الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2

تراكمت لدى الكرد السوريين، على مدى عقود، قضايا تتعلق بالهوية والمواطنة والمساواة، نتيجة سياسات شملت الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي وسياسات التعريب وفرض القيود على اللغة والثقافة، وصولاً إلى التضييق السياسي والاعتقالات. ومع انطلاق الثورة عام 2011، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، برز خلالها الكرد طرفاً فاعلاً في مسار الأحداث.

الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 2
الثلاثاء 1 يلول, 2026   02:30
قامشلو
برفين روج

الكرد في سوريا.. من سياسات الإنكار والتمييز إلى لحظة الثورة

مع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر عام 1958، دخلت العلاقة بين الدولة والهوية الكردية مرحلة جديدة، في ظل تصاعد الخطاب القومي العربي وتراجع مساحة التعبير عن الخصوصيات القومية والثقافية. وبعد الانفصال عام 1961، اتخذت سياسات الدولة تجاه الكرد طابعاً أكثر وضوحاً، وصولاً إلى الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962، ثم وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، وما رافق ذلك من إجراءات استهدفت الهوية والحقوق المدنية والثقافية للكرد، فيما استمرت آثار تلك السياسات خلال عهدي حافظ الأسد وبشار الأسد حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011.

من الوحدة إلى الإحصاء الاستثنائي

لم تبدأ القضية الكردية في سوريا مع الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، إذ كانت مسألة الاعتراف بالخصوصية الكردية وحقوقها الثقافية والسياسية مطروحة قبل ذلك، إلا أن تلك العملية شكلت نقطة مفصلية في تاريخ الكرد السوريين، بسبب آثارها المباشرة والممتدة على وضعهم القانوني والمدني.

وجاء الإحصاء بعد فترة الوحدة بين سوريا ومصر، التي قامت عام 1958 واستمرت حتى عام 1961، وفي سياق تصاعد التيارات القومية العربية وسياسات الدولة التي نظرت إلى المسألة الكردية من زاوية الحفاظ على الطابع العربي للدولة.

وبعد الانفصال، صدر المرسوم رقم 93 لعام 1962، ونُفذ الإحصاء في محافظة الحسكة في يوم واحد، وطُلب من السكان إثبات إقامتهم في سوريا منذ عام 1945 على الأقل حتى يحتفظوا بالجنسية السورية.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن قصر العملية على يوم واحد وعدم توفير معلومات ووقت كافيين للسكان ساهما في نتائج واسعة النطاق مست الجنسية والوضع القانوني للكرد.

وأسفرت العملية عن تجريد عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية. وتقدر مصادر حقوقية عدد من فقدوا الجنسية بنحو 120 ألف شخص في حينه، بينما ارتفعت التقديرات اللاحقة لعدد المحرومين من الجنسية وذريتهم مع مرور العقود، نتيجة انتقال آثار انعدام الجنسية إلى الأجيال اللاحقة.

وأنتج الإحصاء فئتين رئيستين من الكرد المحرومين من الجنسية: الأجانب (أجانب الحسكة)، وهم الذين سُجلوا في سجلات خاصة، ومكتومو القيد الذين لم تكن لديهم صفة قانونية معترف بها في سجلات الدولة. ولم يكن أثر ذلك مقتصراً على الوثائق الشخصية، بل امتد إلى التملك والعمل والسفر والإرث وتسجيل الزواج والعديد من الحقوق والخدمات المدنية.

الدولة القوية لا تبنى بإنكار الهوية

ويرى الباحث في التاريخ والحضارة الكردية فواز عثمان أن تهميش الكرد خلال العقود الماضية كان أحد الأخطاء التي أضعفت مفهوم المواطنة في سوريا.

ويقول عثمان: "الدولة القوية لا تبنى بإنكار هوية جزء من مواطنيها، وإنما بالاعتراف بالتنوع وتحويله إلى مصدر القوة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الإحصاء الاستثنائي التي جرت في محافظة الحسكة في الخامس من تشرين الأول عام 1962".

ويؤكد عثمان أن المشكلة لم تكن مجرد بطاقة شخصية أو وثيقة رسمية، لأن الحرمان من الجنسية انعكس على جوانب متعددة من حياة الكرد، من التعليم والعمل والتملك والسفر، وصولاً إلى الحقوق المدنية أخرى، معتبراً أن معالجة هذه القضية في سوريا الجديدة يجب أن تكون معالجة قانونية نهائية وشاملة.

