أزمة مياه دمشق تتزامن مع التوسع السكني.. هل تكفي الموارد لتلبية الطلب؟

تتزايد المخاوف من تفاقم أزمة المياه في دمشق مع استمرار التقنين، بالتزامن مع التوسع في مشاريع سكنية ضخمة خاصة تضم آلاف الوحدات، ما يثير تساؤلات حول قدرة مصادر المياه والبنية التحتية على تلبية الطلب المتزايد.

أزمة مياه دمشق تتزامن مع التوسع السكني.. هل تكفي الموارد لتلبية الطلب؟
السبت 22 آب, 2026   03:50
دمشق

بالتزامن مع استمرار تنفيذ وإطلاق مشاريع خاصة سكنية كبيرة تتضمن آلاف الوحدات ومساحات واسعة من الحدائق والمسابح المعتمدة على المياه، في وقت تواجه فيه منظومة المياه ضغوطاً مرتبطة بانخفاض غزارة بعض المصادر وارتفاع الاستهلاك خلال فصل الصيف، مخاوف سكان دمشق وريفها من تفاقم أزمة المياه.

وكانت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في دمشق وريفها قد أعلنت في 5 آب الجاري تعديل برنامج التزويد في عدد من المناطق، عازية ذلك إلى انخفاض غزارة المصادر المائية الرئيسية المغذية للعاصمة وريفها، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك.

ويشير أهالي إلى أن برنامج التزويد في بعض المناطق بات يقتصر على يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً، وسط اعتماد متزايد على صهاريج المياه لتغطية الاحتياجات المنزلية.

وفي هذا السياق، حذر أستاذ جامعي وعضو في نقابة المهندسين بمرتبة خبير، فضل عدم الكشف عن اسمه، في تصريح لوكالة أنباء هاوار، من استمرار أزمة المياه التي تتكرر سنوياً في العاصمة، مشيراً إلى أن المياه تصل إلى بعض المناطق كل يومين وأحياناً كل ثلاثة أيام، فيما تنتشر صهاريج بيع المياه في دمشق، ويصل سعر برميل المياه، إلى نحو 75 ألف ليرة قديمة.

ويربط الخبير مخاوفه بالتوسع العمراني في مشاريع سكنية ضخمة، متسائلاً عن قدرة مصادر المياه الحالية على تلبية الطلب المستقبلي مع دخول هذه المشاريع مرحلة الإشغال.

وأشار، على سبيل المثال، إلى مشروع ماروتا سيتي، الذي يضم، وفق المعلومات التي أوردها، نحو 12 ألف وحدة سكنية موزعة على 186 مبنى وبرجاً، لافتاً إلى وجود مسابح ومساحات خضراء واسعة ضمن المشروع، ومتسائلاً عن حجم الاحتياجات المائية التي ستترتب على تشغيل هذه المرافق في ظل استمرار أزمة المياه.

كما أثار الخبير تساؤلات حول اعتماد المشاريع الجديدة على مصادر المياه، وما إذا كانت خطط التوسع العمراني تترافق مع خطط موازية لتأمين موارد إضافية، مثل إنشاء محطات معالجة أو تحلية أو استجرار مياه جديدة إلى العاصمة.

وفي المقابل، لا تظهر في التصريحات الرسمية التي اطلعت عليها الوكالة معلومات تربط بصورة مباشرة بين مشروع ماروتا سيتي أو غيره من المجمعات السكنية الحالية وبين خفض حصص المياه عن أحياء دمشق. وتتركز التفسيرات الرسمية الأخيرة لأزمة التزويد على انخفاض غزارة المصادر وارتفاع الطلب والاستهلاك خلال الصيف.

مشاريع سكنية جديدة واحتياجات مائية متزايدة

ومن المشاريع التي يلفت الانتباه أيضاً، مشروع "بارك فيو" في منطقة يعفور بريف دمشق، الذي أُطلق رسمياً في آب الجاري، ويمتد على مساحة تقارب 48 ألف متر مربع، ويضم نحو 23 مبنى ونحو 400 شقة، مع تخصيص نحو 60% من المساحة للمسطحات الخضراء والخدمات، بحسب وزارة السياحة السورية.

