من الكراهية إلى المصالحة.. كيف يمكن لسوريا أن تتعلم من تجارب ما بعد الحروب؟

تكشف تجارب المجتمعات الخارجة من الحروب والأزمات أن الكراهية والتضليل والتحريض قد يعيدون إنتاج الصراع بعد توقف المعارك، بينما يمكن للعدالة والمصالحة وخطاب التسامح أن تساعد في إعادة بناء الثقة ومنع الانتقام.

من الكراهية إلى المصالحة.. كيف يمكن لسوريا أن تتعلم من تجارب ما بعد الحروب؟
الخميس 15 تشرين الأول, 2026   03:50
مركز الأخبار

لم تنتهِ الحرب والمعاناة في سوريا بمجرد توقف إطلاق النار وسقوط النظام البعثي، فآثارها تستمر داخل المجتمع عبر الذاكرة والخوف وانعدام الثقة، وتنتقل المعركة من ساحات القتال إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي، حيث تتحول الشائعة إلى اتهام، والاتهام إلى تحريض، والتحريض إلى كراهية جماعية تمهد لعنف جديد.

وبرزت خلال المرحلة الانتقالية تحذيرات متكررة من تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، سواء عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الافتراضي، وتداعياتها على السلم الأهالي، ويبدو واضحاً فيما تنقله وكالتنا ANHA من جرائم يومية تقع في سوريا على خلفية هذا التصعيد، بين قتل وخطف، واتهامات وغيرها.

وتشير تجربة سوريا نفسها إلى أن المشكلة ليست جديدة، فقد وثقت الأمم المتحدة منذ سنوات تأثير خطاب الكراهية والتحريض على تعميق الانقسامات المجتمعية، فيما دعمت اليونسكو جهوداً لإنشاء آليات لرصد خطاب الكراهية والتحريض على العنف في الإعلام السوري.

عندما يتحول الآخر إلى عدو

تقول الأمم المتحدة إن الخطورة تكمن في تحوّل الخطاب من انتقاد أفراد أو جهات أو مواقف سياسية إلى تحميل جماعة بأكملها المسؤولية عن أفعال أفراد، أو تصوير طائفة أو قومية أو منطقة بوصفها عدواً جماعياً.
مضيفة "عندها يصبح من السهل تبرير الانتقام، ويصبح الضحية في نظر المحرض مجرد فرد ينتمي إلى "الجماعة الخطأ"، وليس إنساناً له حقوق".

ولهذا تحذر الأمم المتحدة من أن هذا الخطاب يمكن أن يقوّض التماسك الاجتماعي ويمهّد للتمييز والعنف، فيما أظهرت تجارب تاريخية أن الخطاب المحرض يمكن أن يتطور إلى جرائم جماعية.

رواندا.. عندما أصبح الإعلام وقوداً للإبادة

تُعد رواندا من أكثر الأمثلة وضوحاً على خطورة التحريض الإعلامي، فقبل وأثناء الإبادة الجماعية عام 1994، ساهم خطاب إعلامي قائم على الكراهية والتصنيف العرقي في تجريم التوتسي والتحريض ضدهم، وانتهت تلك البيئة إلى قتل مئات الآلاف خلال نحو مئة يوم، وتؤكد الأمم المتحدة أن الإبادة في رواندا أظهرت بصورة مؤلمة الصلة بين خطاب الكراهية والعنف الجماعي.

لكن رواندا قدمت لاحقاً نموذجاً آخر، بعد أن اتجهت إلى برامج للمصالحة وإعادة دمج الناجين والجناة في المجتمعات المحلية، مع التركيز على الاعتراف بالماضي ومنع إعادة إنتاج الانقسام.

وتظهر تجارب محلية، مثل قرى المصالحة، كيف استطاع أشخاص من طرفي الصراع الانتقال من العداء إلى التعاون والحياة المشتركة.

ميانمار.. عندما انتقلت الكراهية من الشاشة إلى الشارع

في ميانمار، ساهم انتشار خطاب الكراهية والتضليل ضد الروهينغا في خلق بيئة شديدة الخطورة سبقت موجات العنف والتهجير.

وتظهر التوثيقات الحكومية أن خطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الافتراضي لم يبقَ في الفضاء الرقمي، بل ارتبط بتوترات واضطرابات وعنف على الأرض، من بينها هي دراسة أكاديمية نُشرت عام 2024 بعنوان "عندما يكون فيسبوك هو الإنترنت: دور وسائل التواصل الاجتماعي في الصراع الإثني"، وجدت أنها مؤشرات على ارتباط إتاحة فيسبوك بارتفاع احتمال اندلاع الصراع في سياق أزمة الروهينغا تحديداً.