ويشير إلى أن الإحصاء أدى إلى تجريد أعداد كبيرة من الكرد من الجنسية السورية، وظهور فئتي "الأجانب والمكتومين القيد"، ومع انتقال المشكلة إلى الأبناء والأحفاد اتسع عدد المتضررين بصورة كبيرة، مع وجود تقديرات تراكمية مختلفة لأعدادهم تجاوزت نصف مليون.

ويقول: "يتوجب إعادة الجنسية لكل من حرم منها بسبب الإحصاء الاستثنائي وتسوية أوضاع مكتومي القيد وأبنائهم، ومعالجة الآثار القانونية والمدنية التي ترتبت على الحرمان وفق مبدأ المواطنة المتساوية. الأهم أن نعترف أن معالجة هذه القضية ليست منة تقدم للكرد وإنما تصحيح لخطأ تاريخي وبناء لأساس سليم للمواطنة السورية".

من الإحصاء إلى سياسات التعريب

ومع وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة عام 1963، استمرت السياسات التي حدّت من الاعتراف بالهوية الكردية، في إطار مشروع قومي عربي أوسع. وفرض هذا الحزب القيود على استخدام التحدث باللغة الكردية في المدارس والمجال العام، ومنع كل شيء مكتوب باللغة الكردية، وقام بالتضييق على أشكال التعبير عن الهوية الكردية.

وفي هذا السياق، لم يعد الحرمان من الجنسية القضية الوحيدة التي تواجه المجتمع الكردي في سوريا، بل تداخلت معه سياسات أخرى مست اللغة والثقافة والتعليم والملكية والحركة السكانية والحضور السياسي.

كما طالت عملية التعريب أسماء مئات القرى والبلدات والمدن الكردية، في الجزيرة وكوباني وعفرين، حيث استُبدلت الأسماء الكردية بأسماء عربية في السجلات الرسمية. ووثقت العديد من التقارير الحقوقية صدور إجراءات إدارية في سبعينيات القرن الماضي كرست هذا التغيير في عدد من المناطق.

الحزام العربي.. تغيير ديموغرافي في الجزيرة

وكان مشروع الحزام العربي أحد أبرز الإجراءات التي ارتبطت بسياسات التعريب وإعادة ترتيب التركيبة السكانية في المناطق الحدودية من محافظة الحسكة.

وتعود جذور المشروع إلى ستينيات القرن الماضي، فيما بدأ تنفيذه عملياً في سبعينياته، من خلال إنشاء قرى نموذجية وإسكان عائلات عربية فيها، ولا سيما العائلات التي غمرت أراضيها مياه سد الفرات، مع الاستيلاء على أراضٍ زراعية في المناطق الكردية الحدودية وإعادة توزيعها.

المشروع استهدف أساساً إقامة شريط سكاني على امتداد الحدود السورية – التركية المصطنعة وفق الاتفاقات الدولية، وأن السلطات بدأت في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي بإسكان آلاف العائلات العربية في عشرات القرى النموذجية. وفي عام 1975، أُعيد توطين نحو أربعة آلاف عائلة عربية في 41 قرية نموذجية داخل المنطقة الكردية، قبل أن يتوقف تنفيذ المشروع بصيغته الأساسية عام 1976، من دون إعادة الأراضي التي صودرت إلى أصحابها الكرد.

وتذكر تقديرات أخرى أن عدد القرى الكردية التي تأثرت بالمشروع بلغ نحو 335 قرية، وأن عدد المتضررين من الكرد في محافظة الحسكة تجاوز 150 ألف نسمة، وهي أرقام تختلف باختلاف المصادر وطريقة احتساب القرى والسكان المتأثرين.

ولم تقتصر آثار المشروع على نقل السكان، بل ارتبطت أيضاً بمصادرة الأراضي وتغيير طبيعة الملكية في المنطقة الحدودية، ما عمّق الشعور بالتمييز لدى المجتمع الكردي، خصوصاً أن الإجراء جاء بعد سنوات قليلة من الإحصاء الاستثنائي وما نتج عنه من حرمان آلاف الكرد من الجنسية.

