المسلحة والوجود العسكري الأميركي، وبينما ترى واشنطن وتل أبيب في القدرات الإيرانية تهديداً لمصالحهما، تعتبرها طهران أدوات للردع.

غير أن العقوبات والضربات العسكرية قد توسع دائرة التصعيد وتزيد الأعباء على المواطنين من دون ضمان تغيير السياسات المستهدفة.

اليمن

في اليمن، تتداخل الحرب الداخلية مع التنافس الإقليمي، ولا سيما بين الحوثيين والسعودية، في ظل العلاقات التي تربط الحوثيين بإيران، ويسعى الحوثيون إلى تثبيت سلطتهم، فيما تعمل الحكومة المركزية على بسط سيطرتها، وسط تعدد القوى المسلحة والسياسية.

ولا يبدو دعم السعودية وإيران لطرف على حساب أطراف أخرى كافياً لإنهاء الأزمة، ما لم يترافق مع حوار جاد وتسوية تتيح لليمنيين تقرير مستقبلهم.

وفي العراق، تتقاطع المصالح الأميركية والإيرانية مع تنافس قوى سياسية ومسلحة محلية على السلطة والموارد. ويؤدي استخدام الأراضي العراقية لتبادل الضربات وتصفية الحسابات الإقليمية إلى إضعاف السيادة الوطنية، فيما تستنزف الصراعات موارد كان يمكن توظيفها في تحسين الخدمات وتوفير فرص العمل.

ويتطلب تجاوز الأزمة تعزيز مؤسسات الدولة، وإخضاع السلاح للقانون، ومكافحة الفساد واستعادة استقلال القرار الوطني.

سوريا

تواجه سوريا، بعد سقوط نظام البعث في كانون الأول 2024، تحديات إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار وضمان حقوق المكونات المختلفة.

وفي الوقت نفسه، تتحرك القوى الخارجية وفق مصالحها، فتركيا تسعى الى توسيع نفوذها، وذلك عبر التعامل مع الملف الكردي كملف أمني وليس كملف سياسي، وإسرائيل تسعى إلى منع نشوء تهديد عسكري قرب حدودها وتوسيع نفوذها، فيما تعمل قوى أخرى على الحفاظ على نفوذها، بينها روسيا وامريكا، وإيران التي تريد العودة والهيمنة على البلاد.

وتسعى الحكومة الانتقالية السورية إلى تثبيت حكمها، لكن الاستقرار لا يتحقق بمجرد توحيد المؤسسات تحت سلطة مركزية، بل يتطلب المشاركة السياسية والمواطنة المتساوية وحماية الحقوق والحريات.

كما أن تحويل الاختلافات القومية والطائفية إلى صراعات حتمية يفتح المجال أمام الإقصاء والتدخل الخارجي. وتحتاج سوريا إلى اللامركزية ودولة القانون ومؤسسات ومساءلة، لا إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة.

من يستفيد من استمرار الحروب؟

تمنح الحروب بعض السلطات فرصة لتعزيز خطابها الأمني وتوسيع سيطرتها. وتستفيد شبكات الفساد من ذلك، فيما تحقق شركات السلاح مكاسب من ارتفاع الطلب على الأسلحة والذخائر.

وقد تستغل قوى خارجية الصراعات لإضعاف منافسيها وتوسيع حضورها العسكري والسياسي.

ولا يعني ذلك أن جميع الحروب خُطط لها مسبقاً لتحقيق هذه المكاسب، لكن استمرارها قد ينشئ مصالح اقتصادية وسياسية تدفع بعض الأطراف إلى مقاومة التسويات.

في المقابل، تتحمل الشعوب الكلفة الأكبر من القتل والنزوح والفقر والبطالة وتراجع التعليم والصحة وتدمير البنية التحتية.

وقد تتحول إعادة الإعمار بدورها إلى مجال للمحسوبية واحتكار الثروة، لهذا لا يُعد انتصار سلطة أو جماعة مسلحة انتصاراً للشعب ما لم ينعكس على حقوقه وأمنه وظروفه المعيشية.

كيف يمكن وقف الحروب؟

يتطلب وقف الحروب حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار، إلى جانب معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية للصراعات.

ويشمل ذلك تسوية النزاعات عبر التفاوض، واحترام سيادة الدول وحقوق المكونات، ووقف التدخلات التي تؤجج المواجهات.

كما يتطلب بناء مؤسسات وطنية خاضعة للقانون والمساءلة، وتوسيع المشاركة السياسية، ومكافحة الفساد، ومعالجة المظالم التي تغذي النزاعات.

اقتصادياً، ينبغي توجيه الموارد نحو التنمية والصناعة المحلية وتقديم الخدمات وتوفير فرص العمل، وضمان شفافية إعادة الإعمار ومنع احتكارها من قبل شبكات المصالح المرتبطة بالحرب.

ولا يمكن تحقيق استقرار دائم من دون مشاركة المجتمعات المتضررة في تقرير مستقبلها، وحماية حقوقها، وإتاحة المجال أمام إدارة الخلافات السياسية والقومية والمذهبية بعيداً عن العنف والإقصاء.

(أم)

ANHA