شكاوى في برزة والقابون من تفاوت تطبيق مخالفات البناء بين السكان والتجار

تتصاعد في مناطق من دمشق شكاوى السكان ومالكي العقارات من الإجراءات التي تتخذها محافظة دمشق بحق أبنية أقامها أصحابها على أملاكهم الخاصة، في ظل غياب مخطط تنظيمي نهائي وواضح لبعض أجزاء المنطقة، فيما يقول الأهالي إن مخالفات أكبر، بينها تمدد مكاتب وتجارة السيارات عند المدخل الشرقي للعاصمة، لا تواجه بالصرامة ذاتها.

شكاوى في برزة والقابون من تفاوت تطبيق مخالفات البناء بين السكان والتجار
شكاوى في برزة والقابون من تفاوت تطبيق مخالفات البناء بين السكان والتجار
شكاوى في برزة والقابون من تفاوت تطبيق مخالفات البناء بين السكان والتجار
شكاوى في برزة والقابون من تفاوت تطبيق مخالفات البناء بين السكان والتجار
شكاوى في برزة والقابون من تفاوت تطبيق مخالفات البناء بين السكان والتجار
الخميس 20 آب, 2026   04:38
مركز الأخبار

يقول سكان في حيي برزة والقابون إنهم عالقون منذ سنوات بين غياب مخطط تنظيمي واضح وارتفاع تكاليف السكن، في وقت تمنعهم محافظة دمشق من البناء، عقب تجدد إجراءات هدم منازل وممتلكات في الحيين.

وتقول شهادات جمعتها وكالة أنباء هاوار من سكان ووجهاء وأعضاء في لجان الأحياء إن المشكلة لا تتعلق برفض تنظيم المنطقة أو تطويرها، وإنما بما يعدّونه ازدواجية في تطبيق الإجراءات، إذ يُلاحق مواطنون محدودو الدخل بسبب إنشاء غرف أو توسعات صغيرة على أراضٍ يقولون إنها مسجلة باسمهم في السجل العقاري، بينما تستمر أنشطة تجارية ومخالفات عمرانية أكبر في المنطقة ذاتها.

ملاك يقولون إنهم عالقون بين غياب التنظيم وارتفاع الإيجارات

أحد أعضاء لجان الأحياء المشكلة من قبل محافظة دمشق في منطقة القابون، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، قال لوكاتنا إن الأهالي هم ملاك الأرض، وإن من حقهم البناء على أراضيهم طالما أنه لا يوجد مخطط تنظيمي أو حتى توجيهي نافذ يحدد بصورة واضحة مستقبل المنطقة.

وأوضح أن السكان لا يتحملون مسؤولية التأخير في إنجاز المخططات، ولا المسار الطويل الذي رافق إعدادها والاعتراضات عليها والمداولات بين الجهات المعنية، مضيفاً أن الأهالي "مع تنظيم مناطقهم وارتفاع أسعارها"، على حد تعبيره، مستشهداً بما جرى في مشاريع تنظيمية مثل ماروتا سيتي.

وأضاف أن المخالفات التي شهدتها المنطقة لم تكن موضع ارتياح لدى الأهالي، لكن الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار الإيجارات دفعا بعض الأسر إلى البناء، خصوصاً مع عجز كثير من العائلات عن تأمين غرفة لأبنائها المقبلين على الزواج أو حتى مسكن صغير لائق.

وأكد أن هذه الأبنية، بحسب الأهالي، لا تُقام على أملاك الدولة أو الأراضي المستملكة، وإنما ضمن أملاك خاصة قائمة ومسجلة أصولاً، مشيراً إلى أن المحافظة تمنع البناء بحجة عدم وجود مخطط تنظيمي، فيما قامت بـ "تشميع" عدد من المساكن وهدم بعضها، بينما يرى الأهالي أن الشروط المطلوبة منهم لتسوية أوضاعهم صعبة إلى حد التعجيز.

مخططات مؤجلة منذ سنوات

ملف التنظيم في القابون وبرزة ليس جديداً، بل يعود إلى سنوات؛ ففي القابون، كانت محافظة دمشق قد أعلنت في حزيران 2020 المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 105، وفتحت باب الاعتراضات عليه لمدة شهر، إلا أن المخطط بقي قيد الدراسة من دون صدور مرسوم تصديق نهائي.

وقال حينها مدير مديرية التخطيط والتنظيم العمراني في محافظة دمشق محمود هلال، لوسائل الإعلام أنداك إن المديرية كانت تعمل على إعداد رؤية تخطيطية جديدة للقابون، تتضمن إعادة تقييم المخطط رقم 105 وربطه بالمخططات المجاورة، ومنها القابون الصناعية وجوبر والمداخل الشمالية لدمشق.

