تفاقم الأزمات المعيشية والخدمية وارتفاع الأسعار في الحسكة

تتفاقم الأزمات المعيشية والخدمية في محافظة الحسكة، في ظل تدهور عدد من القطاعات وارتفاع أسعار الخبز والنقل والمحروقات والكهرباء، بالتزامن مع استمرار أزمة استبدال العملة وتأخر صرف مستحقات المزارعين. فيما يرى مواطنون أن القرارات والإجراءات الحكومية الأخيرة انعكست بشكل مباشر على أوضاعهم المعيشية، وزادت من الأعباء الاقتصادية التي يواجهونها في حياتهم اليومية.

تفاقم الأزمات المعيشية والخدمية وارتفاع الأسعار في الحسكة
السبت 5 يلول, 2026   05:03
قامشلو
محمد نوري علو

تشهد محافظة الحسكة أزمات متلاحقة في عدد من القطاعات الخدمية، وسط شكاوى من ارتفاع أسعار الخبز والنقل والمحروقات والكهرباء، إلى جانب أزمة العملة الجديدة وعدم صرف مستحقات المزارعين.

وتأتي هذه الأزمات بالتزامن مع استلام الحكومة الانتقالية إدارة قطاع الطاقة والمحروقات، بعدما كانت الإدارة الذاتية تدير هذه القطاعات عبر مؤسساتها الخدمية خلال السنوات الماضية.

وترافقت هذه المرحلة مع وصول عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، وإعلان الأولى انتهاء مهامها كقوة عسكرية مستقلة وانضمامها للجيش السوري، إلى مراحلها النهائية.

وكانت الإدارة الذاتية تدير خلال السنوات الماضية عدداً من القطاعات الخدمية، من بينها توزيع المازوت بسعر مدعوم، والخبز، والنقل، واستلام محصول القمح، وتشغيل المولدات، إلى جانب مؤسسات خدمية أخرى، ضمن آلياتها الخاصة في إدارة المنطقة وتنظيم توزيع الموارد والثروة على المواطنين.

ومع انتقال إدارة هذه القطاعات إلى الحكومة الانتقالية، برزت أزمات مرتبطة بالأسعار وآليات التوزيع وتوفر المواد، في وقت يقول فيه مواطنون إن الأجور لم تشهد زيادة تتناسب مع الارتفاعات التي طرأت على أسعار الخدمات والمواد الأساسية.

وبحسب المعطيات التي رصدتها وكالتنا خلال الفترة الماضية، طالت الارتفاعات أبرز المستلزمات والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والخبز والمحروقات، بعدما كانت تقدم في ظل الإدارة الذاتية بأسعار مدعومة أو رمزية، وفق ما يقوله مواطنون ومتابعون للشأن الخدمي في المحافظة.

الخبز.. أزمة مرتبطة بالعملة الجديدة

وتأتي أزمة الخبز والطحين في مقدمة الأزمات التي يعاني منها المواطنون في محافظة الحسكة، بعد أزمة العملة الجديدة، وما رافقها من صعوبات في تداول العملة القديمة وعدم ضخ الجديدة منها في الأسواق.

وشهدت الأيام الأخيرة توقف عدد من الأفران عن العمل، نتيجة امتناع إدارة المطاحن عن بيع الطحين بالعملة السورية القديمة، واقتصار عملية البيع على العملة السورية الجديدة أو من خلال نظام "شام كاش".

وعلى الرغم من عقد عدة اجتماعات في كل من الحسكة ودمشق لبحث الأزمة، فإن هذه الاجتماعات انتهت، من دون التوصل إلى حل ينهي المشكلة.

علاوة على ذلك، كانت الأفران تحصل سابقاً على المازوت بسعر مدعوم، ولكن في ظل انتقال إدارة قطاع الطاقة إلى الحكومة الانتقالية، جرى رفع الدعم وبات أصحاب الأفران يشترون المازوت بشكل حر ويبلغ سعر اللتر منه 12100 ليرة سورية قديمة.

وفي ظل استمرار الأزمة، صدر قرار برفع سعر ربطة الخبز من 3500 إلى 4500 ليرة سورية، ما انعكس بشكل مباشر على المواطنين.