تقييد اللغة والثقافة والحياة العامة

وإلى جانب الإجراءات المتعلقة بالجنسية والأرض، واجه الكرد قيوداً على ممارسة جوانب من ثقافتهم ولغتهم في الحياة العامة. فقد مُنع تدريس اللغة الكردية في المدارس الرسمية، وقُيد نشر الكتب والمطبوعات باللغة الكردية، كما تعرضت المناسبات والفعاليات المرتبطة بالهوية الكردية للمراقبة والمنع في فترات مختلفة.

وأصبح الاحتفال بعيد نوروز، على سبيل المثال، إحدى المناسبات التي شهدت مواجهات بين المشاركين وقوات الأمن.

كما استمرت القيود على النشاط السياسي والثقافي الكردي، وشملت اعتقال نشطاء ومنع تجمعات وفعاليات ثقافية، فيما واجهت الأحزاب الكردية صعوبة في العمل بصورة قانونية، واضطرت غالبية التنظيمات إلى العمل خارج إطار الترخيص الرسمي. ووثقت تقارير حقوقية حالات متكررة من اعتقال الساسة والنشطاء ومحاكمتهم على خلفية نشاطهم السياسي أو الثقافي.

الكرد في عهد حافظ الأسد

ومع استقرار حكم حافظ الأسد، استمرت السياسات التي قيدت الاعتراف بالهوية الكردية، بالتوازي مع منظومة أوسع من القمع السياسي شملت مختلف فئات المجتمع السوري.

وبالنسبة إلى الكرد، تداخل القمع العام مع سياسات خاصة مست الجنسية واللغة والثقافة والمجال السياسي، ما جعل القضية الكردية مرتبطة في الوقت نفسه بمسألة الحريات العامة وبالحقوق القومية والثقافية.

واستمرت آثار الإحصاء والحزام العربي في الحياة اليومية، في حين بقيت مشكلة مكتومي القيد والأجانب من القضايا الأساسية التي لم تجد حلاً نهائياً لعقود. كما ظل استخدام اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية الرسمية محظوراً، واستمر التضييق على أشكال التعبير عن الهوية الكردية.

وفي المقابل، ظل النشاط السياسي الكردي موجوداً، وإن كان في إطار سري أو شبه علني، مع تعرض الساسة والنشطاء للاعتقال والملاحقة. ولم يكن ذلك منفصلاً عن واقع الحياة السياسية السورية عموماً، التي كانت تخضع لقيود أمنية واسعة.

من حافظ الأسد إلى بشار الأسد

ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد عام 2000، لم يشهد الملف الكردي تحولاً جذرياً في بدايات عهده، واستمرت القيود على النشاط السياسي والثقافي الكردي، إلى جانب استمرار مشكلة مكتومي القيد.

وكانت أحداث انتقاضة قامشلو في 12 آذار 2004 واحدة من أبرز المحطات في العلاقة بين الكرد وسلطات النظام البعثي خلال هذه المرحلة. وبدأت الأحداث في 12 آذار إثر مواجهات في ملعب المدينة، ثم امتدت إلى المناطق الكردية الأخرى، وسقط خلالها نحو 36 شهيداً وعشرات الجرحى وآلاف المعتقلين الكرد على أيدي الأجهزة الأمنية.

وشكلت انتقاضة 2004 منعطفاً في الوعي السياسي الكردي، إذ دفعت قطاعات أوسع من المجتمع إلى رفع مطالبها المتعلقة بالحقوق السياسية والثقافية والاعتراف بالهوية الكردية، في وقت صعدت فيه السلطات من إجراءاتها الأمنية تجاه النشاط الكردي.

وخلال السنوات التي سبقت الثورة السورية، استمرت الاعتقالات والملاحقات بحق الساسة والنشطاء، ومنعت تجمعات وفعاليات ثقافية، كما واجه الاحتفال بنوروز إجراءات أمنية مشددة. ففي 20 آذار 2008، فتحت قوات الأمن النار على محتفلين بنوروز في قامشلو، ما أدى، لاستشهاد ثلاثة شبان وإصابة آخرين، وكذلك في نوروز مدينة الرقة عام 2010 استشهد شاب وأصيب آخرون واعتقل الكثير.

