سيد افرن.. ثلاثة أعوام على رحيل صحفي حمل حكايات كردستان وقضايا شعبه

"الآن، جانبٌ مني في الشمال، وجانبٌ في الغرب، وجانبٌ في الجنوب، وجانبٌ في الشرق. لقد أصبحتُ كردستان بالكامل". كانت هذه الكلمات الأخيرة للصحفي سيد افرن، والتي أصبحت مصدر إلهام للصحفيين والرفاق والشعب في أجزاء كردستان الأربعة، وتقول رفيقته روجبين دنيز "إن خط الإعلام الحر كان يتطلب روحاً ثورية، وتلك الروح جسدها الرفيق سيد في نفسه. ونحن بدورنا سنواصل السير على خطاه".

سيد افرن.. ثلاثة أعوام على رحيل صحفي حمل حكايات كردستان وقضايا شعبه
الثلاثاء 22 يلول, 2026   02:50
قامشلو
بيريتان إرلان

في الذكرى السنوية الثالثة لرحيل الصحفي سيد افرن الذي استشهد في 22 أيلول عام 2023، تُستعاد مسيرته التي امتدت على مدى عقود بين أجزاء كردستان الأربعة، من خلال كتاباته وشهاداته وتجربته في الإعلام الحر، حيث كرّس عمله لنقل حكايات الشعب الكردي ونضاله، وترك خلفه إرثاً صحفياً وإنسانياً استمر رفاقه وطلابه في استذكاره ومواصلة العمل على خطاه.

في جبال الكرد هناك أكثر من قصة إنسانية

كان سيد افرن يختصر رؤيته للعمل الصحفي في البحث عن الحكايات الإنسانية التي رافقت مسيرة الشعب الكردي، إذ يقول في مذكراته: "في جبال الكرد، هناك أكثر من قصة إنسانية واحدة.. لا يمكننا اختزالها وسردها في قصة واحدة فقط، فهذا لا يكفي".

ولهذا ترك خلال مسيرته عشرات الحكايات من مختلف أجزاء كردستان، وحتى خلال ساعاته الأخيرة في المستشفى، ترك رسالة وداع حملت خلاصة تجربته ونظرته إلى مسيرته.

"أنا حفيد جدي"

وُلد سيد افرن عام 1969 في قضاء هيني (Hênê) التابع لمدينة آمد في شمال كردستان، وسط عائلة ذات تاريخ حافل بالنضال.

وفي رسالته الأخيرة يقول افرن عن إرث عائلته: "بدأ جدي هذا النضال عندما سار مع الشيخ سعيد. أنا حفيد جدي، والراية التي استلمتها واصلتُ بها المسيرة مع القائد عبد الله أوجلان وحزب العمال الكردستاني PKK".

ونشأ سيد افرن في هذا السياق، في الوقت الذي كان فيه الشباب الكرد في تركيا وشمال كردستان يبدؤون رحلة نضالية طويلة الأمد. ودرس في جامعة تشوكوروفا، وبدأ مسيرته في الإعلام الحر.

"كان يجب أن يتحرر شعبي"

وخلال تسعينيات القرن الماضي، بدأت الدولة التركية بحرق القرى الكردية ونهبها وقتل الكرد، وفي تلك الأجواء اختار سيد افرن العمل في الإعلام، وفي مطلع التسعينيات بدأ العمل في صحيفة أوزغور أولكه (Özgür Ülke)، تحت شعار "لا تنازل عن الحقيقة".

ويقول افرن عن دوافعه: "كنت كردياً، وكان يجب أن يتحرر شعبي".

وعدّ هذا الطريق محفوفاً بالتضحيات؛ ففي 3 كانون الأول 1994، تعرضت مقرات الصحيفة في أنقرة وآمد للهجوم بالقنابل، ما أدى إلى مقتل الصحفي آرسين يلدز وإصابة 23 صحفياً آخرين.

ونجا سيد افرن من الهجوم، ولم تثنه الهجمات عن مواصلة عمله، وفي عام 1995 توجه نحو جبال كردستان، متحولاً إلى "درويش" يجوب المناطق بحثاً عن حقيقة نضال شعبه.

وعلى مدى 30 عاماً، تنقّل افرن بين مناطق مختلفة في كردستان، مدوناً حكايات المناضلين والشعب والجبال والمياه ومختلف تفاصيل الحياة والنضال، ومشاركاً إياها مع الرأي العام.