تكتسب الدراسة أهميتها لأنها تقدم قراءة أكثر حذراً، إذ تقول عنها "وسائل التواصل لم تصنع الصراع من الصفر، لكنها وفرت بيئة ساعدت على انتشار خطاب الكراهية والتضليل والوصول إلى جمهور واسع، في ظل وجود انقسامات سياسية وإثنية عميقة أصلاً".

وهذه التجربة تحمل درساً مهماً لسوريا، وفق مراقبين، فالفيديو المضلل والمنشور المحرض ليسا دائماً مجرد محتوى رقمي، فقد يصبحان جزءاً من سلسلة تؤثر في سلوك الناس وقراراتهم تجاه جماعة أخرى.

البوسنة.. انتهاء الحرب لا يعني انتهاء الكراهية

وفي البوسنة والهرسك، انتهت الحرب، لكن آثار الانقسام بقيت حاضرة في السياسة والإعلام والذاكرة العامة، واستمر الجدل حول الجرائم وإنكارها وتمجيد مرتكبيها.

ولهذا أطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في حزيران 2026 مبادرة لمواجهة خطاب الكراهية والسرديات الانقسامية في البلاد، تقوم على تعزيز المساواة ومواجهة الخطاب الذي يقوض الثقة بين المكونات ويعرقل المصالحة.

والدرس هنا واضح، إذ يمكن أن تنتهي الحرب عسكرياً، بينما تستمر داخل المجتمع من خلال الروايات المتصارعة.

جنوب أفريقيا.. الحقيقة طريق إلى المصالحة

في المقابل، اختارت جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري مساراً مختلفاً عبر لجنة الحقيقة والمصالحة، التي وفرت مساحة لسماع الضحايا وكشف الانتهاكات ومواجهة الماضي.

ورغم أن التجربة لم تكن كاملة، ولا تزال جنوب أفريقيا تواجه انتقادات بسبب ملفات لم تصل إلى العدالة، فإنها قدمت نموذجاً مهماً في أن الاعتراف بمعاناة الضحايا وإتاحة المجال لسماع رواياتهم يمكن أن يكون جزءاً من إعادة بناء المجتمع.

وتقدم تجربة جنوب أفريقيا نفسها درساً إضافياً، قد تستفيد منه سوريا، متمثل في أن المصالحة لا ينبغي أن تعني التخلي عن العدالة، فبقاء قضايا قتل واختفاء من دون محاسبة أعاد فتح ملفات مؤلمة بعد عقود.

أيرلندا الشمالية.. الاختلاف لا يعني العودة إلى الحرب

أما أيرلندا الشمالية، فتقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على فكرة أن المجتمع لا يحتاج بالضرورة إلى إزالة الاختلافات السياسية والدينية حتى يعيش بسلام.

فبعد عقود من الصراع، قامت عملية السلام على الاعتراف بتعدد الهويات، وتقاسم السلطة، وإيجاد آليات سياسية تسمح للأطراف المختلفة بالتنافس والاختلاف من دون العودة إلى العنف.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن أن تستفيد منها سوريا، وهي أن المصالحة لا تعني أن يصبح السوريون متشابهين في السياسة أو الهوية أو الرؤية، بل أن يصبح اختلافهم قابلاً للإدارة من خلال الحوار والقانون بدلاً من السلاح.

سوريا أمام خيارين

هذه التجارب المختلفة، رغم اختلاف ظروفها، تقدم خلاصة واحدة، يؤكدها مراقبون، مفادها عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى تحريض، والتحريض إلى عنف، يصبح المجتمع معرضاً لإعادة إنتاج الحرب بأشكال جديدة.

أما عندما يتحول الاختلاف إلى حوار، وترافق المصالحةَ حقيقةٌ وعدالةٌ ومحاسبة، يصبح من الممكن إعادة بناء الثقة تدريجياً.

ويرى نشطاء وسياسيون سوريون، إن مواجهة خطاب الكراهية في سوريا لا يعني منع النقد السياسي أو إسكات المعارضة، فالانتقاد حق، والاختلاف طبيعي، لكن الخط الأحمر يبدأ عندما يتحول الخطاب إلى تحريض على التمييز أو العداء أو العنف ضد جماعة بسبب هويتها.

(أم)

ANHA