مخالفات تموينية بمبالغ ضخمة تثير انتقادات التجار والحكومة تبرر

تتصاعد انتقادات في أوساط تجار دمشق حيال ارتفاع قيمة المخالفات وتعدد أسبابها، وسط حديث عن تحول الضبوط إلى عبء مالي ضخم على الفعاليات التجارية، في حين تقول الجهات الرقابية أن حملاتها تهدف إلى ضبط الأسواق وحماية المستهلك.

مخالفات تموينية بمبالغ ضخمة تثير انتقادات التجار والحكومة تبرر
الإثنين 14 يلول, 2026   03:34
دمشق

رصد مراسلونا في دمشق تصاعد شكاوى في أوساط التجار من كثافة الدوريات التموينية وارتفاع قيمة المخالفات، وسط اتهامات من تجار وأصحاب فعاليات تجارية بأن بعض الضبوط باتت تمثل عبئاً مالياً ضخماً. في المقابل، تقول الجهات الرقابية إن إجراءاتها تستند إلى القوانين النافذة وتهدف إلى ضبط الأسواق وحماية المستهلك.

ومن بين الحالات التي يتداولها تجار دمشق في مجالسهم الخاصة، مخالفة سُطرت بحق أحد أبرز مطاعم الوجبات السريعة في منطقة الميدان، بلغت قيمتها أكثر من 100 مليون ليرة سورية قديمة، قبل أن تُسجَّل بحقه مخالفة أخرى تجاوزت قيمتها 50 مليون ليرة، وفق ما أفاد به تجار لمراسلي الوكالة.

358 ضبطاً في ريف دمشق خلال أسبوع

وتأتي هذه الشكاوى بالتزامن مع ارتفاع أعداد الضبوط التموينية المعلنة رسمياً، فبحسب بيانات مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق، نُظمت 358 ضبطاً تموينياً بحق فعاليات ومنشآت تجارية مختلفة خلال الفترة الممتدة من 3 إلى 9 أيلول الجاري، وشملت الجولات 1205 فعاليات تجارية و59 معملاً، إلى جانب سحب عيّنات من مواد غذائية وغير غذائية للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية السورية.

كما سيّرت المديرية 122 دورية في مختلف مناطق المحافظة، وقالت إنها عالجت 19 شكوى مقدمة من المواطنين، فيما شملت الضبوط مخالفات البيع بسعر زائد، وعدم الإعلان عن الأسعار، ومخالفة التعليمات الإدارية، وعدم وجود فواتير، وحيازة مواد منتهية الصلاحية.

وبحساب عدد الضبوط على أيام الأسبوع، يصل المتوسط إلى نحو 51 ضبطاً يومياً، وإذا افترض افتراضاً حسابياً متوسط قيمة الضبط بـ 5 ملايين ليرة، فإن القيمة النظرية للضبوط تصل إلى نحو 255 مليون ليرة يومياً في ريف دمشق وحدها، مع التأكيد أن هذا الرقم تقديري وليس حصيلة مالية معلنة من المحافظة، كما أن قيمة المخالفات تختلف من حالة إلى أخرى.

تجار: المخالفات أصبحت هاجساً يومياً

وقال التاجر الدمشقي إياد أبو رامز لمراسلي وكالة أنباء هاوار، إن هذه الوتيرة من المخالفات باتت جديدة على الوسط التجاري، مشيراً إلى انتشار الدوريات في الأسواق وتحرير مخالفات بصورة يومية، الأمر الذي يجعل التجار، بحسب قوله، ينتظرون موعد تنظيم الضبط بحقهم.

وأضاف أن بعض المخالفات، من وجهة نظره، لا تتناسب مع طبيعة المخالفة، مستشهداً بمخالفة شركة تعمل في مجال مواد التجميل بسبب عدم ذكر رقم الدفعة على العبوة بقيمة 5 ملايين ليرة، رغم أن المنتجات، بحسب إفادته، مطابقة للمواصفات.

ويرى أبو رامز أن التجار يهتمون أساساً بمواصفات المنتجات وجودتها ورضا الزبائن، بينما تركز الدوريات على تفاصيل أخرى، تتعلق بالبطاقة التعريفية للمنتج وبعض المتطلبات الإدارية، معتبراً أن ذلك يزيد الأعباء على أصحاب المحال.

وأشار إلى أن الرقابة على المواد الغذائية، ولا سيما الألبان والأجبان واللحوم، تختلف من حيث الأهمية بسبب ارتباطها المباشر بصحة المستهلك، حيث تُسحب العيّنات بصورة مستمرة للتحقق من سلامتها.

مخالفات عرض البضائع خارج المحال

وفي أحد أحياء دمشق، قال عضو في لجنة حي، فضل عدم ذكر اسمه، إن أعضاء اللجنة بدؤوا بإبلاغ التجار بعدم عرض بضائعهم خارج حدود المحال، خشية تعرضهم للمخالفة، لافتاً إلى أن قيمة المخالفة في هذه الحالة تصل، وفق ما أفاد به، إلى 15 مليون ليرة.