كما وثق ذكرياته في جبال كردستان في كتاب حمل عنوان "رحلة نحو ضفاف الحياة".

من أجزاء كردستان إلى روج آفا

وعمل سيد افرن في أجزاء كردستان الأربعة، وكذلك بين الكرد في أرمينيا وروسيا.

وفي عام 2012، انتقل إلى روج آفا، حيث بذل جهوداً واسعة لنقل أحداث ثورة روج آفا إلى الرأي العام، وبدأ العمل في وكالة فرات للأنباء ANF.

كما ألقى محاضرات في أكاديميات الإعلام في روج آفا، وأسهم في تدريب المئات من الطلاب، قبل أن ينتقل عام 2017 إلى جنوب كردستان، حيث واصل نشاطه الإعلامي.

وفي رسالة وداعه، لخّص افرن مسيرته قائلاً: "من آمد إلى غرزان، ومن عفرين إلى قامشلو، ومن زاب إلى السليمانية، ومن أورمية إلى مهاباد.. كنتُ في كل مكان. الآن، جانبٌ مني في الشمال، وجانبٌ في الغرب، وجانبٌ في الجنوب، وجانبٌ في الشرق. لقد أصبحتُ كردستان بالكامل".

"الرفيق سيد كان ثورياً صحفياً"

وفي السياق، تحدثت الصحفية روجبين دنيز عن شخصية الشهيد سيد افرن لوكالتنا، قائلة: "كان الرفيق سيد صحفياً ثورياً. إن خط الإعلام الحر كان يتطلب روحاً ثورية، وتلك الروح جسدها الرفيق سيد في نفسه. وكان يقول بنفسه: كي أعيش حياة ذات معنى، خضتُ نضالاً كبيراً".

وأضافت: "ونحن بدورنا استفدنا من هذه الميزة لديه؛ فقد كان بالنسبة لنا منهلاً للمعرفة والعلم. والثورية هي علم أيضاً، وهذا العلم كان يكتمل في شخصيته".

وتابعت دنيز: "كان يمتلك ميزة خاصة، إذ كان يتجاوز المعايير التقليدية والمحفوظة للثورية والصحافة؛ لم يكن شخصاً ينحصر في أطر أو قوالب ضيقة، بل كان ذهناً وفكراً مفتوحاً. ولهذا السبب، كانت شخصيته وأعماله أكثر تأثيراً".

وأشارت إلى أنها تعرفت إلى الشهيد سيد افرن في جنوب كردستان، حيث كان يعمل أيضاً، وقالت: "على الرغم من وجود خطوط سياسية مختلفة هناك، فإن الرفيق سيد كان يدخل بين الجميع بتميّزه وخاصيته؛ كان يحافظ على معاييره، ويصون اختلافه وفكره، وعلى هذا النحو كان يعمل. لذلك، كان عمله يخاطب ويلامس الجميع".

"خاض نضالاً ذا معنى"

وكان سيد افرن يُنظر إليه بين الصحفيين بوصفه ذاكرة تاريخية، إذ كان يُرجع إليه عند الحاجة إلى البحث عن معلومات وتفاصيل تتعلق بمناطق وأحداث مختلفة.

وتقول روجبين دنيز: "لقد خاض نضالاً ذا معنى، وكان هذا نضال الشعب الكردي. ولهذا السبب كان لا بد من وجود ذاكرة له".

وأضافت: "أينما حلّ، كان يدرس الخصائص الجغرافية، وثقافة الشعب، والسوسيولوجيا، والفلسفة، والمعتقدات الخاصة بتلك المنطقة. لقد جمع كل ذلك في ذاته. وعندما كان ينخرط بين أفراد المجتمع، كان يقدم معلومات للمجتمع عن نفسه. لم يكن مجرد صحفي، بل كان مربياً ومدرساً في الوقت ذاته".

وقبل رحيله، شارك سيد افرن رسالته الأخيرة التي تحدث فيها عن مواصلة النضال.

وفي ختام حديثها، قالت روجبين دنيز: "ونحن بدورنا سنمضي على خطاه، سنحمل قلمه وكاميرته ونواصل نضاله".

واستشهد سيد افرن في 22 أيلول 2023 في روج آفا، وفي 27 أيلول، شُيّع في مدينة قامشلو بمراسم جماهيرية حاشدة، تعهّد خلالها طلابه بالسير على خطاه ومواصلة نهجه.

(ح)

ANHA