قامشلو تكمل مئة عام على تأسيسها

في 20 آب 2026، تكمل مدينة قامشلو مئة عام على تأسيسها، مستحضرةً في مئويتها مسيرة مدينة نشأت على ضفاف نهر جقجق، وتحولت خلال قرن واحد من منطقة تغطيها نباتات القصب والأعشاب إلى مركز سكاني وتجاري وثقافي بارز في منطقة الجزيرة. وحملت المدينة أسماء متعددة ارتبطت بتاريخها ومكوناتها، فيما ترك تخطيطها العمراني، وتنوع سكانها، ومكانتها الاقتصادية والثقافية، بصمات واضحة في هويتها التي تشكلت على مدى مئة عام.

قامشلو تكمل مئة عام على تأسيسها
الأربعاء 19 آب, 2026   05:50
قامشلو
برفين روج

لم تكن مدينة قامشلو في منطقة الجزيرة، قبل عام 1926، مدينة بالمعنى العمراني والإداري المعروف اليوم، بل كانت المنطقة جزءاً من سهل ماردين، الممتد جنوب مدينة ماردين التاريخية، وتغطيها الأراضي الزراعية والأشجار والأعشاب، إلى جانب نبات القصب الذي ارتبط باسم المدينة لاحقاً.

وفي حديثه لوكالتنا عن تاريخ المدينة، قال الباحث والكاتب في التاريخ الكردي برادوست ميتاني: "مضى أكثر من 100 عام على تأسيس مدينة قامشلو. وصدر قرار إنشائها عام 1925 من قبل السلطات الفرنسية عندما كانت سوريا تحت الانتداب، وفي 20 آب 1926 دخل المشروع حيز التنفيذ وبدأ العمل الفعلي على بنائها ووضع مخططها".

كيف وُلدت المدينة من رحم المعاهدات؟

قبل عام 1926، لم تكن قامشلو موجودة ككيان حضري أو بلدة مستقلة. كانت المنطقة بأكملها تُعرف جغرافياً باسم "سهل ماردين" (ويُطلق عليها بالكردية بَريا مِرديني). شكل هذا السهل العمق الزراعي والريفي الجنوبي لمدينة ماردين التاريخية الواقعة على سفح الجبل.

جاءت نقطة التحول التاريخية مع انهيار الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى وتوقيع اتفاقية "سايكس بيكو"، وما تلاها من معاهدات دولية لرسم الحدود بين سلطة الانتداب الفرنسي في سوريا والجمهورية التركية الناشئة (خاصة معاهدة أنقرة لعام 1921).

وبموجب هذه المعاهدات، اعتُمدت سكة قطار الشرق السريع (خط برلين - بغداد) كحد فاصل وصارم بين الدولتين. وأدى هذا الترسيم إلى شطر المدن والمجتمعات التاريخية؛ حيث فُصلت مدينة نصيبين القديمة عن امتدادها وجنوبها الزراعي، وباتت تلة "البدن" الأثرية تشرف مباشرة على الخط الحدودي الجديد.

ومن هنا، ولدت الحاجة الملحّة لدى الفرنسيين لتأسيس مركز إداري وعسكري واقتصادي بديل في الجانب السوري لإدارة منطقة الجزيرة الواعدة.

ومع بدء تنفيذ المشروع عام 1926، أخذت ملامح المدينة بالظهور في المنطقة المقابلة لنصيبين، بالقرب من نهر جقجق، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة.

أسماء تختزن تاريخ المدينة

وترتبط تسمية المدينة بالقصب الذي كان منتشراً في المنطقة. ويشير الباحث برادوست ميتاني إلى أن المنطقة قبل إنشاء المدينة كانت عبارة عن تلال وأشجار وأعشاب، وكان ينمو فيها نبات القصب، موضحاً أن القصب "بالكردية والتركية يسمى "قاميش"، وبالسريانية "زالين"، لذا جرى بناء المدينة على الأرض التي كان ينمو فيها القصب فأصبحت لدى الكرد قامشلو، وفي عهد البعث تم تغيير الاسم إلى القامشلي".

وتنفرد المدينة بتعدد الأسماء المتداولة فيها؛ فالاسم الرسمي الحكومي هو "القامشلي"، بينما تُعرف بالكردية باسم "قامشلو"، وتستخدم بعض العائلات القديمة من المردلية والمحلمية تسمية "القامشلية"، في حين يُطلق عليها السريان اسم "زالين". وتكشف هذه التسميات المتعددة جانباً من التنوع اللغوي والاجتماعي الذي رافق نشأة المدينة وتطورها.