وأوضح أن عرض البضائع أمام المحال جزء من طبيعة الأسواق القديمة في دمشق، وأن التجار اعتادوا استخدام المساحات المحاذية لمحالهم لجذب الزبائن، لكنه قال إن انتشار الدوريات جعل بعض أصحاب المحال يسارعون إلى إدخال بضائعهم إلى الداخل عند مرورها.

وأضاف أن المخالفات، في نهاية المطاف، تصبح واجبة الدفع عند إنجاز بعض المعاملات والحصول على براءة الذمة، ما يدفع التجار، بحسب قوله، إلى تسديدها لتجنب تراكم الغرامات.

وأشار إلى أن التجار يتحدثون عن مخالفات تتعلق بالبيع بسعر زائد، وسحب العيّنات، وعرض البضائع خارج المحل، وعدم الإعلان عن الأسعار، والتعليمات الإدارية، وغياب الفواتير، إضافة إلى حيازة مواد منتهية الصلاحية، مؤكداً أن قيمة بعض المخالفات أصبحت مرتفعة مقارنة بقدرة أصحاب المحال على تحملها.

سوقا المناخلية وباب سريجة

وفي سوق المناخلية بدمشق، رصد مراسلونا حالة من الحذر بين أصحاب المحال خلال مرور الدوريات، إذ بادر أحد التجار إلى تنبيه زملائه إلى إدخال بضائعهم المعروضة خارج المحال، بعد تسجيل مخالفات بحق عدد من المتاجر خلال الجولة.

وفي سوق باب سريجة، أفاد أصحاب محال بأن الدوريات تنفذ جولات بناء على شكاوى أو توجيهات رقابية، إلا أن بعض أصحاب المحال يقولون إنهم لا يعرفون في بعض الحالات طبيعة الشكوى المقدمة بحقهم أو الجهة التي تقدمت بها.

جمعية حماية المستهلك: الرقابة ضرورية ولكن

من جهته، قال عضو في جمعية حماية المستهلك، فضل عدم الكشف عن هويته، إن الرقابة على الأسواق ضرورية ولا يمكن ترك الفعاليات التجارية من دون متابعة، لكنه انتقد، بحسب إفادته، تحرير مخالفات مالية كبيرة من دون منح التاجر فرصة لتصحيح بعض الملاحظات البسيطة.

وأضاف أن بعض الملاحظات الإدارية، في حال عدم ارتباطها مباشرة بسلامة الغذاء أو صحة المستهلك، كان يمكن أن تبدأ بتنبيه، على أن تتحول إلى مخالفة مالية في حال تكرارها، معتبراً أن تحميل التجار غرامات مرتفعة قد يدفع بعضهم إلى رفع أسعار السلع لتعويض قيمة المخالفات.

وأكد أن انعكاس هذه التكاليف لا يتوقف عند التاجر، بل قد يصل في النهاية إلى المستهلك من خلال زيادة أسعار السلع والخدمات.

ماذا تقول الجهات الرقابية؟

في المقابل، تؤكد الجهات الحكومية أن تكثيف الجولات يأتي في إطار حماية المستهلك وضبط الأسواق، وليس بهدف الجباية.

وقال مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في ريف دمشق عبد السلام خالد، في أحدث تصريح رسمي نُشر في  12 أيلول على موقع المديرية، إن جولات المديرية خلال الفترة من 3 إلى 9 أيلول هدفت إلى تشديد الرقابة التموينية وحماية المستهلك من الغش والتلاعب، مضيفاً أن الهدف هو تعزيز استقرار السوق وضمان وصول السلع بالسعر والجودة المناسبين.

وفي دمشق، كانت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك قد أعلنت في آب تنظيم 61,447 ضبطاً تموينياً خلال النصف الأول من العام الحالي، نتيجة 22,422 جولة رقابية، وشملت المخالفات عدم الإعلان عن الأسعار، وعدم تداول الفواتير النظامية، ومخالفات الشروط الصحية والتعليمات الإدارية واللحوم والمخابز.

وبينما تتمسك الجهات الرقابية بأن الضبوط جزء من حماية المستهلك وضبط الأسواق، يرى تجار أن ارتفاع قيمة المخالفات وتعدد أسبابها أصبحا عبئاً إضافياً على النشاط التجاري، مطالبين بأن تراعي الإجراءات الرقابية أوضاع الأسواق والقدرة المالية للفعاليات، وأن تميز بين المخالفات التي تمس صحة المستهلك وسلامة السلع، وبين الملاحظات الإدارية التي يمكن تصحيحها قبل فرض غرامات مرتفعة.

(أم)

ANHA