تجار دمشق في مواجهة الركود وارتفاع التكاليف.. "ننتظر الفرج"

تواجه الأسواق التجارية في دمشق حالة من الركود وتراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التشغيل والإيجارات وتقلب الأسعار، فيما يقول تجار إن ظروف العمل دفعت بعضهم إلى التفكير بإغلاق محالهم أو بيعها والسفر، وسط تساؤلات عن مستوى تمثيلهم في القرارات الاقتصادية خلال المرحلة الانتقالية.

تجار دمشق في مواجهة الركود وارتفاع التكاليف.. "ننتظر الفرج"
تجار دمشق في مواجهة الركود وارتفاع التكاليف.. "ننتظر الفرج"
تجار دمشق في مواجهة الركود وارتفاع التكاليف.. "ننتظر الفرج"
تجار دمشق في مواجهة الركود وارتفاع التكاليف.. "ننتظر الفرج"
السبت 10 تشرين الأول, 2026   04:00
دمشق

تعد غرفة تجارة دمشق، التي تأسست عام 1830، من أقدم الغرف التجارية في المنطقة العربية، وتشير بيانات منشورة على موقعها إلى وجود 64 ألفاً و520 عضواً مسجلاً عام 2024، مقابل 4525 عضواً مُجدٍداً، في مؤشر يعكس فجوة واسعة بين عدد المنتسبين المسجلين وحجم التجديد الفعلي للعضوية.

وبحسب آخر البيانات المتاحة، تظهر سجلات وزارة التجارة الداخلية وجود نحو 100 ألف سجل تجاري في دمشق، فيما تجاوز عدد الشركات والسجلات التجارية الجديدة في سوريا خلال النصف الأول من عام 2026 عشرة آلاف، بينها 7619 سجلاً تجارياً فردياً، و2087 شركة محدودة المسؤولية، و713 شركة تضامنية، و46 شركة مساهمة و56 شركة توصية.

لكن هذه الزيادة في عدد التسجيلات لا تبدو، وفق تجار في دمشق، منعكسة بصورة واضحة على حركة الأسواق، في ظل ضعف الطلب وارتفاع تكاليف العمل وتراجع القدرة الشرائية.

"أين ذهب تجار دمشق؟"

يطرح تاجر عريق وعضو سابق في غرفة تجارة دمشق، خالد الصالحاني، سؤالاً حول مستوى حضور التجار في الحياة الاقتصادية، قائلاً: "هل تجد التجار ممثلين، ولهم رأي أو دور في الاجتماعات والخطط الاقتصادية التي تحدث في البلد، أم أن التمثيل يكون فقط لأشخاص غير معروفين في الوسط التجاري؟".

ويأتي هذا التساؤل في ظل تغييرات طرأت على مجالس غرف التجارة بعد إلغاء نتائج انتخابات غرفة تجارة دمشق لعام 2024 وتعيين مجلس إدارة جديد في آذار 2025 بقرار من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، قبل أن ينتخب المجلس لاحقاً مكتبه التنفيذي برئاسة عصام الغريواتي.

ويرى التاجر أن هذه التحولات، إلى جانب الظروف الاقتصادية، جعلت شريحة من التجار تشعر بتراجع دورها مقارنة بما كان عليه حضورها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في دمشق تاريخياً.

"المحل للبيع.. والتجارة لم تعد تشيل همها"

في سوق البزورية بدمشق، فضل الحاج مزين أبو بلال عدم الإجابة عن سؤال "أين هم تجار دمشق؟"، واكتفى بالقول: "الله يفرج، أحسن شي".

وأشار إلى ورقة معلقة على جدار محله كتب عليها: "المحل للبيع أو الاستثمار"، وقال: "هذا حالنا جميعاً، نفكر بالسفر، التجارة لم تعد تشيل همها".

ورصد مراسلو وكالتنا ANHA في دمشق عشرات الإعلانات عن بيع محال تجارية وسط الأسواق، بينها إعلانات عن بيع فلل ومحال تجارية بهدف السفر، في ظاهرة بدأت تظهر بصورة ملحوظة لدى تجار التجزئة، الذين يمثلون الحلقة الأضعف في الوسط التجاري.

وتتطابق هذه الصورة مع مؤشرات ظهرت في أسواق سورية أخرى، إذ رصد مراسلونا في محافظات عدة حالات إغلاق لمحال تجارية وحرفية ومطاعم بسبب ارتفاع الإيجارات، وأشارت إلى أن بعض أصحاب المشاريع باتوا يفكرون بإغلاق متاجرهم أو تغيير نشاطهم.