ويقول أصحاب الأفران إنهم تكبدوا بدورهم خسائر نتيجة اضطرارهم إلى تبديل العملة السورية القديمة بالجديدة لدى أصحاب مكاتب الصرافة، حيث يخسرون نحو 80 ألف ليرة سورية عن كل مليون ليرة سورية عند عملية التبديل.

إلا أن الخاسر الأكبر، بحسب ما يقوله المواطنون، هو المواطن الذي يضطر إلى تحمّل الزيادة في سعر ربطة الخبز، والتي تجاوزت 30 في المئة من قيمتها السابقة.

النقل بين ارتفاع سعر المحروقات وغياب التسعيرة المستقرة

ولم تقتصر تداعيات وقف دعم المحروقات، على قطاع الأفران، بل امتدت إلى قطاع النقل، الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في أسعاره بعد انقطاع الدعم الخدمي لمادة المازوت.

وفي هذا السياق، يقول طلال حسين، مسؤول الكراج السياحي بمدينة قامشلو، إنهم لا يستطيعون التحكم بأسعار النقل، كون السائقين يشترون المازوت من محطات الوقود الخاصة، بالتزامن مع غياب الرقابة وتوحيد أسعار بيع المازوت بين المحطات.

ويضيف حسين أن القرارات الحكومية المتكررة، إلى جانب الانقطاع المستمر للمازوت في المحافظة، جعلا عملية ضبط أسعار النقل أمراً صعباً بالنسبة لأصحاب الفوكسات.

ويشير إلى أن سعر النقل من قامشلو إلى عامودا كان يبلغ 8000 ليرة سورية في ظل الإدارة الذاتية، بينما ارتفع بعد استلام الحكومة الانتقالية إلى 20 ألف ليرة سورية، موضحاً أن أصحاب الفوكسات لا يستطيعون في كثير من الأحيان التحكم بالأسعار بسبب التغير الكبير في أسعار المحروقات وارتفاعها المتكرر خلال الفترة الماضية.

النقل داخل المدن.. من 200 إلى 5000 ليرة

كما شهدت أجور النقل داخل مدينة قامشلو بدورها ارتفاعات متتالية خلال السنوات الماضية.

ويشير عدد من السائقين، في حديثهم لوكالتنا، إلى أن انقطاع الدعم الخدمي لمادة المازوت شكّل أزمة كبيرة بالنسبة لهم وللمواطنين على حد سواء.

ويقول السائقون إنه في عام 2022 كانت أجور النقل على خطوط الهلالية والطي والحزام والكورنيش وغيرها تبلغ 200 ليرة سورية، قبل أن ترتفع تباعاً إلى 500 ثم 1000 و2000 ليرة، وصولاً إلى 5000 ليرة بعد اكتمال اندماج مؤسسة المحروقات مع وزارة الطاقة في الحكومة الانتقالية.

ويضيف السائقون أن الإدارة الذاتية كانت تقدم لتر المازوت لهم بسعر 525 ليرة سورية، بينما يبلغ اليوم، 13300 ليرة سورية بالعملة القديمة، 121 ليرة سورية بالعملة الجديدة.

ويربط السائقون هذه الارتفاعات بشكل مباشر بارتفاع أسعار المحروقات وتغيّر آلية الحصول عليها، مؤكدين أن ذلك انعكس على تكاليف النقل وعلى المواطنين الذين يعتمدون عليه بشكل يومي.

أزمة العملة الجديدة.. عبء إضافي على المواطنين

وإلى جانب أزمات الخبز والمحروقات والنقل، تواجه محافظة الحسكة أزمة أخرى مرتبطة بعملية استبدال العملة السورية القديمة بالعملة الجديدة.

ويرى مواطنون أن آلية استبدال العملة المتبعة حالياً أدت إلى صعوبات كبيرة، لا سيما مع اقتصار مراكز الاستبدال، على مركز واحد في قامشلو وآخر في الحسكة، الأمر الذي تسبب في ازدحام وصعوبة لدى المواطنين الراغبين في استبدال أموالهم.

كما يشير المواطنون إلى عدم توفر كميات كافية من العملة الجديدة في هذه المراكز، إلى جانب الاعتماد على نظام "شام كاش" في عدد من المعاملات، الأمر الذي يضيف أعباء وتكاليف جديدة على المواطنين.

ويرى الأهالي أن المحافظة تعاني من تداعيات متكررة للسياسات الاقتصادية والخدمية التي تتخذها الحكومة الانتقالية، وأن آلية استبدال العملة الحالية جاءت لتضيف عبئاً جديداً إلى الأزمات المعيشية القائمة.