مخطط على غرار باريس

ولم يكن بناء قامشلو عشوائياً، إذ وضعت السلطات الفرنسية مخططاً عمرانياً للمدينة منذ مرحلة تأسيسها. ويقول برادوست ميتاني: "صمم المخطط على غرار مدينة باريس ولكن بمقياس أصغر".

ففي صيف عام 1926، وتحديداً عقب معركة قرية "بياندور" بين القوات الفرنسية وعشائر المنطقة، اتخذت السلطات العسكرية الفرنسية بقيادة الملازم الأول "تيريه" (والذي يذكره الوجدان الشعبي باسم راكان الفرنسي) قراراً استراتيجياً بنقل الحامية العسكرية وتأسيس ثكنة ثابتة في بقعة مواجهة تماماً لمدينة نصيبين.

واختار الفرنسيون موقعاً مرتفعاً نسبياً بالقرب من ضفاف نهر جقجق لضمان الإمداد المائي والسيطرة البصرية على الحدود.

ولم يترك الفرنسي تخطيط المدينة للارتجال؛ بل استعان بالمهندس المعماري والمدني اليوناني الشهير "خرالمبوس"، الذي وضع مخططاً توجيهياً وهندسياً متطوراً للغاية يُحاكي الطراز الأوروبي الحديث في القرن العشرين.

وتميز المخطط بالشوارع المتوازية والمستقيمة، حيث صُممت المدينة على شكل شبكة شطرنجية دقيقة تتقاطع فيها الشوارع بزوايا قائمة.

وروعي في اتجاهات الشوارع حركة الرياح السائدة للاستفادة من التبريد الطبيعي صيفاً. كما خُصصت مساحات واسعة للمرافق الإدارية والأسواق في قلب المخطط.

هذا التنظيم البديع والشوارع الفسيحة والنظيفة جعلت الرحالة والمسؤولين يطلقون على قامشلو مبكراً لقب "باريس الصغرى"، نظراً لتباينها الشديد مع المدن الشرقية القديمة ذات الأزقة الضيقة والملتوية.

فسيفساء سكانية تشكلت مع المدينة

ولم يكن التنوع السكاني ظاهرة لاحقة في قامشلو، بل رافق مراحل نموها الأولى. فقد استقبلت المدينة موجات مختلفة من السكان، بينهم الكرد والسريان الآشوريون والأرمن والعرب، إلى جانب المردلية والمحلمية واليهود، وغيرهم ممن ساهموا في تشكيل نسيجها الاجتماعي.

ويقول برادوست ميتاني: "ما يميز قامشلو ليس تاريخها فقط بل تركيبتها السكانية، فإلى جانب الكرد سكنها السريان القادمون من مناطق مختلفة، والأرمن النازحون من تركيا، والآشوريون الذين جلبهم البريطانيون".

ويضيف: "بعد انتفاضة الشيخ سعيد قدمت موجات كردية جديدة. أما العرب فكان من بينهم عشيرة الطي التي استقرت في جنوب المدينة، ويُعرف الحي اليوم باسمها "حي الطي".

كما يشير إلى مرحلة لاحقة شهدت تغييرات ديمغرافية خلال عهد البعث، قائلاً: "حكومة البعث جلبت عرباً وأسكنتهم في المدينة، خاصة ما يُسمى بـ "المغمورين"، وأقامت لهم مشاريع زراعية ومدارس بهدف زيادة عددهم في إطار سياسة التعريب وتغيير ديمغرافية المنطقة".

وهكذا تداخلت الهجرات والاستقرار السكاني مع توسع المدينة، لتتشكل أحياء حمل بعضها أسماء مرتبطة بالمكونات التي سكنتها أو بالمهن والشخصيات التي ارتبطت بتاريخها.

بداية التنظيم الإداري

ورافق النمو السكاني قفزات إدارية وتنظيمية هامة صاغت الشخصية القانونية للمدينة، ففي نيسان عام 1927، تم الإعلان رسمياً عن تشكيل أول لجنة بلدية لإدارة الشؤون الخدمية، واختير الوجيه "عبد الرزاق جلبي" كأول رئيس بلدية في تاريخ قامشلو.

