محلل: العراق بين ترسيخ الاستقرار وخطر عودة التوتر

يرى الباحث والمحلل السياسي صلاح بوشي، أن العراق يتجه خلال المرحلة المقبلة، نحو استقرار تدريجي وترسيخ دولة أكثر مؤسسية، عبر حصر القرار الأمني والسلاح، واستمرار التفاوض بين القوى السياسية والأمنية، مع بقاء خطر التوتر قائماً إذا تحولت الخلافات إلى صدامات.

محلل: العراق بين ترسيخ الاستقرار وخطر عودة التوتر
السبت 12 يلول, 2026   05:30
مركز الأخبار

يمر العراق بمرحلة سياسية وأمنية حساسة، تتزامن فيها تحديات داخلية مع متغيرات إقليمية، في وقت يبرز فيه ملف حصر السلاح ومستقبل الفصائل والقوات العسكرية العراقية، ومدى قدرة المؤسسات العراقية على تثبيت قرار أمني وسياسي موحد.

العراق إلى أين؟ دولة موحدة القرار أم استمرار تعدد مراكز القوة؟

وفي هذا السياق، تحدثت لوكالتنا الباحث والمحلل السياسي والقيادي في ائتلاف دولة القانون الدكتور صلاح بوشي، عن واقع العراق السياسي والأمني، ومستقبل القوى المسلحة، وإمكانية توحيد القرار الأمني، وانعكاسات الصراع الإيراني – الأميركي على القرار العراقي، فضلاً عن مستقبل العلاقة بين بغداد وهولير والسيناريوهات المحتملة خلال العامين المقبلين.

مرحلة حساسة دون انسداد سياسي أو أمني

وصف بوشي الوضع السياسي والأمني في العراق بأنه يمر بـ "مرحلة سياسية وأمنية حساسة"، لكنه أكد أن ذلك "لا يعني بالضرورة حالة انسداد أو عدم استقرار".

وأوضح أن العراق يواجه "تحديات داخلية وإقليمية متزامنة"، إلا أن "مؤسسات الدولة ما زالت الإطار القادر على إدارة هذه التحديات".

وأشار إلى أن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل في "الحفاظ على الاستقرار وتعزيز سلطة القانون ومنع انتقال الصراعات الإقليمية إلى الداخل العراقي".

إرادة معلنة لحصر السلاح بيد الدولة

وحول وجود إرادة فعلية لحصر السلاح بيد الدولة، أكد بوشي أن هناك "إرادة سياسية معلنة بهذا الاتجاه"، مشدداً على أن هذه القضية "ليست حزبية أو ظرفية"، وإنما ترتبط بـ "مبدأ دستوري يتمثل في وحدة القرار الأمني وسيادة الدولة".

لكنه أشار إلى أن تحويل هذه الإرادة السياسية إلى واقع عملي "يحتاج إلى حوار مسؤول وآليات واضحة وتدرج قانوني ومؤسسي بعيداً عن أي إجراءات قد تؤدي إلى صدام داخلي".

مستقبل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة

وفي ما يتعلق بمستقبل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، شدد بوشي على ضرورة "التفريق بين مؤسسة الحشد الشعبي بوصفها جزءاً من المنظومة الأمنية وفق القانون، وبين أي نشاط مسلح أو قرار أمني يجري خارج إطار الدولة".

وقال إن "مستقبل أي تشكيل أمني يجب أن يكون مرتبطاً بالقانون وبسلسلة القيادة الرسمية"، مؤكداً أن "قرار استخدام القوة حصراً من اختصاص مؤسسات الدولة الدستورية".

دمج القوى المسلحة يحتاج إلى معالجة دقيقة

وعن إمكانية دمج جميع القوى المسلحة في مؤسسات الدولة، قال بوشي إن "المبدأ الأساسي هو إخضاع القوة المسلحة للقانون والدولة"، لكنه رأى أن مفهوم "الدمج" يحتاج إلى معالجة دقيقة.