وبحسب أحد المشرفين على المشروع، نقلت عنه وكالة أنباء هاوار، فإن إدارة المشروع تعمل على تأمين مصادرها المائية من خلال حفر آبار خاصة، إلى جانب العمل على استجرار مياه الفيجة.

ويقول المصدر إن المشروع يضم مساحات واسعة مخصصة للطبيعة والمياه، وإن احتياجاته المائية يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم أثر المجمعات الجديدة على الموارد المحلية.

وتورد المعلومات التي رصدتها الوكالة تقديراً يصل إلى أكثر من 4.5 ملايين متر مكعب يومياً لتلبية احتياجات الوحدات السكنية في المشروع.

أما مشروع "أبيات هيلز" في ضاحية قدسيا، فيمتد، بحسب المعلومات المنشورة عن المشروع، على مساحة تقارب 380 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 2000 وحدة سكنية، مع تخصيص نسبة كبيرة من المساحة للحدائق والخدمات والمرافق، الأمر الذي يفتح بدوره تساؤلات حول مصادر المياه اللازمة للسكان والمرافق الخدمية والترفيهية.

ماذا تقول الحكومة عن مواجهة أزمة المياه؟

في المقابل، تظهر البيانات الرسمية أن وزارة الطاقة ومؤسسات المياه تعمل على زيادة مصادر التزويد وتأهيل البنية التحتية القائمة، ففي دمشق وريفها تحديداً، أعلنت مؤسسة المياه خلال النصف الأول من العام تنفيذ 9113 إصلاحاً على خطوط مياه الشرب، وتأهيل وتمديد أكثر من 20 كيلومتراً من الشبكات، وإعادة تأهيل وتجهيز 76 بئراً وخزاناً، وصيانة وتجديد 531 مضخة، إلى جانب تنفيذ خطوط مياه معفاة من التقنين.

كما تعمل الوزارة على معالجة احتياجات المشاريع السكنية الجديدة قبل إشغالها؛ ففي اجتماع جمع وزارة الطاقة ووزارة الإسكان ومسؤولي المياه والكهرباء، جرى بحث تأمين الخدمات الأساسية لمدينة سكنية مزمع إنشاؤها في الديماس وتضم نحو 35 ألف شقة، بما في ذلك بدائل تأمين مياه الشرب وآليات معالجة مياه الصرف الصحي، على أن تكون البنية التحتية الخدمية جاهزة قبل بدء إشغال التجمع السكني.

الفيجة.. المصدر الأهم تحت ضغط التقلبات

ويظل نبع الفيجة أحد أهم مصادر مياه الشرب لدمشق وريفها، وقد شهد خلال العام الحالي تغيرات كبيرة في غزارته تبعاً للهطولات المطرية، ففي شباط ارتفعت غزارته إلى نحو 3.5 أمتار مكعبة في الثانية، بعد أن كانت بحدود 1.5 متر مكعب، فيما سجلت في آذار أكثر من 10 أمتار مكعبة في الثانية مع تحسن الهطولات.

إلا أن تحسن المورد خلال الموسم المطري لم ينهِ مشكلة التزويد بشكل نهائي؛ إذ عادت مؤسسة المياه إلى تعديل برامج التوزيع في آب الجاري مع انخفاض غزارة المصادر وارتفاع الطلب.

ويرى خبير سابق في وزارة الموارد المائية، تحدث لوكالة أنباء هاوار، أن انتشار الآبار غير المرخصة والحفر العشوائي للمياه الجوفية يزيدان من مخاطر استنزاف الموارد، مشيراً إلى تقديرات رسمية سابقة تتحدث عن وجود ما بين 140 و170 ألف بئر غير مرخص في سوريا.

كما حذر من أن استمرار موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والتقلبات المناخية، بالتزامن مع التوسع السكاني والعمراني، قد يرفع الضغط على الموارد المائية إذا لم تترافق المشاريع الجديدة مع خطط واضحة ومستدامة لتأمين المياه.

وتؤكد المعطيات المتاحة أن دمشق تواجه بالفعل تحدياً مائياً متجدداً، فما حجم التأثير الذي ستتركه المجمعات السكنية الجديدة على أزمة المياه؟

(أم)

ANHA