الكهرباء.. أزمة أخرى في المحافظة

ويواجه قطاع الكهرباء في محافظة الحسكة بدوره أزمة مستمرة، حيث يعتمد السكان بشكل أساسي على المولدات الخاصة لتأمين احتياجاتهم من الكهرباء.

ومع انقطاع الدعم الخدمي لمادة المازوت بعد انتقال إدارة مصادر الطاقة في مناطق الجزيرة إلى الحكومة الانتقالية، انعكس ارتفاع سعر المحروقات على كلفة تشغيل المولدات الخاصة، وبالتالي على أسعار الأمبيرات التي يدفعها المواطنون.

ويشير أحد المواطنين لوكالتنا إلى أن سعر الأمبير الواحد في ظل إدارة الإدارة الذاتية كان يبلغ 15 ألف ليرة سورية (قديمة) أي نحو دولار. فيما ارتفع سعر الأمبير بعد انقطاع الدعم الخدمي لمادة المازوت إلى نحو 10 دولارات للأمبير وفق آخر قرار صدر عن مديرية المحروقات في مدينة قامشلو.

وتبقى أزمة الكهرباء مرتبطة بشكل مباشر بأزمة المحروقات، إذ يعتمد تشغيل معظم المولدات الخاصة على المازوت، ما يجعل أي ارتفاع أو نقص في المادة ينعكس سريعاً على تكلفة الكهرباء التي يتحملها المواطن.

القمح.. أسعار أقل ومستحقات لم تُدفع

ولم تتوقف تداعيات المرحلة الجديدة عند القطاعات الخدمية، بل امتدت إلى القطاع الزراعي، لا سيما محصول القمح الذي يمثل أحد أبرز المحاصيل في محافظة الحسكة.

وحددت الحكومة الانتقالية سعر شراء طن القمح بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة، وسط اعتراضات واسعة من الفلاحين الذين اعتبروا أن السعر المحدد لا يغطي تكاليف الإنتاج المرتفعة.

وفي المقابل، كان سعر طن القمح خلال الموسم الماضي، يبلغ 420 دولاراً للطن، إلى جانب توفير المازوت الزراعي بأسعار مدعومة.

ويرى المزارعون أن الفارق بين الأسعار خلال هذين العامين، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، جعل زراعة القمح أكثر صعوبة بالنسبة لهم، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات الزراعة.

ولا تقتصر شكوى المزارعين على انخفاض سعر الشراء، إذ يقولون إن الحكومة الانتقالية لم تدفع لهم حتى الآن، مستحقاتهم المالية، ما يزيد من أعبائهم ويتركهم أمام التزامات مالية مرتبطة بالموسم الزراعي.

أزمات متراكمة وأسئلة حول آلية الإدارة الجديدة

وتكشف الأزمات المتزامنة، في الخبز والمحروقات والنقل والكهرباء والعملة والقطاع الزراعي، عن حجم التحديات التي تواجه محافظة الحسكة خلال المرحلة الحالية، في وقت انتقلت فيه إدارة القطاعات الأساسية من مؤسسات الإدارة الذاتية إلى الحكومة الانتقالية.

ويرى المواطنون أن طريقة تطبيق القرارات الحكومية الأخيرة ساهمت في تفاقم الأزمات في المنطقة، خصوصاً مع غياب حلول سريعة لمشكلات الخبز والمازوت والعملات وأجور النقل.

ويطالب الأهالي بأن تراعي القرارات والإجراءات الحكومية خصوصية الظروف الاقتصادية والخدمية في المحافظة، وأن تضمن استمرار الخدمات الأساسية بأسعار تتناسب مع قدرة المواطنين الشرائية، بالتوازي مع تأمين حقوق العاملين والمزارعين ودفع مستحقاتهم.

وفي ظل استمرار هذه الأزمات، يبقى السؤال المطروح لدى الأهالي حول طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الحكومة الانتقالية على معالجة الملفات الخدمية والاقتصادية المتراكمة، بدلاً من انتقال الأزمات من قطاع إلى آخر، وما إذا كانت الإجراءات الجديدة ستؤدي إلى تحسين واقع الخدمات أم إلى مزيد من الأعباء على سكان المحافظة.

(ح)

ANHA