وأوضح أن الأمر "لا يتعلق بمجرد نقل أفراد من تشكيل إلى مؤسسة، وإنما بتوحيد العقيدة المهنية وسلسلة القيادة والانضباط والقرار الأمني".

وأضاف أن "ما يستوفي الشروط القانونية والمهنية يمكن تنظيم وضعه ضمن مؤسسات الدولة وفق القانون"، في حين أن "السلاح والقرار خارج مؤسسات الدولة لا يمكن أن يكونا بديلاً عن الدولة".

تحديات بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة

وعن أبرز العقبات التي تواجه بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة، قال بوشي إن "العقبات ليست عسكرية فقط"، بل هناك "تراكمات سياسية وأمنية منذ سنوات"، فضلاً عن "التداخل بين البعدين الأمني والسياسي وتأثير البيئة الإقليمية".

وأكد أن بناء مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة "يتطلب اتفاقاً سياسياً على أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مؤسسات وطنية لا تخضع للتنافس الحزبي"، إلى جانب "تعزيز المهنية والقيادة والتدريب والمساءلة".

الصراع الإيراني – الأميركي والقرار العراقي

وعن تأثير الصراع الإيراني – الأميركي على القرار العراقي، قال بوشي إن العراق "يتأثر بطبيعة الحال بالتوترات الإقليمية بحكم موقعه وعلاقاته المتعددة".

لكنه شدد على أن "المصلحة العراقية تقتضي ألا يتحول العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين"، مؤكداً أن المطلوب هو "قرار عراقي مستقل يحافظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف ويضع أمن العراق وسيادته فوق أي اصطفاف إقليمي".

بغداد وهولير.. تفاهمات مستدامة

وبشأن مستقبل العلاقة بين بغداد وهولير، رأى بوشي أن العلاقة "تحتاج إلى الانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء تفاهمات مستدامة"، لا سيما في "الملفات الدستورية والمالية والنفطية والأمنية".

وأشار إلى وجود "مصالح مشتركة كبيرة بين الطرفين"، معتبراً أنه "ينبغي معالجة أي خلاف داخل المؤسسات الدستورية ومن خلال الحوار السياسي".

وأكد أن "استقرار العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم يمثل جزءاً أساسياً من استقرار العراق".

استقرار أم مرحلة جديدة من التوتر؟

وحول ما إذا كان العراق يتجه نحو مرحلة من الاستقرار أو مرحلة جديدة من التوتر، قال بوشي: "أرى أن الاحتمالين قائمين، وأن النتيجة ستعتمد على كيفية إدارة المرحلة المقبلة".

وأوضح أن "العراق يمتلك فرصة حقيقية لتثبيت الاستقرار إذا جرى تغليب الحوار والمؤسسات والقانون"، لكنه حذر من أن "أي تصعيد داخلي أو محاولة لفرض الحلول بالقوة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج التوتر".

وشدد على أن "المسؤولية تقع على عاتق جميع القوى السياسية وليس على طرف واحد".

استمرار التفاوض السيناريو الأكثر ترجيحاً

وفي تقديره للسيناريو الأكثر ترجيحاً للعراق خلال العامين المقبلين، قال بوشي إن "السيناريو الأكثر ترجيحاً في تقديري هو استمرار مسار التفاوض وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والأمنية مع العمل على تثبيت القرار الأمني داخل مؤسسات الدولة".

وأشار إلى أنه "لا يتوقع حلاً فورياً لجميع الملفات"، لكنه أكد أن "العراق قادر على الانتقال تدريجياً نحو دولة أكثر مؤسسية إذا حافظت القوى السياسية على التفاهم وتجنبت تحويل الخلافات السياسية إلى صدام".

وختم الباحث والمحلل السياسي والقيادي في ائتلاف دولة القانون الدكتور صلاح بوشي، بالتأكيد على أن "العراق لا يحتاج إلى انتصار طرف على طرف بل إلى انتصار الدولة على حالة الانقسام"، مشدداً على أن "قوة العراق تكمن في مؤسساته، واستقلال قراره وقدرته على بناء علاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي".

(أم)

ANHA