ارتفاع الإيجارات وتقلب الأسعار

ويشرح التاجر نمير حسن جانباً من أسباب تدهور أوضاع تجار التجزئة، قائلاً إن تكاليف العمل التجاري أصبحت "كبيرة جداً"، نتيجة ارتفاع إيجار المحل خمسة أضعاف وبالدولار، إلى جانب تقلبات الأسواق والبيع بخسارة وارتفاع تكاليف الكهرباء والعمالة والمعيشة اليومية.

ويقول إن التاجر أصبح مضطراً إلى وضع نحو 50 ألف دولار في متجر للاستثمار، لكنه قد يخسر من رأس المال في الوقت الذي يعجز فيه عن تأمين مصاريفه اليومية، مضيفاً: "لا أحد يلتفت إلى معاناتنا؛ ندفع يومياً الرسوم والمخالفات على شي بطعمة وشي بلا طعمة".

ويضيف أن تقلب الأسعار يضع التاجر أمام معادلة يصعب تجاوزها، موضحاً: "اشتريت كيس السكر بسعر، وبعناه بالربح المعتاد، ومن ثم ذهبت لشراء كيس سكر آخر، فالمبلغ المرصود له لم يعد يكفي لشراء كيس سكر بسبب التضخم والتقلبات اليومية في الأسعار".

ويشير إلى أن التاجر يضطر عندها إلى سحب أموال إضافية من رصيده لشراء البضاعة، ثم يجد نفسه غير قادر على رفع سعر البيع بما يتناسب مع كلفة الشراء الجديدة خوفاً من خسارة الزبائن، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى الخسارة وإغلاق المتجر.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن ارتفاع التكاليف بات يضغط على هوامش أصحاب الارزاق، إذ أظهرت متابعة في دمشق أن رفع أسعار المحروقات في أيلول انعكس على تكاليف النقل والسلع، فيما قال أصحاب محال إن الزبائن باتوا يشترون كميات أقل ويتجهون إلى السلع الأرخص، ما أدى إلى تراجع حركة المبيعات.

"الزبون يشتري على قدر حاجته"

ويشير نمير إلى أن تراجع القدرة الشرائية للمواطن دفعه إلى تقنين مشترياته، فيطلب مثلاً لبنة بخمسة آلاف ليرة، أو زيتاً أو سمنة بعشرة آلاف ليرة، ما يعني جهداً إضافياً وهدر وقت ومصاريف بالنسبة للتاجر مقابل أرباح محدودة.

ويقول إن هذا الواقع يدفع بعض التجار إلى إغلاق محالهم أو محاولة تغيير مهنهم، الأمر الذي قد يحمّلهم خسائر إضافية، قبل أن يصل بعضهم إلى خيار بيع المحل والسفر، مشيراً إلى أن فكرة السفر عادت بقوة خلال الأشهر الماضية إلى الوسط التجاري.

وفي سوق الميدان بدمشق، يجلس تاجر ستيني أمام متجره، ويصف حال الأسواق بالقول: "الله يفرج. الأسواق تعبانة كتير، وكثير من التجار أفلسوا ويفكرون بالسفر بشكل جدي".

ويشير غياث عادل إلى محال غيّرت مهنتها مرات عدة خلال عام واحد من دون أن تستمر، بسبب تدني المبيعات وجمود الأسواق، معتبراً أن "جفاف السيولة" هو الخطر الأكبر الذي يهدد الأسواق.

ويقول إن المحال المعروفة بتقديم الطعام هي الأكثر نشاطاً، فيما تنتظر بقية المحال الزبائن، بالتزامن مع حضور دوريات الرقابة وطرح الأسئلة وتسجيل المخالفات، مضيفاً: "قاعدين ننتظر الفرج على هذه البلاد".

"تجار العاصمة لم يعودوا في موقع الشراكة"

ويرى أستاذ جامعي في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، فضل عدم ذكر اسمه، أن هناك تهميشاً لا يقتصر على تجار دمشق، بل يشمل أيضاً أساتذة الجامعات والاقتصاديين الموجودين في العاصمة.

ويستشهد على ذلك بعدم حضور تاجر دمشقي أو صناعي أو أستاذ جامعي، بحسب قوله، ضمن المدعوين إلى حفل إطلاق معرض دمشق الدولي السابق، معتبراً أن هذه الوقائع أصبحت موضع نقاش في الأوساط العامة بالتزامن مع حديث التجار عن التفكير بالبيع والسفر.

ويضيف أن تجار العاصمة لم يعودوا يتفاوضون مع السلطات الجديدة من موقع الشراكة والنفوذ الذي تمتعوا به سابقاً، بل باتوا، وفق تقديره، في موقع أضعف نسبياً في ظل إدارة وسياسات السلطة الجديدة ودخول تجار جدد إلى العاصمة.

