التعليم باللغة الكردية في سوريا بين مطالب الطلبة وتجارب التعدد اللغوي عالمياً

تنسجم المطالب بتوسيع التعليم باللغة الكردية مع مبادئ التعليم متعدد اللغات التي تؤكدها اليونسكو، ومع تجارب دولية تتيح للغات المحلية والإقليمية حضوراً في المدارس إلى جانب اللغات الرسمية، بما يضمن حق المتعلم في لغته الأم ويدعم جودة التعليم والتنوع اللغوي والثقافي.

التعليم باللغة الكردية في سوريا بين مطالب الطلبة وتجارب التعدد اللغوي عالمياً
السبت 12 يلول, 2026   07:04
مركز الاخبار

تتواصل في المناطق الكردية بسوريا احتجاجات طلابية وأهلية تطالب بتوسيع نطاق التعليم باللغة الكردية، وعدم حصرها بثلاث حصص أسبوعياً، وذلك عقب قرار وزارة التربية والتعليم في الحكومة الانتقالية السورية الصادر في 27 آب.

وأتاح هذا القرار تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، وإدراجها ضمن المناهج واحتساب علامتها في المجموع النهائي، إلى جانب العربية والإنكليزية.

وتشمل المطالب الحالية ضمان استمرار التعليم باللغة الأم وتوسيع استخدام الكردية في المواد الدراسية، وصولاً إلى نموذج تعليمي ثنائي اللغة يحافظ في الوقت ذاته على تعليم اللغات الأخرى.

وتستند هذه التحركات إلى اعتبار اللغة جزءاً من عملية التعلم والاندماج والحفاظ على التنوع الثقافي، فيما تشير تجارب دولية إلى أن إتاحة التعليم باللغة الأم إلى جانب اللغات الأخرى يمكن أن تسهم في تحسين الفهم والمشاركة والتحصيل الدراسي، وتعزيز حضور اللغات المحلية واستمرارها بين الأجيال.

التعليم باللغة الأم

وتضع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" التعليم متعدد اللغات ضمن السياسات التعليمية المرتبطة بالتنوع اللغوي، وتؤكد أهمية الاعتراف بلغة المتعلم وإدماجها في العملية التعليمية.

وتنص المادة الخامسة من اتفاقية اليونسكو لمناهضة التمييز في التعليم لعام 1960 على الاعتراف بحق أفراد الأقليات القومية في ممارسة أنشطتهم التعليمية، بما في ذلك "استخدام لغتهم أو تعليمها"، مع مراعاة السياسة التعليمية للدولة وحق المتعلمين في اكتساب لغة المجتمع ككل.

وتؤكد اليونسكو في إرشاداتها العالمية الحديثة بشأن التعليم متعدد اللغات أن إتاحة التعليم باللغات التي يفهمها المتعلمون، لا سيما اللغة الأم، يمكن أن تسهم في تحسين التعلم وتعزيز الشمول والمشاركة، إلى جانب الحفاظ على التنوع اللغوي والثقافي.

كما تشير المنظمة إلى أن التعليم القائم على اللغة الأم، خصوصاً في المراحل الأولى، يساعد المتعلمين على الاستفادة بصورة أفضل من العملية التعليمية، ويتيح الانتقال بصورة أكثر فاعلية إلى تعلم لغات أخرى.

وتعرض اليونسكو في هذا السياق، نماذج دولية اعتمدت التعليم متعدد اللغات أو التعليم القائم على اللغة الأم ضمن أنظمتها التعليمية، من بينها نيبال والفلبين، حيث أُدخلت لغات المتعلمين في العملية التعليمية إلى جانب اللغات الأخرى.

وتنسجم هذه التوجهات مع مبدأ أن تعدد اللغات داخل المجتمع يمكن أن ينعكس على التعليم من خلال الجمع بين الحفاظ على اللغة الأم واكتساب اللغات اللازمة للتعليم والحياة العامة.

نماذج دولية للتعليم متعدد اللغات

وتختلف النماذج المعتمدة من دولة إلى أخرى بحسب تركيبها السكاني والدستوري والإداري، إلا أن عدداً من الدول يعتمد أكثر من لغة في التعليم، إما على المستوى الوطني أو وفق المناطق.

في سويسرا، تضم البلاد أربع لغات وطنية هي الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية، ويجري تنظيم استخدام اللغات وفق النظام الفيدرالي والكانتونات، إذ توجد في المناطق الناطقة بالرومانشية، مدارس تعتمد الرومانشية لغة أساسية للتعليم في السنوات الأولى، مع الانتقال إلى الألمانية في مراحل لاحقة أو اعتماد نماذج ثنائية اللغة.