وفي عام 1928، رُبطت محطة قامشلو رسمياً بخط قطار الشرق السريع، ما أحدث تحولاً اقتصادياً كبيراً، وحوّل المدينة إلى محطة ترانزيت رئيسية للبضائع والركاب المتنقلين بين حلب والموصل وبغداد.

وبناءً على الإحصاءات السكنية التي أظهرت قفزة ديمغرافية هائلة تجاوزت 10 آلاف نسمة، أصدر رئيس الجمهورية السورية آنذاك مرسوماً تاريخياً في 15 كانون الأول 1937 قضى بترقية بلدية قامشلو واعتبارها قانونياً من فئة "المدن الكبرى".

وفي منتصف الثلاثينيات شُيد مبنى دار البلدية الرسمي. ومؤخراً، تم العثور على لوحة حجرية أثرية تعود لعام 1935 نُقش عليها باللغتين العربية والفرنسية "دار بلدية القامشلية"، لتوثق التسمية المعتمدة رسمياً في تلك الحقبة.

وفي 1 نيسان 1939، دخلت قامشلو رسمياً عصر الطاقة الكهربائية بموجب المرسوم الجمهوري رقم 298 الذي منح امتياز إنارة الشوارع والمنازل للبلدية بالتعاون مع المستثمر "عبد القادر الحاج علي بك" وشركائه.

سوق عزرا.. قلب الحركة التجارية

ومع تطور المدينة ونموها السكاني، أصبحت التجارة أحد أبرز مقومات اقتصادها. وبرز سوق عزرا التاريخي في قلب قامشلو بوصفه واحداً من أهم مراكز الحركة التجارية فيها.

وارتبط السوق بالعائلات اليهودية التي استقرت في المدينة، ومنها التاجر عزرا مير يعقوب، وأصبح السوق مركزاً لتجارة الحبوب والقمح والقطن والأقمشة، إضافة إلى مختلف السلع التي كانت تصل إلى المدينة من المناطق المحيطة.

كما لعب موقع قامشلو دوراً في جعلها مركزاً للتبادل التجاري بين مدن وبلدات الجزيرة، مستفيدة من موقعها الحدودي وقربها من نصيبين وشبكة الطرق والسكك الحديدية.

كاليفورنيا الشرق

وفي منتصف القرن العشرين وتحديداً مع دخول الآليات الزراعية الحديثة (الجرارات والحصادات) بتمويل وتشجيع من البعثات الزراعية الأمريكية والأوروبية، شهدت السهول الخصبة المحيطة بقامشلو فورة إنتاج زراعي كبيرة للقمح والقطن.

ووصفت البعثة الزراعية الأمريكية المدينة والمنطقة المحيطة بها في تقاريرها الرسمية بأنها "كاليفورنيا الشرق"، تشبيهاً لها بولاية كاليفورنيا الأمريكية في وفرة الإنتاج الزراعي والنمو الاقتصادي المتسارع والفرص الاستثمارية التي جذبت رؤوس الأموال من حلب ودمشق.

من قرى محيطة إلى أحياء داخل المدينة

ولم تتوقف عملية التوسع العمراني عند المخطط الأول للمدينة، إذ أخذت القرى المحيطة تدخل تدريجياً في نسيجها العمراني مع نمو عدد السكان واتساع البناء.

ويذكر ميتاني أن أحياء الهلالية، والعنترية، والمحمقية، وحي الآشوريين، وحلكو، والجمعاية كانت في الأصل قرى مستقلة، قبل أن يؤدي توسع قامشلو إلى اندماجها ضمن نسيج المدينة.

ويضيف: "تطور المدينة مر بعدة مراحل حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم".

ومع مرور العقود، تجاوز العمران حدود المخطط الفرنسي القديم، وظهرت أحياء جديدة امتدت باتجاهات مختلفة، لتصبح قامشلو مركزاً حضرياً واسعاً يضم عشرات الأحياء.

النفط والتوسع العمراني

ودخلت المدينة في الربع الأخير من القرن العشرين مرحلة جديدة تماماً من التطور عقب اكتشاف النفط بكميات تجارية هائلة في الحقول المحيطة بها (مثل حقول رميلان، السويدية، وقره جوخ).

وعلى الرغم من أن المنشآت النفطية تقع شرقاً، إلا أن قامشلو كانت المستفيد الأكبر خدمياً وسكنياً، حيث أُنشئت أحياء سكنية جديدة بالكامل لاستيعاب المهندسين، والعمال، وموظفي الشركات النفطية الوطنية والأجنبية.