الملكية في المناطق الحدودية

وفي عام 2008 صدر مرسوم رئاسي حمل الرقم 49، وفرض قيوداً على عمليات بيع وشراء العقارات في مناطق حدودية، وهي قيود عُدّت من قبل منظمات حقوقية ذات تأثير خاص على السكان الكرد في المناطق الحدودية. وأدت هذه الإجراءات إلى احتجاجات كردية، قابلتها السلطات الأمنية بالاعتقالات والتضييق.

ومنع القرار الكرد من شراء وامتلاك الأراضي في المنطقة، ولكن شراءها وامتلاكها كان متاحاً للعرب والمسيحيين وكان الاستملاك يتطلب حصراً موافقة وزارة الدفاع عليها.

استمرار مشكلة الجنسية حتى الثورة

وبقيت قضية الجنسية واحدة من أبرز الملفات التي لم تُحل خلال العقود التي سبقت الثورة. فبحسب تقارير حقوقية، كان عدد الكرد المحرومين من الجنسية أو عديمي الجنسية قد ارتفع مع مرور الوقت بسبب انتقال آثار الحرمان إلى الأبناء، فيما ظل أفراد هذه الفئات يواجهون قيوداً على التملك والسفر والإرث والخدمات والحقوق المدنية.

ومع بداية الثورة السورية في ربيع عام 2011، حاولت السلطات احتواء جانب من المطالب الكردية، فأصدر بشار الأسد في 7 نيسان 2011 المرسوم رقم 49، الذي أتاح للمسجلين في سجلات الأجانب في محافظة الحسكة التقدم للحصول على الجنسية السورية. غير أن المرسوم لم يشمل فئة مكتومي القيد، التي بقي أفرادها خارج نطاق المعالجة القانونية التي نص عليها المرسوم.

وفي هذا الإجراء ظهر للمرة الأولى بعد عقود من الإحصاء الاستثنائي تحرك رسمي باتجاه معالجة جزء من مشكلة الجنسية، إلا أنه لم يشمل جميع المحرومين، وبالتالي لم ينهِ القضية بصورة شاملة.

من المطالبة بالحقوق إلى الثورة السورية

وعندما اندلعت الثورة في درعا في آذار 2011 وانتشرت إلى مدن ومناطق سورية أخرى، كان المجتمع الكردي يدخل الثورة وهو يحمل إرثاً ثقيلاً من قضايا الجنسية والتمييز الثقافي والسياسات المرتبطة بالأرض والهوية، إضافة إلى القمع السياسي الذي طال النشطاء والأحزاب الكردية.

وفي السنوات التي سبقت الثورة، كانت المطالب الكردية قد تطورت من المطالبة بالاعتراف الثقافي واللغوي ومعالجة مشكلة الجنسية إلى مطالب سياسية أوسع تتعلق بالمواطنة والمساواة والاعتراف بالحقوق القومية ضمن الدولة السورية.

ولذلك لم تكن مشاركة الكرد في الثورة وليدة اللحظة، بل جاءت بعد عقود من تراكم القضايا المرتبطة بالهوية والمواطنة والحريات العامة. ولكن الكرد اختاروا طريقهم في الثورة وأطلقوا ثورة 19 تموز بتحرير المنطقة من النظام البعثي ومن مرتزقة داعش بعد أن تحولت الفصائل السورية إلى خدمة أجندات القوى الإقليمية وتوجهت لمحاربة الكرد بدلاً من النظام البعثي على عكس ما كانت تدّعيه.

تهميش الكرد وإضعاف مفهوم المواطنة

ويرى فواز عثمان أن العلاقة بين الدولة والكرد خلال العقود الماضية لا يمكن فصلها عن مفهوم المواطنة، لأن حرمان جزء من السوريين من حقوقهم القانونية والثقافية والسياسية أضعف مفهوم المساواة بين المواطنين.

ويقول إن تهميش الكرد خلال العقود الماضية كان أحد الأخطاء التي أضعفت مفهوم المواطنة في سوريا، مؤكداً أن الاعتراف بحقوقهم لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه منحة، بل بوصفه تصحيحاً لمسار تاريخي.

غداً: الكرد في سوريا.. من الثورة إلى الشراكة في بناء الدولة

(ح)

ANHA