ويتيح هذا النظام استمرار حضور اللغات المحلية داخل التعليم إلى جانب اللغات المستخدمة على نطاق أوسع.

وفي بلجيكا، يعتمد النظام التعليمي على التقسيم اللغوي للبلاد، حيث ترتبط المؤسسات التعليمية بالمجتمعات اللغوية الفلامانية والفرنسية والألمانية، وتُستخدم لغة كل مجتمع في التعليم والإدارة الثقافية، فيما تحظى اللغات الثلاث باعتراف رسمي.

أما إسبانيا، فإلى جانب الإسبانية بوصفها اللغة الرسمية للدولة، تتمتع الكتالونية والباسكية والغاليثية بمكانة رسمية في مناطقها، وتستخدم هذه اللغات في التعليم والإدارة والحياة العامة، وفق النظام القانوني لكل إقليم.

وفي كندا، تعدّ الإنكليزية والفرنسية لغتين رسميتين على المستوى الاتحادي، بينما تتمتع الفرنسية بحضور واسع في التعليم والإدارة والحياة العامة في مقاطعة كيبيك، إلى جانب وجود نظم وبرامج تعليمية بلغات أخرى في مناطق مختلفة.

وتتبنّى جنوب أفريقيا نظاماً يعترف بـ 11 لغة رسمية، ويقر بحقوق لغوية متعددة في التعليم والحياة العامة، مع تطبيق نماذج تعليمية متعددة اللغات تختلف بحسب المراحل والمناطق.

وفي العراق، تعدّ العربية والكردية لغتان رسميتان على المستوى الاتحادي، وتستخدم حكومة إقليم كردستان الفيدرالي اللغة الكردية على نطاق واسع في التعليم والإدارة والمؤسسات العامة إلى جانب العربية واللغات الأجنبية.

وتظهر هذه التجارب أن الاعتراف بتعدد اللغات لا يأخذ نموذجاً واحداً؛ فقد يكون عبر لغات رسمية على مستوى الدولة، أو عبر لغات إقليمية في مناطق محددة، أو من خلال نظام تعليمي ثنائي ومتعدد اللغات.

التعدد اللغوي والتعليم والمجتمع

وتشير تقارير منظمات أممية إلى أن استخدام لغة المتعلم في التعليم لا يقتصر أثره على تعلم اللغة نفسها، بل يمكن أن ينعكس على مستوى الفهم والتعلم.

وتوضح اليونسكو أن الأطفال الذين يتلقون التعليم القائم على لغتهم الأم يمكن أن يستفيدوا بصورة أكبر من العملية التعليمية، كما تشير إلى أن هذا النوع من التعليم يفيد بصورة خاصة بعض الفئات التي قد تواجه صعوبة أكبر في الانتقال المبكر إلى لغة تعليم لا تستخدمها في المنزل.

كما تربط المنظمة بين التعليم متعدد اللغات وبين تعزيز الشمول والمشاركة ونقل المعرفة بين الأجيال، معتبرة أن الاعتراف باللغات الموجودة في المجتمع يمكن أن يكون جزءاً من بناء نظم تعليمية أكثر قدرة على التعامل مع التنوع.

وفي السياق السوري، يطرح النقاش الحالي سؤالاً يتعلق بكيفية تنظيم التعليم في مجتمع متعدد اللغات، بحيث يحافظ الطلبة على لغتهم الأم، وفي الوقت نفسه يتعلمون العربية والإنكليزية وغيرها من اللغات التي يحتاجونها في التعليم العالي والحياة العامة.

وتتضمن مطالب المعلمين والطلبة في المناطق الكردية اعتماد نموذج يتيح الانتقال تدريجياً من تدريس اللغة الكردية كمادة دراسية إلى استخدامها لغةً للتعليم، مع استمرار تعليم العربية واللغات الأخرى، وهو ما ورد ضمن المطالب التي قدمها معلمون ومعلمات خلال وقفات احتجاجية مستمرة.

وبينما تستمر الاحتجاجات والمطالبات بتعديل القرار، تبرز أمام العملية التعليمية في سوريا الجديدة تجارب دولية متعددة في تنظيم التعليم ضمن مجتمعات تتعايش فيها أكثر من لغة، من التعليم ثنائي اللغة إلى النماذج التي تمنح اللغات المحلية مكانة رسمية أو إقليمية في المدارس والمؤسسات.

وتبقى كيفية تنظيم هذا التنوع اللغوي في سوريا مرتبطة بالسياسات التعليمية والتشريعات وآليات تنفيذها، وبقدرة النظام التعليمي على ضمان تعلم اللغة الأم إلى جانب إتقان العربية واللغات الأخرى، بما يتيح للطلبة مواصلة تعليمهم والحفاظ على تنوع المجتمع اللغوي.

(أم)

ANHA