كما أشار إلى أن القابون الصناعي يخضع لمسار مختلف؛ إذ شمله المخطط التنظيمي التفصيلي رقم 104 الذي صدق في حزيران 2019، ثم أُحدثت ضمنه منطقة تنظيمية بموجب المرسوم رقم 237 الصادر في 14 أيلول 2021، استناداً إلى القانون رقم 10 لعام 2018، مع تغيير الصفة العمرانية للمنطقة من صناعية وزراعية إلى سكنية وتجارية.

وفي كانون الثاني 2026، نقلت وسائل الإعلام عن مسؤول لجنة الارتباط مع محافظة دمشق، أحمد قويدر، إعداد مخطط هيكلي عام يضم جوبر والقابون السكني والقابون الصناعي، للوصول إلى رؤية عمرانية متكاملة للأحياء الثلاثة، مع استمرار العمل على تحديد الحدود الإدارية وإعداد مخطط وظيفي لكل حي.

وهذا التسلسل الزمني يعزز جوهر شكوى الأهالي المتعلقة بطول الفترة التي بقيت فيها المنطقة بين المخططات والدراسات والاعتراضات وإعادة النظر.

برزة.. قيود على الملكية وشكاوى من منع التصرف

أما في برزة، منذ أيلول 2024 يشتكي سكانها من وضع إشارات "منع التصرف" على عقاراتهم، الأمر الذي حال دون بيعها أو التصرف بها، لتؤكد أن العلاقة بين أصحاب العقارات في برزة والمحافظة لا تتعلق فقط بالهدم، بل تمتد أيضاً إلى القدرة على التصرف بالعقار المسجل باسم صاحبه.

أبو وائل: لماذا تُلاحق غرفة صغيرة وتُترك المخالفات الكبيرة؟

وفي شهادات الأهالي التي حصلت عليها وكالتنا، قال الرجل الستيني أبو وائل: "من يتابع تمدد البناء المخالف على مدخل العاصمة من جهة حرستا يدرك تماماً أن جميع المخالفات التي هدمت بالبراميل المتفجرة تعود تدريجياً بصورة أبشع، وصفيح من التوتياء، وعمارات تخجّل في مدخل العاصمة".

مضيفاً: "ومع ذلك لم تتدخل المحافظة لمنعهم أو منع زحف هذه المخالفات الكبيرة، بينما تلاحق أحد الفقراء قام بصب مساحة 3 أمتار كحمام إضافي لمنزله".

وتساءل أبو وائل عن سبب اختلاف تعامل محافظة دمشق مع المخالفات في منطقة جغرافية وتنظيمية واحدة، قائلاً إن المحافظة "تمنع الفقراء من البناء بحجة التنظيم، بينما تغض النظر عن مخالفات تجارية وعمرانية أخرى".

مكاتب السيارات.. نشاط تجاري أم تمدد مخالف؟

ويقول عضو لجنة الحي إن المنطقة الواقعة عند مدخل دمشق من جهة القابون شهدت انتشاراً واسعاً لمخالفات مرتبطة بتجارة السيارات، وذكر أن وجودها شوّه المدخل الشرقي للعاصمة، وأشار إلى أن غالبية التجار، وفق إفادته، جاؤوا من "إدلب".

وأضاف أن المحافظة، لم تتخذ الإجراءات التي كان الأهالي يتوقعونها لوقف هذه الأنشطة أو تنظيمها، معتبراً أن الحديث عن استثمارات مستقبلية في المنطقة يجعل مسألة تطبيق القانون موضع تساؤل لدى السكان.

وملف تجارة السيارات على مداخل دمشق ليس جديداً؛ فقد طرحت الجهات الحكومية منذ سنوات مشروع مدينة معارض السيارات في منطقة الدوير بريف دمشق، بهدف نقل نشاط تجارة السيارات إلى منطقة متخصصة.

وفي آب 2024، عقد اجتماع بحضور وزيري الأشغال العامة والإسكان والإدارة المحلية والبيئة ومحافظي دمشق وريف دمشق لمتابعة مشروع مدينة معارض السيارات في الدوير، الذي تبلغ مساحته 80 هكتاراً ويضم نحو 150 مقسماً مخصصاً للبيع، إلى جانب مبانٍ إدارية وطرق وشبكات صرف صحي ومياه شرب.

وفي نيسان 2026، قال مدير الخدمات الفنية في محافظة ريف دمشق غسان الجاسم إن أعمال ترحيل الأنقاض من أرض مدينة معارض السيارات في الدوير بلغت 25% منذ بداية العام، متوقعاً الانتهاء من الترحيل خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، قبل تسوية كامل المساحة والبدء بأعمال بناء المشروع.