ويقول إن ما يصفه بـ "تخويف" التجار وإشغالهم بقضية "الفروغ" للمحال التجارية، إلى جانب ما يعدّه زرعاً للتفرقة بينهم، زاد من معاناتهم وقلل من ثقتهم.

الكسب غير المشروع.. ملف آخر يقلق التجار

ويرى الأستاذ الجامعي أن لجنة مكافحة الكسب غير المشروع تمثل أحد أكبر التحديات أمام شريحة من تجار العاصمة، مشيراً إلى وضع عشرات الآلاف من الأسماء، بحسب تقديره، ضمن قوائم المطلوبين والتدقيق في أملاكهم وصلاتهم بالنظام السابق، وما نتج عن ذلك، وفق قوله، من شائعات ومخاوف وابتزاز بين التجار.

ويربط ذلك بعودة مخاوف مرتبطة بما يسميه ذاكرة فرع الأمن "40" وما كان يقوم به من ابتزاز للتجار والاستيلاء على أموالهم، معتبراً أن هذا المناخ، إلى جانب الركود الاقتصادي والتغيرات السياسية، دفع بعض التجار إلى وقف أعمالهم وعرض متاجرهم للبيع والتفكير بالسفر.

فيما لا تتبنى اللجنة هذا التوصيف؛ إذ يقول رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع باسل السويدان إن إجراءاتها تستند إلى معايير موضوعية تتعلق بوجود تضخم غير مبرر في الثروة مقارنة بالدخل المشروع، مضيفاً "التسويات المالية لا تمنح حصانة جزائية ولا توقف المسارات القضائية الأخرى".

وكانت قد أشارت اللجنة في الوقت نفسه إلى تلقيها شكاوى من رجال أعمال تحدثوا عن تعرضهم لمحاولات ابتزاز وضغوط، ودعت المتضررين إلى استخدام قنواتها الرسمية.

الحكومة: تسجيل شركات وتسهيل الإجراءات.. والغرفة "صوت القطاع الخاص"

في المقابل، تعرض وزارة الاقتصاد والصناعة أرقاماً تشير إلى توسع في تسجيل الشركات خلال النصف الأول من العام، كما أعلنت العمل على أتمتة إجراءات تأسيس الشركات وإصدار السجل التجاري إلكترونياً، وربط الإجراءات بوزارات المالية والعدل والمصارف وغيرها من الجهات المعنية.

كما تقول غرفة تجارة دمشق إنها تعمل على تطوير بيئة الأعمال وتمثيل مصالح التجار والشركات، وناقشت خلال مؤتمرها السنوي تطوير بيئة العمل التجاري وتعزيز التعاون مع الجهات الحكومية ومعالجة الصعوبات التي تواجه التجار.

وفي أحدث تحرك للغرفة، عقدت في 7 تشرين الأول ندوة مع مجلس الأعمال السوري–الصيني لمناقشة التحديات التي تواجه الفعاليات التجارية، حيث ركزت المطالب على تسهيل التأشيرات التجارية للصناعيين والتجار وفتح التحويلات المالية والمصرفية بين سوريا والصين.

وقال رئيس الغرفة عصام الغريواتي إن الغرفة تتابع هذه الملفات، بينما أوضح رئيس مجلس الأعمال السوري–الصيني فادي أحمد المحيميد أن المجلس لم يمنح حتى الآن أي تأشيرة أو كتاب توسط للحصول عليها.

وقبل ذلك بيوم، بحثت الغرفة مع بعثة تجارية سعودية فرص التعاون والاستثمار في قطاعات متعددة، بينها الأثاث والمعدات الثقيلة والصناعات الغذائية والبتروكيماويات والطاقة والقطاع الطبي وقطع غيار السيارات ومواد البناء.

وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى تسجيل آلاف الشركات الجديدة وفتح مسارات جديدة للاستثمار والتجارة، يصف تجار في أسواق دمشق واقعهم بصورة مختلفة، عنوانها تراجع المبيعات، وارتفاع التكاليف، وجفاف السيولة، وتآكل رأس المال، وسط شعور لدى بعضهم بتراجع دوره في صياغة القرار الاقتصادي.

وفي أسواق دمشق، تبدو عبارة الحاج أبو بلال "الله يفرج، أحسن شي" أكثر من مجرد إجابة عابرة؛ فهي تختصر، بالنسبة إلى تجار تحدثوا لمراسلي وكالتنا، انتظاراً طال أمده لعودة الحركة التجارية واستعادة الثقة ووضوح الأفق الاقتصادي.

ANHA