كما تم تطوير وتوسيع المطار العسكري الصغير في قامشلو ليصبح مطاراً مدنياً حيوياً يربط المدينة بالعاصمة دمشق وبقية دول العالم، مما سهل حركة المغتربين والتجار.

مدينة الثقافة والتنوع

إلى جانب موقعها التجاري، لعبت قامشلو دوراً بارزاً في الحياة الثقافية والفنية. فقد نشأت فيها مؤسسات ثقافية وفنية، وبرز منها شعراء وكتاب وفنانون وموسيقيون، وأصبحت المدينة مساحة تلتقي فيها لغات وثقافات متعددة.

ويصف ميتاني هذا الجانب من المدينة بالقول: "قامشلو خزينة للثقافة، وثقافتها متداخلة ومتماسكة". ويضيف: "تعد قامشلو عروس الجزيرة لجمالها ولمكانتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، وهي مركز تجاري وصناعي تقصده مدن وبلدات كثيرة للتبضع من الغرب عامودا ودرباسية، ومن الجنوب الحسكة وتل براك وتل حميس، ومن الشرق تربه سبيه وجل آغا وكركي لكي وديرك".

وكان لمعبر نصيبين - قامشلو دور بارز في تنشيط الحركة التجارية والزراعية، قبل أن يؤدي إغلاقه إلى تراجع الحركة الاقتصادية وإلحاق خسائر بالمنطقة.

ويقول ميتاني إن المعبر "لعب دوراً كبيراً سابقاً في تنشيط الحركة الاقتصادية والزراعية، لكن إغلاقه تسبب بخسائر كبيرة للمنطقة"، معتبراً ذلك "سياسة تركية تستهدف مدينة كانت لها أهمية تجارية كبيرة".

قامشلو في العقود الأخيرة

وشهدت المدينة خلال العقود الأخيرة تحولات سياسية واجتماعية وأمنية كبيرة، في ظل الأحداث التي مرت بها سوريا والمنطقة. وتعرضت قامشلو خلال سنوات الحرب لسلسلة من التفجيرات والهجمات التي استهدفت مناطق مدنية ومؤسسات وأحياء مختلفة.

ومع تأسيس الإدارة الذاتية في روج آفا، دخلت المدينة مرحلة جديدة على مستوى بناء المؤسسات والإدارات المحلية، إلى جانب محاولات توثيق تاريخها والحفاظ على ذاكرتها.

ويقول ميتاني: "مع تأسيس الإدارة الذاتية في روج آفا عادت المدينة إلى مسار التطور عبر بناء المؤسسات والإدارات وتوثيق تاريخها. ورغم ذلك، لم يرق هذا التطور للكثير من الشوفينيين، حيث نُفذت عشرات التفجيرات لاستهداف الأحياء والشوارع والحدائق ومنع تقدم المدينة".

ويضيف: "قامشلو ورغم كل السياسات والممارسات التي استهدفتها، استمرت بالتطور خاصة بعد انطلاق الثورة".

مئة عام من التحولات

منطقة القصب التي كانت تمتد على ضفاف جقجق تحولت خلال مئة عام إلى مدينة واسعة ذات حضور اقتصادي وثقافي واجتماعي في الجزيرة. ومنذ تأسيسها في عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى توسعها خلال العقود التالية، مرت قامشلو بمراحل متعددة، ترك كل منها بصمته على شكل المدينة وهويتها.

ومع بلوغها عامها المئة في 20 آب 2026، لا تستعيد المدينة تاريخ تأسيسها فحسب، بل تستعيد أيضاً ذاكرة سكانها ومكوناتها وأحيائها وأسواقها وشوارعها وشخصياتها، في مدينة بقيت طوال قرن شاهدة على التحولات الكبرى التي شهدتها منطقة الجزيرة.

وهكذا تبدو قامشلو اليوم مدينة تحمل في اسمها الأول ذاكرة القصب، وفي شوارعها ذاكرة قرن كامل، وفي تنوعها السكاني والثقافي صورة لمراحل متعاقبة صنعت شخصيتها، لتبقى "باريس الصغرى" واحدة من أبرز مدن الجزيرة وأكثرها حضوراً في ذاكرتها الحديثة.

(ح)

ANHA