المحافظة تقول إنها تواجه آلاف المخالفات

في المقابل، أعلنت محافظة دمشق خلال عام 2025 عن حملة واسعة لإزالة مخالفات البناء، وقال مدير دوائر الخدمات في محافظة دمشق عبد القادر عبد القادر في تصريحات لوسائل الإعلام في أواخر نيسان 2025، إن عدد مخالفات البناء في دمشق بلغ نحو 4200 مخالفة، تتراوح بين الصغيرة والمتوسطة والجسيمة، وإن أكثر المناطق التي تنشط فيها المخالفات هي برزة والميدان والشاغور.

كما قال إن المحافظة أزالت نحو 670 مخالفة خلال الربع الأول من عام 2025.

وبحسب المحافظة، جاءت عمليات الإزالة نتيجة توافر الدعم المادي والتقني واللوجستي، فيما تستند الإجراءات القانونية إلى القانون رقم 40 لعام 2012 المتعلق بمخالفات البناء.

كما تظهر منشورات رسمية سابقة لمحافظة دمشق أن مساكن برزة كانت ضمن المناطق التي تنفذ فيها المحافظة عمليات إزالة مخالفات؛ إذ أعلنت المحافظة في إحدى الحالات عن إزالة مخالفة عبارة عن غرفتين وملحقاتهما في مساكن برزة بعد ورود شكوى إليها.

الحكومة تراجع قانون مخالفات البناء

وفي تطور تشريعي حديث، أعلنت وزارة الإدارة المحلية والبيئة في تموز 2026 إنجاز الجداول الفنية الخاصة بتصنيف مخالفات البناء، في إطار مراجعة المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012.

وقالت الوزارة إن الجداول تهدف إلى تعزيز السلامة الإنشائية وصون المخططات التنظيمية والحد من التوسع العشوائي، وإن اللجنة المكلفة بمراجعة القانون بدأت دراسة مسودة مواد قانون جديد لتحديد المخالفات القابلة للتسوية وغير القابلة للتسوية، ومعايير الغرامات والإجراءات بصورة أكثر وضوحاً وعدالة.

وكانت الوزارة قد أعلنت في وقت سابق تشكيل لجنة لمراجعة قانون مخالفات البناء رقم 40 لعام 2012، إلى جانب لجان أخرى لمراجعة التشريعات المتعلقة بالإدارة المحلية والأنشطة الاقتصادية وإزالة أنقاض الأبنية المتضررة.

كما أعلنت الوزارة مؤخراً تطوير آلية لاستقبال الشكاوى، تشمل مخالفات البناء والتعديات العمرانية وطلبات الترخيص والإجراءات العمرانية وقضايا الملكية والاعتراضات على الغرامات والقرارات الإدارية.

لجان الأحياء: ضغوط للانحياز إلى المحافظة

وبحسب أحد أعضاء لجان الأحياء المشاركة في المفاوضات بين الأهالي ومحافظة دمشق، فإن أعضاء اللجان يتعرضون، وفق إفادته، لضغوط من أجل الظهور في وسائل الإعلام والوقوف في صف المحافظة ضد أبناء الحي، معتبراً أن بعض التصريحات يتم اجتزاؤها بما يخلق حالة من العداوة بين سكان المنطقة.

ويؤكد أعضاء في لجان الأحياء، بحسب المعلومات التي حصلت عليها وكالة انباء هاوار، أن السكان متمسكون بأملاكهم، ولا يريدون السماح بهدم ما أنشأوه فوق أراضٍ يقولون إنها مسجلة أصولاً في الطابو الأخضر.

مطلب الأهالي.. مخطط واضح بدل الهدم

ويقترح الأهالي على محافظة دمشق، وفق ما تحدث به لوكالتنا، الإسراع في إعداد المخطط التوجيهي لمنطقة برزة، وإبلاغ السكان بوضوح بأن أي بناء يتم قبل صدور المخطط سيكون على مسؤولية صاحبه في حال تعارضه لاحقاً مع المخطط، بدلاً من ترك السكان لسنوات طويلة بين دراسة المخطط التوجيهي، ثم التنظيمي، ثم المداولات بين المحافظة ووزارة الإسكان والإدارة المحلية، فالاعتراضات، وصولاً إلى التصديق.

ويقول الأهالي إن هذا المسار الطويل يضعهم أمام خيارين صعبين "دفع إيجارات مرتفعة لا يستطيع كثيرون تحملها، أو محاولة تأمين الحد الأدنى من السكن على أملاكهم الخاصة مع احتمال تعرضهم للهدم والملاحقة".

بين تطبيق القانون وحق السكن

وبينما تؤكد الحكومة أنها تعمل على تحديث قانون مخالفات البناء ووضع معايير أكثر عدالة ووضوحاً للتعامل معها، يبقى السؤال الذي يطرحه سكان برزة والقابون قائماً: هل ستُطبق قواعد التنظيم والهدم على الجميع بالمعايير ذاتها، أم سيظل المواطن محدود الدخل الحلقة الأضعف في مواجهة المخالفات العمرانية؟

(أم)

ANHA